التعليق على تقريب التدمرية 9

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 9، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

أسباب ورود التفصيل في نفي الصفات عن الله تعالى

يبيّن الدرس أن التفصيل في نفي الصفات عن الله يهدف إلى إثبات كمال الضد لتلك الصفات المنفية، وللتهديد والوعيد للظالمين والمكذبين. كما يمثل بآيات النفي كغفلة الله وإهماله، ويذكر أمثلة التفصيل في الإثبات كما في سورة الحشر.

تفصيل أسماء الله الحسنى في سورة الحشر وشرح دلالات اسم "السلام"

يستعرض الدرس آيات سورة الحشر التي تضمنت نحو ستة عشر اسماً لله، مبيناً أن الاسم الواحد قد يدل على صفات متعددة كما نبه ابن القيم. ثم يشرح اسم "السلام" بأنه السالم من كل نقص، والمانح السلامة لعباده، مستدلاً بالحديث النبوي الذي نهى عن قول "السلام على الله".

معاني أسماء الله الحسنى: العزيز، الجبار، الحكيم

يشرح الدرس معاني أسماء الله «العزيز» و«الجبار» و«الحكيم» وما تتضمنه من صفات؛ فالعزيز يدل على القهر والغلبة والامتناع والقوة، والجبار يجمع بين صفة الجبروت وصفة جبر الكسر، والحكيم يتضمن صفة الحكمة والإحكام.

خاتمة الدرس والتمهيد للدرس القادم

يختتم المتحدث الدرس الحالي مؤجلاً موضوعاً ما إلى الدرس اللاحق، ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه، ثم يشكر الحضور.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. ما بعد، فكان آخر الكلام في قول المؤلف رحمه الله تعالى: فيما يتعلق بأن الإجمال في أسماء الله تعالى وصفاته قد يرد، وبينا العلة التي لأجلها قد يرد الإجمال في أسماء الله تعالى وصفاته الثبوتية. العلة التي يرد لأجلها الإجمال في أسماء الله تعالى وصفاته الثبوتية هي إثبات الكمالات؛ لأن الأسماء الحسنى والصفات العُلا لا تُنحصر، فلذلك جاءت النصوص المجملة في إثبات الكمالات في أسماء الله جل وعلا وصفاته. قال رحمه الله تعالى: «وقد يأتي التفصيل في الصفات المنفية لأسباب منها»، وذكر رحمه الله تعالى نفي ما ادعاه بحقه الكاذبون المفترون، وهكذا دفع توهم نقص في كماله. وهذا قد ذكرناه، وأيضا يضاف لهذا أن النفي الذي جاء مفصلا في الكتاب والسنة أيضا من أسبابه -أي من أسباب مجيئه- إثبات كمال الضد، إثبات كمال الضد لتلك الصفات المنفية؛ لأن تلك الصفات التي نفيت ليس المراد منها النفي المحض. قد بينا أن النفي يأتي على نوعين: نفي محض، ونفي غير محض. الصفات التي نفيت هي من باب النفي غير المحض؛ لأن المراد منها إثبات كمال ضدها. فنفي الظلم عن الله جل وعلا لبيان كمال ضده وهو العدل، ونفي السِّنة والنوم لبيان كمال قيوميته وحياته جل وعلا، وغير ذلك من الصفات المنفية: العجز لكمال قدرته، والضعف لكمال قوته، والفقر لكمال غناه جل وعلا، إلى آخر ذلك. وأيضا من الأسباب التي لأجلها يأتي النفي للصفات المنفية مفصلا: التهديد والوعيد، لذكر التهديد وذكر الوعيد. فمثلا نفى الله جل وعلا عن نفسه الغفلة: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾، فهنا جاء النفي مفصلا لنفي هذه الصفة وهي صفة الغفلة عن الله جل وعلا، لماذا؟ للتهديد، تهديد أولئك الظالمين ليعلموا أن الله جل وعلا غير غافل عن ظلمهم واعتدائهم. وكذلك ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن الله يمهل ولا يهمل»، فنفى الله جل وعلا على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام هذه الصفة، صفة الإهمال، وجاء النفي فيها مفصلا، ما الفائدة؟ الفائدة من ذلك التهديد، تهديد هؤلاء الذين أمهلهم الله جل وعلا فلا يظنون أن ذلك عن إهمال وعدم آخذه بعد ذلك. فالله جل وعلا يمهل لأن رحمته سبقت غضبه، ولأنه جل وعلا يعطي عبده فرصة لعله يتوب، لعله يرجع، ولكن لا يهمله جل وعلا، فهذا فيه تهديد. فنفي هذه الصفة هنا لأجل التهديد، تهديد هؤلاء، وكما جاء في الآية: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، فهذا أيضا مما يستفاد من مجيء النفي مفصلا لصفات الله جل وعلا: التهديد. قال رحمه الله تعالى: «أمثلة التفصيل في الإثبات والإجمال في النفي». قال: الأمثلة على التفصيل في الإثبات كثيرة جدا، منها قوله تعالى في سورة الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ إلى آخر السورة. قال: فقد تضمنت هذه الآيات أكثر من خمسة عشر اسما، وكل اسم منها قد تضمن صفة أو صفتين أو أكثر. ذكر رحمه الله تعالى مثالا لما جاء في كتاب الله جل وعلا في التفصيل في الإثبات، هذه الآيات من سورة الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ ۝ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. في هذه الآيات تقريبا ذكر ستة عشر اسما من أسماء الله جل وعلا، وهذه الأسماء منها ما تضمن صفة واحدة، ومنها ما تضمن صفتين، ومنها ما تضمن أكثر. وهذا نستفيد منه فائدة أشار إليها ابن القيم رحمة الله تعالى عليه في «بدائع الفوائد»: أن أسماء الله جل وعلا منها ما يكون دالا على عدة صفات، لا يدل على صفة واحدة، بل ربما يدل الاسم على عدة صفات. هنا في هذه الآيات في سورة الحشر، إذا أخذنا اسم الله جل وعلا «العزيز»... «العزيز» هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس، وقبلها: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ ۝ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾. اسم الله جل وعلا «السلام»: معناه السالم من كل نقص وعيب، فمعنى اسم الله «السلام» السالم من كل نقص وعيب، الذي سلم من كل نقص وعيب. وأيضا تثبت له جل وعلا صفة السلامة، صفة السلامة من كل نقص وعيب. وأيضا صفة السلام بمعنى أنه هو جل وعلا الذي يسلم عباده، أنه جل وعلا يسلم عباده، كما قال جل وعلا: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾، معناه أنه جل وعلا سلم عليهم، يسلمهم سبحانه وتعالى من الوقوع في المهالك. كما أنه جل وعلا السالم من كل نقص وعيب، كذلك هو السلام بمعنى الذي يسلم عباده من الوقوع في النقائص والوقوع في المهالك. ولذلك ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنهم كانوا يقولون: «السلام على الله، السلام على الله»، فقال نبيهم: «لا تقولوا ذلك، فإن الله هو السلام»؛ لأنهم لما يقولون «السلام على الله» معناه أنهم يدعون لله جل وعلا بالسلام، والله جل وعلا هو الغني الذي له الغناء المطلق، فهو الذي يطلب منه جل وعلا السلامة، ولا تطلب له، لا تطلب له السلامة، وإنما تطلب منه السلامة؛ لأنه جل وعلا الغني. ولذلك قال: «فإن الله هو السلام، فإن الله هو السلام»، يعني هو الذي يسلم عباده، وهو الذي يطلب منه السلامة، ولا تطلب له السلامة؛ لأن من طلبت له السلامة هذا يدل على نقص فيه، وقد تنزه الله جل وعلا عن كل نقص وعيب، فلا يدعى له بالسلامة بأن يسلم، نعم، وإنما المخلوق العاجز هو الذي تطلب له السلامة بأن يسلم من الوقوع في المهالك. ولذلك نقول في دعائنا بعد انتهاء صلاتنا: «اللهم أنت السلام، اللهم أنت السلام، ومنك السلام». «أنت السلام» أي الذي سلم من كل نقص وعيب، «ومنك السلام» أي أنت الذي تسلم عبادك من المهالك ومن الشرور. فاسم الله «السلام» إذن تضمن هذه الأوصاف لله جل وعلا. «المؤمن، المهيمن، العزيز»: اسم الله «العزيز» تضمن عدة صفات؛ لأن العزيز بمعنى الذي له صفة القهر والغلبة، صفة الامتناع، صفة القوة. وهذه الأوصاف والمعاني لاسم الله «العزيز» قد حكاها ابن القيم رحمة الله تعالى عليه في نونيته حيث قال رحمه الله تعالى: «وهو العزيز فلن يرام جنابه أن يرام جناب ذي السلطان وهو العزيز القاهر الغلاب» هذه الصفتان، «وهو العزيز بقوة» هي وصفه، فالعز حينئذ ثلاث معانٍ. فإذا معنى اسم الله «العزيز» أنه الذي له القهر، وله الغلبة والامتناع، وله القوة، فكل هذه صفات باسم الله «العزيز»: القهر، والغلبة، والامتناع، والقوة. فيمتنع أن يغلبه أحد جل وعلا، أو أن يقهره أحد سبحانه وتعالى؛ لأنه القاهر الغلاب جل وعلا. «العزيز، الجبار»: اسم الله «الجبار» هذا فيه صفة الجبروت، صفة الجبروت وهي العظمة، من معانيها العظمة، ومن معانيها أيضا من معاني اسم الله «الجبار»: الجبر، صفة الجبر، أي الذي يجبر عباده، يجبر كسرهم. ولذلك كان من ضمن أدعية النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واعفُ عني، واجبرني، واجبرني»، والمراد هنا طلب الجبر من الله جل وعلا، وهو تسديد الضعف، جبر الكسر. فمن الصفات التي ضمنها اسم الله جل وعلا «الجبار» صفة الجبر. ولذلك قال القائل: «يا من ألوذ به فيما أؤمله ويا من أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظما أن كسره ولا يهضون عظما أن جبره» «يا من ألوذ به فيما أؤمله ويا من أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظما أن كسره إذا كسر الله جل وعلا عظما وقضى ذلك لا يستطيع أي أحد أن يجبر ذلك الكسر ولا يهضون عظما أن جبره» ولا يهضون عظما بمعنى لا يكسرون أن جبره، فالعظم الذي جبره الله جل وعلا لا يستطيع أحد أن يكسره؛ لأن ذلك قد قضاه الله جل وعلا وهو الجابر لهذه العظام. فالشاهد أن الذي يجبر الكسير هو الله جل وعلا والضعيف، والذي يجبر عباده هو الله جل وعلا. فاسم الله جل وعلا «الجبار» يتضمن هاتين الصفتين: صفة الجبروت لله جل وعلا هي القوة والعظمة والكبرياء، وهذه المعاني، وهكذا كذلك صفة الجبر، أي أنه الذي يجبر عباده، يجبر الضعيف والكسير منهم. «العزيز، الجبار، المتكبر، سبحان الله عما يشركون، هو الله الخالق البارئ المصور، له الأسماء الحسنى، يسبح له ما في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم». اسم الله «الحكيم» يتضمن صفة الحكمة وصفة الإحكام، يتضمن صفة الحكمة وصفة الإحكام. فالله جل وعلا هو الحكيم بمعنى أن له صفة الحكمة، وهي وضع الشيء، ووضع الأشياء في مواضعها الموافقة للغايات المحمودة، ومنها كذلك الإحكام وهو الإتقان: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. فإذا اسم الله «الحكيم» تضمن هاتين الصفتين: صفة الحكمة وصفة الإحكام. وهكذا كذلك اسم الله «الصمد»... وقد انتهى الوقت، وإن شاء الله نذكر ما تضمنه اسم الله «الصمد» من صفات، من تفسير عبد الله بن عباس الوارد، وإن كان فيه ضعف إلا أنه قول جمهور المفسرين. إن شاء الله يكون في الدرس اللاحق. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شكرا.