التعليق على تقريب التدمرية 104

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 104، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

أصول الإيمان بالأمر والقدر

يتحدث عن أصول الأمر والقدر، حيث يشمل الأصلين في الأمر وهما الاجتهاد في الامتثال والاستغفار والتوبة، والأصلين في القدر وهما الاستعانة بالله والصبر على المقدور. يُبرز أهمية العلم بالله والعمل به والتوكل عليه.

منازل الناس في أقضية الله وأثر الصبر

يشرح تفاوت الناس في أقضية الله، حيث يوجد الشاكرون والصابرون والراضيون، ويُظهر أهمية الصبر على المصائب وكيف يهدي القلب ويورث الثمار العاجلة. الإيمان بالقدر والصبر عليه من أعظم العبادات.

أقسام الناس في مقام الشرع والقدر وصفاتهم

يناقش أربعة أقسام من الناس في مقام الشرع والقدر، بدءًا من أعلى الأقسام الذين حققوا أصول الشرع والقدر، وصولاً إلى الأقسام التي تفتقر إلى بعض هذه الأصول، مع شرح سمات كل قسم وعواقبهم.

تحذير من الاغترار بالمكاشفات والتأثيرات المخالفة للشرع

يحذر من الاغترار بالمكاشفات والتأثيرات التي يحصل عليها بعض المخالفين للشرع، موضحًا أنها قد تكون من إعانة الشياطين وليست كرامات، ويعتبر ذلك استدراجًا من الله لهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. أما بعد، كان آخر الكلام في الدرس الماضي في قول المؤلف رحمه الله تعالى: «والجامع لهذا أنه لابد في الأمر من أصلين، ولابد في القدر من أصلين أيضا». أما الأصلان في الأمر فهما: الأول أصل قبل العمل أو مقارن له، وهو الاجتهاد في الامتثال علما وعملا. فيجتهد في العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه، ثم يعمل بما يقتضيه ذلك العلم من تصديق الأخبار والعمل بالأحكام، فعلا للمأمور وتركا للمحظور. وهذا تقدم معنا. والإنسان المؤمن يجب عليه أن يجتهد في طلب العلم، وأعظم العلم العلم بالله جل وعلا وأسمائه وصفاته وأحكامه وأحكام شرعه. ثم يعمل بمقتضى هذا العلم، ويصدق بالأخبار الواردة في الكتاب والسنة، ويعتقدها ويعمل بمقتضاها. فيفعل الواجبات وما أمر بفعله، ويترك المنهيات والمحظورات، فإنه نهي عن فعلها وأمر بتركها. والثاني أصل بعد العمل، وهو الاستغفار والتوبة من التفريط في المأمور أو التعدي في المحظور. ولهذا كان المشروع ختم الأعمال بالاستغفار، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾. فقاموا الليل وختموه بالاستغفار. وهذا من أفضل العبادات، وهي عبادة الاستغفار. لذلك بعض أهل العلم يرى الأفضل الاستغفار في السحر، وأنه أفضل من الصلاة إذا أدرك الإنسان وقت السحر، فالأفضل له أن يستغفر، فهو أفضل من الصلاة. قال: إن الله جل وعلا أثنى على المستغفرين بالأسحار، قال: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾. فالإنسان في هذا الوقت يستغله بالاستغفار، استغفر ربه جل وعلا كما هو حال المؤمنين الذين يستغفرون ربهم جل وعلا في هذا الوقت المبارك. قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة يستغفر ثلاثا. وهذا تقدم. وهكذا آخر سورة نزلت عليه: سورة النصر «إذا جاء نصر الله والفتح». رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك واستغفره، إنه كان توابا. فكان بعد نزولها يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». كما قال ابن عباس رضي الله عنهما في مجلس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بمحضر من الصحابة، فأقره عمر رضي الله عنه، وقال: «ما أعلم منها إلا ما تقول». وهذا تقدم معنا أيضا في دروس سابقة. وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام لما نزلت عليه هذه السورة، أكثر من قول هذا الذكر في السجود والركوع، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». كما قالت عائشة: «يتأول القرآن» - يتأول القرآن - أن يعمل بما جاء في القرآن من الأمر بالاستغفار «فسبح بحمد ربك واستغفره» من التسبيح والاستغفار. وفيها إذان بقرب أجله عليه الصلاة والسلام، كما فهم ذلك ابن عباس. وفي ذلك قصة جرت مع ابن عباس مع عمر. أراد عمر أن يبين لهم لماذا كان يدخل ابن عباس في مجلس الشيوخ الكبار، فسألهم فلم يوفقوا في الجواب، وأجاب ابن عباس، فقال عمر: «ما أعلم إلا ما علمت منها» - أي من هذه السورة - أي أنها تؤذن بقرب أجل النبي صلى الله عليه وسلم. قالوا: وفي الصلاة. المسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول قبل أن يموت: سبحانك وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك». فجعل الاستغفار والتوبة خاتمة العمر، كما جعلت خاتمة العمل. وهذا في نصوص كثيرة. وهكذا مثلا كفارة المجلس: من شاهد مجلسا فإنه يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». لما لا؟ لأنه في هذا المجلس ربما قال كلاما لغوا أو قال كلمة كذا وكذا. فحين يأتي بهذا التشهد الذي خاتمته الاستغفار. ولذلك كذلك أثر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه: أنه كان إذا أنهى كلامه قال: «اللهم فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمن نفسه ومن الشيطان، وأستغفر الله». هكذا أثر عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. ولذلك استعملوا هذا بعض ملوا خطبة حين ينتهون من كلامهم فيقولون: «اللهم فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمن نفسنا ومن الشيطان، وأستغفر الله». لأنه قد أثر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وفيه الاستغفار بعد الكلام الذي قاله، لأنه ربما وقع فيه شيء من الخطأ أو وقع فيه شيء من الكلام الذي لا ينبغي. فيكون هذا الاستغفار وهذا الاعتراف بالتقصير والتفريط جابرا لذلك الخلل والتقصير. قال رحمه الله تعالى: «وأما الأصلان في القدر فهما: الأول أصل قبل المقدور». أي قبل حصوله. وقبل طلبه. إنسان يطلب ما قضاه الله جل وعلا من الخير. فعليه أن يأتي بهذه الأمور. الأول: الاستعانة بالله عز وجل، وهو التوكل على الله جل وعلا. وهو تفويض الأمر لله جل وعلا، والأخذ بالأسباب الشرعية. هذه حقيقة التوكل. قالوا: «الاستعان به، ودعاؤه رغبة ورهبة». فيكون معتمدا على ربه، ملتجئا إليه في حصول المطلوب ودفع المكروه. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله». احرص على ما ينفعك - ابذل الأسباب - وافعل الأسباب الشرعية - واستعن بالله - وتوكل على الله جل وعلا. فعليك أن تفعل الأسباب، لأن فعل الأسباب من التوكل. ففيه عمل من العبد، وهو الأخذ بالسبب، وتفويض الأمر لله جل وعلا. قال: «الثاني بعد المقدور، وهو الصبر على المقدور». حيث يفوت مطلوبه أو يقع مكروه. فيوطن نفسه عليه، بحيث يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وأن الحال لا يمكن أن تتغير عما قدره الله تعالى. فيرضى بذلك ويسلم، وينشرح صدره، ويذهب عنه الندم والحزن. كما قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «يهدي قلبه لليقين». فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وقال علقمة في الآية: «هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم». هذا الأصل بعد المقدور. وبعد حصول المقدور قد يحصل ما لا يوافق العبد، وحصل ما يتضرر به أو يحزن بسببه، من فوات مطلوب أو حصول ما لا يرغب فيه. وغير ذلك من الابتلاءات والقضاءات التي يقدرها الله جل وعلا. فالواجب عليه الصبر. هو يسعى في تحصيل مطلوبه بعمل السبب، وتفويض الأمر لله جل وعلا. ثم بعد ذلك القدر قد يحصل له مطلوبه، وقد لا يحصل له مطلوبه. فإذا حصل له مطلوبه، فعليه أن يشكر الله جل وعلا. وإذا لم يحصل مطلوبه عليه أن يصبر. وهذا هو حال المؤمن الصادق في إيمانه. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أمره كله له خير. إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له. وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له. وليس ذلك إلا للمؤمن». فإذا حصل المطلوب شكر الله جل وعلا. وإذا لم يحصل عليه أن يصبر على قدر الله جل وعلا. فالصبر واجب. وإذا رضي به هذا مستحب في حقه، وهو أرفع منزلة من منزلة الصابر. وهناك منزلة أرفع، وهي منزلة الشاكر. فالناس في أقضية الله جل وعلا على منازل. أعظم هؤلاء منزلة هم الشاكرون. وهذه مرتبة عظيمة، منزلة عظيمة، منزلة الأنبياء ومن تأسى بهم. منزلة عالية. أن يشكر ربه جل وعلا على المصيبة، لا مجرد الرضا بها فقط أو الصبر عليها، لا بل يشكر. ومنزلة أدنى منها، وهي منزلة الرضا، وهي مستحبة. والصبر على قدر الله جل وعلا، والرضا والشكر. فهذا مستحب. ومنازل يبلغها العبد بتوفيق الله جل وعلا، وهي منازل عالية. وذكر رحمه الله تعالى قول الله جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وهذا من فضائل الصبر على القدر. الصبر على القدر. فإن العبد إذا صبر على هذه المصائب، فإن الله جل وعلا يجعل له من الثمار العاجلة قبل الآجلة. فمن الثمار العاجلة: هداية القلب. هداية القلب أولا يعلم أن هذه المصيبة من الله جل وعلا «ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله». فهذا يدلك على عظيم إيمانه بقدر الله جل وعلا. علم أن ما أصاب بقدر الله وبإذن الله جل وعلا. فما الواجب عليه؟ أن يؤمن بذلك. فإذا آمن بذلك وصبر على هذه المصائب وهذه الآلام وهذه الأحزان، هدى الله جل وعلا قلبه. وإذا اهتدى القلب اهتدت الجوارح. كما قال النبي عليه السلام في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما في الصحيحين: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». ولأن العبد يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك». رفعت الأقلام وجفت الصحف. هذه عقيدة عظيمة، عقيدة الإيمان بالقدر، والصبر على المصائب والابتلاءات. فمن هذه الثمار العاجلة: هداية القلب. هداية القلب. وكما قال جل وعلا في آية أخرى، كما في سورة الحديد، قال جل وعلا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. فالصبر على هذه المصائب يجعل الإنسان لا يتأسى، لأنه علم أن ما فاته لم يكن ليدركه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه. ليس لك في ابنتي فلان نصيب، وليس لك في هذه التجارة التي لم توفق لها نصيب، وليس لك في ذلك الذي فات نصيب. خلاص الحمد لله، فأنت ترضى بخلاف الذي عنده ضعف في هذا، يبقى يتندم: «يا ليتني تقدمت، يا ليتني ما فعلت، وليتني ما قلت هذه الكلمة، ربما كانت سببا في فوات ذلك». وكذا وكذا. يجلس يتعلل، ويفتح على نفسه باب «لو» التي هي باب الشيطان. كما قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، ولا تقول: لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا. ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل. فإن «لو» تفتح عمل الشيطان». كما قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى. وذكر هنا عن ابن عباس، وكذلك علقمة: ما جاء في تفسير هذه الآية. فابن عباس يقول: «يهدي قلبه» - أي لليقين - فيكون عنده يقين قلبي، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. قد ذكر هذا ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره - أي ما ذكر هنا عن ابن عباس وضل الله عنهما. وهكذا أثر عن علقمة: ذكر ابن جرير رحمه الله، وابن أبي حاتم. وهكذا ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره. وهو صحيح عن علقمة رحمه الله تعالى. وهو علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، وهو من كبار التابعين وأجلائهم وعلمائهم رحمه الله تعالى. فعلقمة يقول: «هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم». فيرضى ويسلم. فإذا علمنا المصيبة من عند الله، فرضي بذلك وسلم لذلك، فاهتدى قلبه. وهداية القلب يحصل بها الخير العظيم، من السعادة ومن الراحة ومن الطمأنينة، وغير ذلك من الثمار العاجلة. فما الإنسان إلا بقلبه، إذا سعد قلبه سعد، وإذا حزن قلبه كان كذلك. قال رحمه الله تعالى: «فإذا راعى الأمر والقدر على الوجه الذي ذكرنا، كان عابدا لله تعالى، مستعينا به، متوكلاً عليه». من الذين أنعم الله عليهم. قد جمع الله بين هذين الأصلين في أكثر من موضع، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾. وقوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. ذكر رحمه الله تعالى: أن العبد إذا راعى الأمر والقدر، فعلى الوجه الذي ذكر وسبق ذكره، كان حقا عابدا لله جل وعلا. فهو يجتهد في العلم والعمل، ويحرص على الإخلاص والمتابعة، ويحرص على الاستغفار لجبر الخلل والتقصير. وهكذا في باب القدر، فهو يفوض أمره إلى الله جل وعلا، ويأخذ بالأسباب. وهذا قبل حصول المقدور. ثم بعد ذلك إذا حصل القدر، فإذا كان خيرا ويوافقه، شكر الله جل وعلا. وإذا كان لا يوافقه، فإنه صبر على أقدار الله جل وعلا. فيحقق هذه المنزلة العظيمة: منازل «إياك نعبد وإياك نستعين» التي أشار إليها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين». هذه منزلة عظيمة. والناس يسيرون فيها منازل. وأعظم من يسير في هذه الطريق: من حقق هذين المقامين: مقام الشرع ومقام القدر. وجاء بأصلي الشرع، وجاء كذلك بأصلي القدر. فهو أسعد الناس في هذه الدنيا، وهو على طريق الذين أنعم الله جل وعلا عليهم: من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وحسن أولئك رفيقا. لأنهم كانوا في هذه الدنيا على هذين المقامين العظيمين. فحققوا مقام الشرع، وحققوا مقام القدر. فتنعموا بالثمار العاجلة في الدنيا. وما عند الله جل وعلا أعظم وأعظم. والواجب أن يسير العبد في هذه الدنيا على هذه الطريق، وعلى هذه السبيل. لأننا أمرنا بالاقتداء بهؤلاء: من الأنبياء والصالحين والصديقين. وذكر رحمه وتعالى: أن هذا الأصل قد أشار الله جل وعلا إليه في مواضع من كتابه العزيز. ففي قوله جل وعلا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «إياك نعبد» هذا مقام الشرع. «وإياك نستعين» هذا مقام القدر. وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ «فاعبده» هذا مقام الشرع. «وتوكل عليه» هذا مقام القدر. وقوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ هذا مقام القدر. «وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ هذا مقام الشرع. وهكذا في حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله». احرص على ما ينفعك - بالإخلاص والعمل - وفعل الطاعات وترك المحظورات. واستعن بالله - توكل على الله جل وعلا - فوض أمرك، واعمل الأسباب لتحصيل ما تريد. فإذا حصل القدر، فأنت بين الشكر والصبر. كما أخبر النبي عليه السلام - بل كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: «فصل: والناس في هذا المقام - مقام الشرع والقدر - أربعة أقسام». الأول: من حققوا هذه الأصول الأربعة: أصلي الشرع وأصلي القدر. وهم المؤمنون المتقون. الذين كان عندهم من عبادة الله تعالى والاستعانة به: ما تصلح به أحوالهم. فكانوا لله وبالله وفي الله. وهؤلاء أهل القسط والعدل. الذين شهدوا مقاما ربوبيته والألوهية. وهم أعلى الأقسام. فإن هذا مقام الذين أنعم الله عليهم: من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. هؤلاء أعظم الناس حقيقة لمقام الشرع ومقام القدر. وهم المؤمنون الصادقون في إيمانهم. فإنهم حققوا مقام الشرع ومقام القدر. وشهدوا مقاما ربوبية ومقاما ألوهية: مقاما ربوبية بالإخلاص لله جل وعلا والتوكل عليه سبحانه وتعالى. ومقاما ألوهية بفعل العبادات، وبالإتيان بالأمر والنهي. فبالأمر فعلوا الطاعات، وبالنهي تركوا المحرمات. ومقام القدر: أخلصوا لله جل وعلا في هذه الأعمال التي عملوها. سواء كانت فعلا للمأمورات أو تركا للمحظورات. وتابعوا فيها النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا في مقام الربوبية: فوضوا أمورهم إلى الله جل وعلا، وتوكلوا عليه، وعملوا بالأسباب. فحققوا هذين المقامين العظيمين. فهم أعلى الأقسام. لأنهم حققوا مقام الذين أنعم الله عليهم: من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. والمقام الثاني: من فاتهم التحقيق في أصل القدر. فكان عندهم من عبادة الله تعالى والاستقامة في شرعه: ما عندهم. لكن ليس عندهم قوة في الاستعانة بالله والصبر على أحكامه الكونية والشرعية. فيصيبهم عند العمل من العجز والكسل: ما يمنعهم من العمل أو إكماله. ويلحقهم بعد العمل من العجب والفخر: ما قد يكون سببا لحبوط عملهم وخذلانهم. وهؤلاء أضعف ممن سبقهم، وأدنى مقاما، وأقل عدلا. لأن شهودهم مقام الإلهية غالب على شهود مقام الربوبية. هذا القسم الثاني. وهم أنزل من القسم الأول. لماذا؟ لأنهم ضعف عندهم التوكل، ضعف عندهم التوكل على الله جل وعلا في العمل بالأسباب. وهكذا تفويض الأمر لله جل وعلا. وهكذا في الصبر على المقدور. فهم حققوا مقام الإلهية: عبدوا الله جل وعلا، فعلوا الأمر وتركوا النهي. فعلوا الأمر وتركوا النهي. لكن عندهم ضعف في التوكل على الله جل وعلا. فربما تميل قلوبهم إلى الأسباب وتتعلق بها، ويعتمدون عليها لتحصيل مطالبهم. وهكذا إذا حصل المقدور فكان لا يوافق ما يريدون، لم يحصل عندهم الصبر على تلك المصائب وتلك الآلام. فيضعفون في هذا الباب: في مقام الربوبية. وفي مقام الربوبية. ويحصل عندهم كذلك الفخر والعجب بما عملوا. وهذا يدل على ضعف الإخلاص، والوقوع في شيء من الرياء. كل هذا مما يخدش في مقام الربوبية. في مقام التوكل على الله جل وعلا. الإنسان إذا توكل على الله جل وعلا، وفوض أمره. فإذا حصل ما طلب، يعلم أنه ليس بعمله وليس باجتهاده، فلا يحصل عنده العجب والرياء والفخر وغير ذلك. وإذا علم أن الله جل وعلا هو الذي قدر هذه المصائب، فإنه يصبر. لكن لما ضعف عندهم هذا المقام، فربما حصل من قلوبهم الالتفات إلى الأسباب والاعتماد عليها. وآخر إذا حصل المقدور لم يكن عندهم الصبر الواجب على ما قدر الله جل وعلا. وإذا حصلت مطالبهم ربما نظروا إلى أنفسهم، وصار عندهم شيء من العجب والخيلاء والفخر. وهذا يدل على أنهم قد التفتوا إلى غير الله جل وعلا: إلى هذه الأسباب أو إلى جهدهم أو إلى أعمالهم. وكل هذا يضعف هذا المقام. فكانوا أنزل من أهل المقام الأول الذين عظم عندهم هذا المقام: مقام الربوبية ومقام الألوهية. وهؤلاء حققوا مقام الألوهية والإلهية: بفعل الأمر وإيثاب النهي. لكن ضعف عندهم مقام ربوبية: بسبب ما يحصل عندهم من العجز والكسل والعجب والرياء وعدم الصبر على المقدور. ويكون ذلك سببا لحبوط أعمالهم وخذلانهم. وهؤلاء أضعف من من سبقهم، وأدنى مقاما، وأقل عدلا. لأن شهودهم مقام إلهية غالب عن شهود مقام الربوبية. قال: «الثالث: من فاتهم التحقيق في أصلي الشرع». فكان ضعفا في الاستقامة على أمر الله تعالى ومتابعة شرعه. لكن عندهم قوة في الاستعانة بالله والتوكل عليه. ولكن قد يكون ذلك في أمور لا يحبها الله تعالى ولا يرضاها. فيعان ويمكن له بقدر حاله. ويحصل له من المكاشفات والتأثيرات: ما لا يحصل للقسم الذي قبله. لكن ما يحصل له من هذه الأمور يكون من نصيب العاجلة الدنيا. أما عاقبته فعاقبة سيئة. لأنه ليس من المتقين. وإنما العاقبة للمتقين. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. فالله تعالى يعلم أن هؤلاء سيشركون بعد أن ينجيهم. لكن لما كانوا في البحر كانوا مخلصين في دعائهم الله تعالى أن ينجيهم، صادقين في تفويض الأمر إليه. حصل مرادهم. ولما لم يكن لهم عبادة لم يستقم أمرهم، وكان عاقبة أمرهم خسرا. فالفرق بين هؤلاء وبين القسم الذي قبلهم: أن الذين قبلهم كان لهم دين ضعيف لضعف استعانتهم بالله وتوكلهم عليه. لكنه مستمر باق إن لم يفسده صاحبه بالعجز والجزع. وهؤلاء لهم حال وقوة. لكن لا يبقى لهم إلا ما وافقوا فيه الأمر واتبعوا فيه السنة. هذا القسم الثالث: هم الذين عظموا التوكل على الله جل وعلا. وعندهم إخلاص فيما يعملون. فعندهم توكل على الله جل وعلا، واستعانة بالله سبحانه وتعالى. لكن من حيث العبادة والأمر والنهي، فعندهم ضعف. فليست عندهم استقامة. فليست عندهم استقامة على شرع الله جل وعلا. فلا متابعة للنبي صلى الله عليه وسلم فيما يفعلون. وإن كان عندهم الإخلاص. لكن فاتهم المتابعة: الاتيان بالعبادات وبالأعمال والأقوال على ما يوافق سنة النبي عليه الصلاة والسلام وهدي النبي عليه الصلاة والسلام. والتوكل عندهم عظيم بالله جل وعلا، والاستعانة بالله سبحانه وتعالى. لكن يفعلون أمورا لا يحبها الله تعالى ولا يرضاها: كالبدع والمحدثات التي يفعلونها. هذا حال كثير من أهل التصوف. حال كثير من أهل التصوف. تجده يعمل أعمالا كثيرة، ربما مخلص فيها ومجتهد فيها ومتحرك فيها، ويتعب نفسه ويجتهد اجتهادا عظيما. لكنها في أمور تخالف الشرع: بدع ومحدثات، أقوال بدعية، أعمال بدعية. ربما يسهر ليلة في بدع ومحدثات. ربما يصوم الصيام الغير الشرعي. ربما يفعل أعمالا يتعب نفسه إلى غير ذلك. وعنده توكل على الله جل وعلا، واستعانة بالله جل وعلا. لكن في هذا المقام: مقام الإلهية، أمره غير موافق لأمر الله جل وعلا وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. وهكذا في تركه لما أمر الشرع بتركه. والأعمال إذا لم تكن موافقة للشرع، فهي مردودة. «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». فأخبر المؤلف رحمه وتعالى: أن أمثال هؤلاء ربما يعانون ويمكنون. فيحصل لهم من المكاشفات والتأثيرات. ولعل هذا من الاستدراج. ولعل هذا من الاستدراج: بأن الشياطين ربما تخدم هؤلاء أهل البدع. الشياطين تخدم أهل البدع والمحدثات. الذين يقيمون البدع والمحدثات، يقيمون الموالد، يقيمون الزيارات البدعية، يفعلون الأفعال المخالفة للشرع. فربما الشياطين تعينهم. فيحصل لهم شيء يظنونه من المكاشفات ومن التأثيرات. ومن الأمور التي ربما يغترون بها. ويقولون: «نحن لو كنا على باطل لما حصلت لنا هذه المكاشفات، ولما حصلت لنا هذه الكرامات التي يزعمون أنها كرامات وليست بالكرامات في شيء». لأن الكرامات إنما هي لأولياء الله المتقيدين بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم في العبادات. لكن ربما تعينهم الشياطين. فتحصل لهم شيء من المكاشفات والتأثيرات. وهذه التي يسمونها كرامات. وهي من إعانة الشياطين لهم. وغير ذلك. فيحصلون مثل هذه الأشياء العاجلة التي هي من باب الاستدراج. «سنستدرجهم من حيث لا يعلمون». «ومكري متين». والعلن أيضا نذكر: هذا يحتاج أيضا إلى ذكر شيء مما يجعلنا نكون قد ذكرناه على شيء يستحقه مع القسم الرابع الذي سيأتي ذكره. وبقي معنا فصل واحد بعد ذلك. ونهي به هذه الرسالة العظيمة إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.