الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 1، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يبيّن الشيخ أن الكلام في التوحيد والصفات يُعد خبراً إلهياً وارداً في الكتاب والسنة، دائراً بين إثبات الكمال لله ونفي النقص عنه. ويضرب مثالاً بآية الكرسي التي تضمنت إثبات التوحيد والصفات الكمال ونفي النقائص.
يشرح أن خبر الله عن نفسه بالحياة والقيومية ونفي السنة والنوم يستلزم تصديق كمال صفاته ونفي النقائص، لأن نفي النقص يقتضي إثبات كمال الضد. ويؤكد أن تحقيق شهادة "لا إله إلا الله" يقتضي إفراد الله بالعبادة، ومن صرف شيئاً منها لغيره فهو كاذب ومكذب لخبر الله ورسوله.
يعرّف التوحيد الإرادي الطلبي بأنه طاعة أوامر الله واجتناب نواهيه، ويبين أن تحقيقه يكون بالامتثال، بينما توحيد العلم الخبري هو التصديق بخبر الله ورسوله. ومن لم يحقق التوحيد الطلبي مع علمه بالخبري فقد بطل توحيده ووقع في المعصية أو الكفر.
يؤكد المقطع أن خبر رسول الله ﷺ حق وصدق لأنه وحي من الله، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. ويختتم الدرس بالدعاء للنبي وآله وصحبه مع دعوة للاشتراك في القناة.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نقرأ في تقريب التدمرية لفضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى. وهذه الرسالة، وهي التدمرية، لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، واسمها: «تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع». اشتهرت بهذا الاسم، وهو التدمرية، قالوا: لأنها كانت جوابًا من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لأهل تدمر، فسُميت بالتدمرية. وقرّبها الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى، وزاد فيها بعض الأمور التي توضحها وتبينها حتى يسهل فهمها على القارئ ولمن يعلمها، فجزاه الله خيرًا ورحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «فصل». ونترك المقدمة وما يتعلق بها، تُقرأ إن شاء الله من قبلكم. قال: «فصل: الأصل الأول». طيب، قبل هذا قوله رحمه الله تعالى: «الكلام في التوحيد والصفات، وفي الشرع والقدر». قال رحمه الله تعالى: «الكلام في التوحيد والصفات من باب الخبر، الدائر بين النفي والإثبات من قبل المتكلم، المقابل بالتصديق أو التكذيب من قبل المخاطب؛ لأنه خبر عما يجب لله تعالى من التوحيد وكمال الصفات، وعما يستحيل عليه من الشرك والنقص ومماثلة المخلوقات». مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿اللهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. ففي قوله: ﴿اللهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ إثبات التوحيد، وفي قوله: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إثبات كمال الصفات، وفي قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ نفي النقائص عن الله، المتضمن لإثبات الكمالات. ذكر رحمه الله تعالى في هذا الفصل، وفي هذا الموضع، أن الكلام في التوحيد والصفات، وفي الشرع والقدر، هو دائر بين أمرين. فالكلام في التوحيد والصفات من باب الخبر، الدائر بين النفي والإثبات من قبل المتكلم، يعني: أن ما جاء في كتاب الله جل وعلا من أخبار أخبر الله جل وعلا عنها فيما يتعلق بتوحيده وإثبات الأسماء له جل وعلا والصفات، فهذه الأخبار تدور بين النفي والإثبات؛ لأن هناك ما أثبت الله جل وعلا لنفسه من صفات، ونفى عن نفسه جل وعلا الصفات. فهذه الأخبار التي جاءت فيما يتعلق بتوحيده جل وعلا وإثبات الصفات له، ويسمى هذا بباب التوحيد العلمي الخبري. التوحيد العلمي الخبري؛ لأن الله جل وعلا أعلم به في كتابه، وأخبر به جل وعلا في كتابه، وأمر بتصديقه واعتقاده. فأخبر بذلك عن نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله عليه الصلاة والسلام، ما يتعلق بأسمائه وصفاته، وما يستحق جل وعلا من العبادات، ومن إفراده جل وعلا بالعبودية، وما يتعلق كذلك بأخبار الغيب، وما يتعلق بالإيمان به جل وعلا، ملائكته، كتبه، رسله، واليوم الآخر، والقدر. كل هذه الأخبار الواردة في كتاب الله جل وعلا، أو في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، هي أخبار ممن تكلم بها وأخبر بها عن نفسه، إما في كتابه، أو على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام، دائر بين النفي والإثبات. فأثبت لنفسه أمورًا، ونفى عن نفسه أمورًا جل وعلا، في كتابه أو على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام. فهذا هو الخبر الدائر بين النفي والإثبات من قبل المتكلم، والمخبر بذلك عن نفسه وهو الله جل وعلا، المقابل بالتصديق أو التكذيب من قبل المخاطب. فهذه الأخبار الواردة في الكتاب والسنة إما أن تصدق، وإما أن تكذب من قبل المخاطب. فمن صدق بها فهو المؤمن، اعتقدها وآمن بها، علمها وصدق بها وآمن بها فهو المؤمن. ومن كذبها ولم يثبتها فهذا هو الكافر؛ لأنه كذب خبر الله جل وعلا وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام. ومن كذب خبر الله أو خبر رسوله عليه الصلاة والسلام فهو كافر، كافر بالله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «لأنه خبر عما يجب لله تعالى من التوحيد وكمال الصفات، وعما يستحيل عليه من الشرك والنقص ومماثلة المخلوقات». ثم ذكر رحمه الله تعالى مثالًا، وهي قوله جل وعلا: ﴿اللهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، كما جاء في آية الكرسي، وهي أعظم آية في كتاب الله جل وعلا. فالله جل وعلا قال: ﴿اللهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. فقوله: ﴿اللهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ هذا خبر، خبر من الله جل وعلا بأنه الإله الواحد، وأنه وحده الذي يستحق العبادة جل وعلا. هذا خبر من الأخبار التي جاءت في كتاب الله جل وعلا تتعلق بإنفراده جل وعلا بالعبودية والوحدانية جل وعلا، فيقابل هذا من المخاطب به التصديق أو التكذيب. فمن أقر بوحدانية الله جل وعلا، وصدق خبر الله جل وعلا هذا، فقد وحد الله وآمن. ومن لم يصدق هذا الخبر فقد كذب خبر الله جل وعلا، وكفر بالله سبحانه وتعالى. وقوله جل وعلا: ﴿فِي قَوْلِهِ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: «إثبات كمال الصفات». إثبات كمال الصفات بأن «الحي» من أسماء الله جل وعلا، و«القيوم» كذلك. و«الحي» يتضمن صفة الحياة، و«القيوم» يتضمن صفة القيومية لله جل وعلا. و«الحي القيوم» ثبت أنه اسم الله الأعظم، اسم الله الأعظم الذي دُعي به أجاب جل وعلا: ﴿اللهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. فهذا الاسم الأعظم تضمن أعظم صفات الرب جل وعلا؛ لأنه الاسم الأعظم لله سبحانه وتعالى، وهذا يقتضي أن هذا الاسم تضمن أعظم الكمالات لله جل وعلا، وأعظم الصفات لله سبحانه وتعالى. فكثير من الصفات ترجع إلى هذين الاسمين العظيمين، ترجع إلى هذين الاسمين العظيمين: الحي القيوم. فالله جل وعلا حي، وهو قيوم سبحانه وتعالى. وهذا يقتضي ماذا؟ يقتضي التصديق بذلك؛ لأنه خبر الله جل وعلا في كتابه الكريم، يتضمن إثبات الكمالات لله جل وعلا، وأن له الكمال المطلق جل وعلا من جميع الوجوه. فلابد من تصديق هذا، وعدم رده. ففي هذا إثبات كمال الصفات لله سبحانه وتعالى. وفي قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: نفي النقائص عن الله، المتضمن لإثبات الكمالات. ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ هذا خبر في كتاب الله جل وعلا، فيه نفى ربنا جل وعلا عن نفسه السنة والنوم: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. فنفى عن نفسه هذه النقائص، فالواجب تصديق خبر الله جل وعلا في نفي هذه النقائص عن الله سبحانه وتعالى. ونفي النقائص عن الله جل وعلا تتضمن إثبات الكمالات لله جل وعلا؛ لأن نفي النقائص عن الله جل وعلا، وما نفاه جل وعلا عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله عليه الصلاة والسلام، هذا النفي المراد به إثبات كمال الضد، إثبات كمال الضد. فالله جل وعلا ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ لماذا؟ لأنه حي قيوم لا ينام جل وعلا. إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام. فلكماله جل وعلا فهو لا ينام، ولا تأخذه سنة ولا نوم. لماذا؟ لكماله جل وعلا؛ لأن هذه صفات نقص. فإذن يُنزه الرب جل وعلا عن كل صفات النقص والعيب، يُنزه الرب جل وعلا عن كل صفات النقص والعيب؛ لأنه جل وعلا أخبر عن نفسه أنه تنزه عن كل نقص وعيب، وأنه جل وعلا اتصف بكل كمال، وأن له الكمال المطلق، والوصف الأعلى، ولله المثل الأعلى، أي: الوصف الأعلى، والكمال المطلق من جميع الوجوه. فإذن تصديقًا لخبر الله جل وعلا: إثبات الكمالات له، ونفي النقائص عنه جل وعلا. وهكذا تحقيق التوحيد، وإثبات التوحيد، وأنه جل وعلا المستحق وحده للعبادة؛ لأن هذا مما أخبر الله جل وعلا به في كتابه الكريم، فيما يتعلق ببيان حقه من التوحيد، وبيان كذلك ما اتصف به جل وعلا من الأسماء والصفات. وهذا من أعظم الأمور، هذه من أعظم الأمور التي تعلقت بالله جل وعلا: العلم بحقه، والعلم كذلك بأسمائه وصفاته جل وعلا. وهكذا مثلًا قوله جل وعلا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللهُ﴾. هذا خبر في كتاب الله، أعلمه عباده، وأمرهم أن يعلموه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللهُ﴾، أي: لا معبود بحق إلا هو جل وعلا. وهذا خبر دائر بين النفي، ودائر بين التصديق والتكذيب من قبل المخاطب الذي خوطب به، وهم البشر. فمن الناس من أثبتوا ذلك، واعتقدوا أنه لا معبود بحق إلا الله جل وعلا، ولذلك لم يشركوا غير الله جل وعلا في عبادته، فلم يستغيثوا بمخلوق من المخلوقات، ولم يتوجهوا إلى أحد من البشر بطلب شيء، إنما يطلب من رب العالمين جل وعلا. وهذا يدل على تحقيقهم وتصديقهم لخبر الله جل وعلا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللهُ﴾. أما من علم أنه لا إله إلا الله في كتاب الله، ولكنه لم يحقق ذلك بفعله، لم يحقق ذلك بفعله، ولم يعتقد ذلك في قلبه؛ لأنه صرف شيئًا من العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، مما يدل هذا على أنه لم يعلم يقينًا، ولم يعتقد حقًا أنه لا إله إلا الله. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللهُ﴾. لكن من علم يقينًا أنه لا إله إلا الله، وأنه لا معبود بحق إلا الله، فإذن هو لن يصرف عبادة لغير الله، ولن يجعل لمخلوق من المخلوقات شيئًا، إنما هو من خصائص رب العالمين جل وعلا. وأما من يقول: علمت أنه لا إله إلا الله، ثم يصرف شيئًا من العبادات لغير الله، فهذا كذب، هذا كذب، يكذب على نفسه، ويكذب على ربه جل وعلا. يكذب على نفسه لأنه يقول: لا إله إلا الله، ومعنى ذلك: لا معبود بحق إلا الله، ثم إذا هو يصرف عبادة لغير الله، أين قوله: لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله؟ فإذن هذا يكذب، يكذب نفسه، ويكذب قوله، ويكذب على ربه جل وعلا، يكذب على ربه جل وعلا. حين يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، كم من الناس من هو كاذب؟ كم من الناس من هو كاذب في قوله: لا إله إلا الله، محمد رسول الله؟ يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ولكنه يذهب إلى ولي من الأولياء، أو ميت من الأموات، يدعوه من دون الله جل وعلا، أو يستغيث به، أو يعتقد فيه النفع والضر، أو يخافه كذلك خوف السّر، أنه إذا لم يذبح له، أو إذا لم يذكره بخير ضره، وغير ذلك من هذه الاعتقادات الفاسدة التي تهدم هذا القول. فهذا دليل على عدم العلم الصحيح بلا إله إلا الله، وعدم تصديق خبر الله جل وعلا في كتابه، وعدم تصديق خبر رسول الله عليه الصلاة والسلام في سنته، بأنه جل وعلا لا إله إلا هو، أي: هو المعبود المستحق وحده للعبادة، وما عُبد من دونه جل وعلا فهو معبود بباطل، ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، في الآية الأخرى: ﴿الْبَاطِلُ﴾. قال رحمه الله تعالى: «وأما الكلام في الشرع والقدر، فهم من باب الطلب، الدائر بين الأمر والنهي من قبل المتكلم، المقابل بالطاعة أو المعصية من قبل المخاطب؛ لأن المطلوب إما محبوب لله ورسوله فيكون مأمورًا به، وإما مكروه لله ورسوله فيكون منهى عنه». مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾: الأمر بعبادة الله، وفي قوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾: النهي عن الإشراك به. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بالكلام في الشرع والقدر، فهو من باب الطلب. وهذا ما يسمى بالتوحيد الإرادي الطلبي، التوحيد الإرادي الطلبي، وهو ما أراده الله جل وعلا من عباده، وطلبه منهم. فالله جل وعلا أمر عباده بمأمورات في كتابه الكريم، وأعظم هذه المأمورات: الأمر بتوحيده جل وعلا، والأمر بطاعته، طاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، وغير ذلك من المأمورات. وهكذا كذلك نهى عباده عن أمور، ومن أعظم هذه الأمور التي نهاهم عنها: الشرك به جل وعلا. فهذا الأمر وهذا الطلب الذي أراده الله جل وعلا من عباده، يقال له: التوحيد الإرادي الطلبي، التوحيد الإرادي الطلبي، وهو ما أراد الله جل وعلا وطلبه من عباده، وأن يوحدوه به، وأن يفردوه به جل وعلا من الطاعة المطلقة له سبحانه وتعالى. فالطاعة المطلقة له جل وعلا، وهكذا من امتثال توحيده، واجتناب الشرك، والإثم، والمعاصي. فكل ما جاء في كتاب الله، أو في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، من الأوامر والطلب، فهذا مما طلبه الله جل وعلا وأمر به عباده أن يمتثلوه. فإذا وحد العباد ربهم جل وعلا، وحققوا هذه المطالب لله جل وعلا، دل ذلك على توحيدهم، ودل ذلك على امتثالهم، ودل ذلك على امتثالهم لله جل وعلا. ومن لم يحقق ذلك، فعصى، ولم يحقق التوحيد لله جل وعلا، ولم يأت بطاعة الله جل وعلا، ولا بطاعة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهذا خالف في هذا، خالف في هذا، ولم يمتثل، بل عصى ربه جل وعلا. والمعصية بقدرها، والمعصية بقدرها، والناس يتفاوتون في هذا. فمن الناس من يعصي ربه جل وعلا، فلا يمتثل للتوحيد، نعم، ويقع في المعصية التي هي كفر أو شرك، فيقع في الكفر الأكبر، فيخرج عن ملة الإسلام. ومن الناس من يقع عنده التفريط في هذا الباب، بترك بعض الأوامر التي لا تخرجه من الإسلام، أو يفعل بعض المحرمات والنواهي التي لا تخرجه من الإسلام، ولكنه في هذا الباب ماذا؟ فرط في هذا الباب، فرط. فامتثل شيئًا من أمر الله جل وعلا، وشيئًا من أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفرط في أمور أخرى. قال: وذكر مثالًا رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. فهذه الآية فيها الأمر من رب العالمين جل وعلا لعباده بأن يعبدوه وحده جل وعلا، وفيه النهي من رب العالمين جل وعلا لعباده بأن لا يشركوا به جل وعلا شيئًا. فقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾: الأمر بعبادته سبحانه وتعالى، وفي قوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾: النهي عن الإشراك به. وهكذا مثلًا قوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. فأمر الله جل وعلا عباده بأن يخافوه وحده جل وعلا، ونهاهم عن أن يخافوا غيره جل وعلا. فالواجب امتثال، فالواجب امتثال هذه الأوامر، فحقق العبد التوحيد لله جل وعلا، ويترك الشرك به سبحانه وتعالى. فمن امتثل ذلك فقد حقق التوحيد الإرادي الطلبي، حقق التوحيد الإرادي الطلبي الذي أراده الله جل وعلا وطلبه منه. وأما من فرط في ذلك، ووقع في الشرك، فهذا لم يحقق هذا التوحيد، لم يحقق هذا التوحيد الإرادي الطلبي، ولو كان عنده علم بتوحيد العلم الخبري، توحيد العلم الخبري، بأن الله جل وعلا لا معبود بحق إلا هو، وأنه جل وعلا وحده الذي يستحق العبادة، عنده العلم الخبري بهذا، لكنه لم يحقق التوحيد الإرادي الطلبي، بحيث لم يحقق العبودية لله جل وعلا. وهكذا كذلك خالف، وقع في الشرك بالله سبحانه وتعالى، فلذلك بطل في هذا، ولم يحقق هذا النوع من أنواع التوحيد، الذي هو ما يتعلق بالشرع والقدر، الذي أمر الله سبحانه وتعالى به. قال: «والفرق بين الخبر والطلب في حقيقتيهما وحكمهما معلوم». فالواجب على العباد: إذا خبر الله ورسوله، التصديق والإيمان، والإيمان به على ما أراد الله ورسوله، تصديقًا لا تكذيب معه، وإيمانًا لا كفر معه، ويقينًا لا شك معه، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. فالواجب إذا خبر الله جل وعلا أن يصدق العبد بخبر الله، ويؤمن بذلك على ما أراد الله، تصديقًا بذلك لا تكذيب معه، وإيمانًا؛ لأنه لا يحقق الإيمان إلا بتصديق خبر الله وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام. وذكر الآية الدالة على ذلك. ومن ذلك كذلك قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾. لم يكن عندهم ريب ولا شك فيما يتعلق بخبر الله جل وعلا، أو خبر رسوله عليه الصلاة والسلام، فيما يتعلق بالإيمان به، أو بملائكته، أو بكتبه، أو رسله، أو اليوم الآخر، أو القدر، أو غير ذلك من الأمور الغيبية التي أخبر الله جل وعلا عنها في كتابه، أو أخبر عنها رسوله عليه الصلاة والسلام في سنته الصحيحة. لأن خبر الله الصدق، وحق، ومن أصدق من الله قيلًا؟ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾. وهكذا خبر رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهو حق وصدق؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، بل جاء بالحق وصدق المرسلين. ونواصل إن شاء الله في درس لاحق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اشتركوا في القناة