التعليق على تقريب التدمرية 86

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 86، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

أقسام الناس في الإيمان بالقدر والشرع

ينقسم الناس إلى أهل هدى وأهل ضلال في فهمهم للقدر والشرع. أهل الضلال ينقسمون إلى ثلاث فرق بسبب مفاهيمهم الخاطئة.

بيان الإيمان الصحيح بالقدر والشرع وضلال الجبرية والقدرية

أهل الحق آمنوا بالقدر والشرع معا ولم يحتج أحدهما على الآخر. الجبرية والقدرية ضلتا بتعطيلهما للشرع أو القدر.

الفرق بين الجبرية والقدرية والإبليسية في التعامل مع القدر والشرع

الجبرية والقدرية والإبليسية اختلفت في التعامل مع القدر والشرع، بينما أهل الحق جمعوا بينهما دون تناقض. كل فرقة ضلت بطريقتها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال مؤلف كتاب "التوضيح والبيان لشجرة الإيمان" رحمه الله تعالى: فصل: إذا تبين أنه لا بد للإنسان من الإيمان بالقدر والإيمان بالشرع، فعلم أن الناس انقسموا في ذلك إلى قسمين. القسم الأول: أهل الهدى والفلاح، الذين آمنوا بقضاء الله وقدره على ما سبق بيانه من المراتب الأربع، وآمنوا أيضا بشرعه، فقاموا بأمره ونهيه، وآمنوا بما ترتب على ذلك من جزاء، ولم يحتجوا بقدره على شرعه أو بشرعه على قدره، ولم يجعلوا ذلك تناقضا من الخالق. وهؤلاء هم أهل الحق الذين حققوا مقام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، المؤمنين بمقتضى قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. القسم الثاني: أهل الضلال والهلاك، المخالفون للجماعة، وهم ثلاث فرق: مجوسية، ومشركية، وإبليسية. فالمجوسية هم القدرية الذين آمنوا بشرع الله وكذبوا بقدره. فغلاةهم أنكروا عموم علم الله تعالى، وقالوا: إن الله تعالى لم يقدر أعمال العباد، ولا علم له بها قبل وقوعها. ومقتصدوهم آمنوا بعلم الله بها قبل وقوعها، وأنكروا أن تكون واقعة بقدر الله تعالى، وأن تكون مخلوقة له. وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم، ومذهبهم باطل بما سبق في أدلة مراتب القدر. المشركية هم الذين أقروا بقدر الله واحتجوا به على شرعه، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾. والإبليسية هم الذين أقروا بالأمرين: بالقدر وبالشرع، لكن جعلوا ذلك تناقضا من الله عز وجل، وتعنوا في حكمته تعالى، وقالوا: كيف يأمر العباد وينهاهم وقد قدر عليهم ما قدر، مما قد يكون مخالفا لما أمرهم به ونهاهم عنه؟ فهل هذا إلا التناقض المحض والتصرف المنافي للحكمة؟ وهؤلاء أتباع إبليس، فقد احتج إبليس على الله عز وجل حين أمره أن يسجد لآدم، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. والرد على هاتين الفرقتين معلوم من الرد على المحتجين بالقدر على معصية الله تعالى. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل، بعد أن ذكر في الفصل السابق ضرورة الإيمان بالقدر والشرع، وأنه لا بد من الإيمان بالقدر والشرع، أحوال الناس في الإيمان بالقدر والشرع، وأن الناس على قسمين: أهل الحق وأهل ضلال. أهل الحق هم أهل السنة والجماعة، وهم من آمن بما جاء في كتاب الله وما جاء في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام من الإيمان بالقدر والإيمان بالشرع. فهؤلاء هم أهل الحق وهم أهل الهدى والفلاح، الذين آمنوا بقضاء الله وقدره على ما سبق بيانه من مراتب الأربع. آمنوا بالقدر وأن الأمور بقدر الله جل وعلا، وأن الله جل وعلا قد علم الأشياء في الأزل، وكتبها جل وعلا، وهي تقع بمشيئته جل وعلا. ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. فلا يكون إلا ما شاء الله، ولا يكون ما لم يشأ الله جل وعلا. وهكذا آمنوا بأن الله جل وعلا خلق المقادير وخلق الأشياء، كتب تلك المقادير وشاءها وخلقها. خلق العباد وخلق أعمال العباد، وما يكون من شيء حادث في ملكوت الله جل وعلا إلا وهو مخلوق لله جل وعلا. فالمقادير والحوادث الصادرة من العباد ومن غيرهم، كلها من خلق الله سبحانه وتعالى. وهكذا آمنوا بالشرع: بالأمر والنهي، والثواب والعقاب، والجنة والنار، وغير ذلك. فآمنوا بشرع الله جل وعلا، فحققوا بذلك الإيمان بالقدر وبالشرع. لم يحتجوا بقدره على شرعه، كالذين احتجوا بقدر الله على شرع الله جل وعلا، وهم الجبرية المجوسية، كما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من ضمن فرق الضلال. الجبرية المشركية احتجوا بقدر الله على شرعه، آمنوا بالقدر، ولكن احتجوا بالقدر على الشرع، فعطلوا الشرع، زعما منهم أن الشرع يعارض القدر، وأن الإيمان بالقدر يعارض الشرع ويعارض الأمر والنهي، لأن العباد مجبورون على أعمالهم. وهذا فيه تعطيل للأمر والنهي والثواب والعقاب، بل والإرسال الرسل والإنزال الكتب. ما فائدة إنزال الكتب إذا جبر العباد على الأمور وعلى الأفعال؟ ما فائدة إرسال الرسل إذا كان العباد قد جبروا؟ وما فائدة الثواب والعقاب والعباد مجبورون؟ فكيف يستحق هذا الثواب، وكيف يستحق هذا العقاب، والكل مجبور؟ الذي فعل الطاعة مجبور، جبر على فعلها، والذي فعل المعصية مجبور، جبر على فعلها. فأي فرق بين هذا وهذا؟ ولماذا هذا أثيب، ولماذا هذا عوقب؟ ولماذا هذا يدخل الجنة، وهذا يدخل النار؟ ولماذا أرسلت الرسل؟ ولماذا أرسلت الكتب؟ وهذا كله في تعطيل للشرع. فالقول بالقدر وعدم الإقرار بالشرع، تعطيل للشرع، وجعل القدر يعارض الشرع. هذا تعطيل. فيلزم من ذلك تعطيل الشرع، وتعطيل الأمر والنهي، وتعطيل الثواب والعقاب، بل تعطيل الجنة والنار. يعني لم تكن هناك حكمة من وجود الجنة والنار، حيث تكون الجنة لأناس استحقوها، والنار كذلك، لأن الجميع يفعل بإجبار وبجبر، كما يزعم هؤلاء. فهؤلاء ضلال، وهم الجبرية المشركية. وسيأتي الكلام عنهم حين يذكر المؤلف رحمه الله تعالى. وأما القدرية المجوسية، فهم الذين آمنوا بالشرع، ولكن احتجوا به على قدره. آمنوا بالشرع: بالثواب والعقاب، والأمر والنهي. نعم. لكن عطلوا القدر، جعلوا فعل العبد غير مقدر، جعلوا فعل العبد غير مخلوق لله جل وعلا. وغلاة القدرية أنكروا عموم علم الله جل وعلا، فأنكروا مرتبة العلم والكتابة. ومقتصدوهم أنكروا عموم المشيئة والخلق، فجعلوا أفعال العباد غير مخلوقة لله جل وعلا، وغير مقدرة، ولا يفعلونها بمشيئة الله جل وعلا، وبقدر الله جل وعلا الكوني الأزلي. وهذا فيه تعطيل للقدر. فإذا هم آمنوا بشرع الله، لكن قد احتجوا به على القدر، فجعلوا الشرع يعارض القدر. فآمنوا بشرع الله، واحتجوا به على قدره. ولذلك لم يثبتوا القدر. غلاة القدرية أنكروا العلم والكتابة، ومقتصدوهم أنكروا عموم المشيئة والخلق. وهذا فيه تعطيل للقدر، وليس فيه جمع بين الإيمان بالشرع والإيمان بالقدر. فالجبرية على طرف، والقدرية على طرف. الجبرية آمنوا بالقدر، وعطلوا الشرع. والقدرية هؤلاء آمنوا بالشرع، وعطلوا القدر. فلم يؤمنوا بالشرع والقدر معا. وهؤلاء ضلال، وهؤلاء ضلال. فأهل الحق وهم أهل الهدى والفلاح، لم يحتجوا بشرع الله جل وعلا على قدره، ولا بقدره على شرعه. قالوا: لم يجعلوا ذلك تناقضا من الخالق. وهؤلاء هم الإبليسية، الذين ذكرهم المؤلف رحمه الله تعالى، لأنهم شابهوا إبليس في الاحتجاج على الله جل وعلا، وجعلوا فعل الله وأمر الله جل وعلا فيه تناقض. قال المؤلف رحمه الله تعالى: "والإبليسية هم الذين أقروا بالأمرين: بالقدر وبالشرع، لكن جعلوا ذلك تناقضا من الله عز وجل، وطعنوا في حكمته تعالى، وقالوا: كيف يأمر العباد وينهاهم وقد قدر عليهم ما قدر، مما قد يكون مخالفا لما أمرهم به ونهاهم عنه؟ فهل هذا إلا التناقض المحض والتصرف المنافي للحكمة؟". وهؤلاء أتباع إبليس، فقد احتج إبليس على الله عز وجل حين أمره أن يسجد لآدم، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. والرد على هاتين الفرقتين معلوم من الرد على المحتجين بالقدر على معصية الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: "قال مؤلف كتاب 'التوضيح والبيان لشجرة الإيمان' رحمه الله تعالى: فصل: إذا تبين أنه لا بد للإنسان من الإيمان بالقدر والإيمان بالشرع، فعلم أن الناس انقسموا في ذلك إلى قسمين". وأهل الحق هم الذين حققوا الإيمان بالقدر وبالشرع، ووفقهم الله جل وعلا للجمع بين النصوص في ذلك كله، فآمنوا بكل ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من المستسلمين لأوامر الله جل وعلا، مما جاء في القدر ومما جاء في الشرع، ونوفقنا للمنهج القوي في هذا الباب العظيم، الذي دلت فيه طوائف حين قدمت العقل ولم تستسلم لشرع الله جل وعلا وقدره. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.