التعليق على شرح معنى الطاغوت 1

التعليق على شرح معنى الطاغوت 1

الدرس في التعليق على شرح معنى الطاغوت 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح رسالة معنى الطاغوت والرد على شبهة لا إكراه في الدين

يشرح الشيخ رسالة "معنى الطاغوت" مبيناً أن أول الواجبات الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، ويرد على من يفسر آية "لا إكراه في الدين" بأنها تبيح حرية العقيدة المطلقة وتبرر ترك الدعوة والجهاد. موضحاً أن المراد تبيّن الرشد من الغي، وأن الله خلق الخلق لعبادته وحده فلا يصح ترك الناس يعبدون ما يشاؤون.

تفسير آية لا إكراه في الدين وأقوال المفسرين من السلف

يستعرض المقطع تفسير آية "لا إكراه في الدين" مستنداً إلى أقوال السلف، مبيناً أن القول الراجح اختصاصها بأهل الكتاب إذا دفعوا الجزية، ولا تُعمم على كل الكفار. رداً على استدلال المغرضين بها لإطلاق حرية العقيدة المطلقة.

أقوال العلماء في آية لا إكراه في الدين وترجيح القول الراجح

يعرض المتحدث ثلاثة أقوال في تفسير الآية: النسخ بآيات الجهاد، الاختصاص بأهل الكتاب، ونزولها في إكراه الأولاد، ويرجح القول الثاني بأنه مذهب الجمهور كابن كثير. مؤكداً بطلان الحرية المطلقة في العقيدة بدليل بعثة الرسل وإنزال الكتب، وأن الكتب السماوية متفقة على التوحيد ومختلفة في الشرائع.

خاتمة تفسير الآية ورد دعوى الحرية المطلقة في الاعتقاد

يختتم المفسر شرحه مؤكداً أن الآية لا تدل على حرية الناس في التدين بما يشاؤون، بل تنفي المعنى الذي يتمسك به المغرضون. ويكتفي بهذا القدر من البيان مختتماً بقوله: والله أعلم.

  • 18 جمادى الأولى 1431هـ - 01/05/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فبعد أن فرغنا من الرسالة الماضية، وهي "الجامع لعبادة الله"، إن شاء الله نأخذ رسالة أخرى مما ورد في هذا المجموع، مجموع شروحات بعض رسائل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى. وسنأخذ في هذا الدرس هذه الرسالة التي سماها الشيخ "معنى الطاغوت"، وهي رسالة مختصرة جداً، عبارة عن أسطر يسيرة، ولكن حوت على معاني عظيمة، وشرحها الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى شرحاً وافياً. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: "اعلم رحمك الله تعالى أن أول ما فرض الله على ابن آدم الكفر بالطاغوت والإيمان بالله". أن أول ما فرض الله على ابن آدم الكفر بالطاغوت والإيمان بالله. قال الشيخ حفظه الله تعالى: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد، قال: يشير الشيخ رحمه الله إلى قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، ليس معناه أن الكفار يتركون ولا يقاتلون ولا يدعون إلى الإسلام، كما يقوله الآن المغرضون والكفار والجهال من المسلمين، بحجة حرية الأديان وحرية العقيدة. هذا كذب على الله جل وعلا، ليس هذا هو مراد الله جل وعلا. وهذا تنبيه من الشيخ حفظه الله إلى هذه الشبهة التي يدندن بها بعض أعداء الإسلام. فقوله "المغرضون" يعني العلمانيين، وكذلك الاشتراكيين، ودعاة وحدة الأديان، وبعض الجهلة الذين يسمون أنفسهم بالمثقفين، والذين تأثروا بحضارات الغرب، وأتوا بزبالة أفكارهم. هؤلاء ينكرون على أهل الحق الدعوة إلى الله وقتال المشركين والكفار، بحجة أن هذا الإسلام لم يكره الناس في الدخول فيه، ويستدل بهذه الآية. ربما يأتيك العلماني ويقول: لماذا أنتم تحذرون من الكفار، ومن اليهود، ومن النصارى، وكذلك تفتيون بجهادهم إن تيسر ذلك، وإن استطاع المسلمون لذلك؟ لماذا تقولون هذا، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾؟ لا تكرهوا الناس على الدخول في هذا الدين، أو الالتزام بهذا الدين، كل واحد يعمل ما يشاء. وربما استدل بالآية الأخرى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. يستدلون بمثل هذه الآيات، ويريدون تقرير هذا الأمر، ألا وهو أن الناس أحرار بزعمهم، فذاك له أن يدين بالديانة النصرانية، وذاك بالديانة اليهودية، وذاك بالشيوعية، وذاك بالعلمانية، المهم لا تلزموا... لا تلزمون أحداً الدخول في الإسلام. هذه شبهتهم. فقال الشيخ رحمه الله حفظه الله تعالى، وهو يرد على هذه الشبهة: "ليس هذا هو مراد الله". قال: هذا كذب على الله جل وعلا، ليس هذا هو مراد الله جل وعلا. يعني ليس هذا التفسير الذي أنتم فسرتموه بهذه الآية. وهذا يدلك على أن المسلم يجب عليه أن لا يخوض في تفسير كتاب الله إلا عن علم. إذا علم بتفسير الآية وما قال فيها السلف الصالح يقول به، أما أن يفسر الآية على حسب ما يريد وعلى حسب ما يهواه، فهذا هو الضلال والعياذ بالله. فقال الشيخ: هذا كذب على الله جل وعلا، ليس هذا هو مراد الله جل وعلا. الله جل وعلا خلق الخلق لعبادته لا لعبادة غيره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فإذا جميع الإنس والجن مأمورون بعبادة الله عز وجل، ما أريد منهم الرزق، وما أريد أن يطعمون. قال: فلو كان الناس يتركون كفاراً يعبدون ما شاءوا، فما كان لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ما كان لها فائدة، ولما كان للجهاد في سبيل الله فائدة، وما كان للدعوة إلى الله فائدة. كيف تدعونهم وهم أحرار فيما يعتقدون وفيما يعبدون؟ اتركوهم على مقتضى هذا الكلام الباطل، فليعبدوا ما يختاروا. الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وهؤلاء بقولهم هذا يقضض هذا القول، أنهم يقولون: اتركوا الناس على ما يشاؤون من العبادة، سواء كان يعبدون الله أو يعبدون غير الله. وهذا كلام باطل. قال: فلو كان كما يقولون، إن الناس أحرار في عبادتهم وفي اعتقاداتهم، ولا يعترض على أحد، لبطلت كل هذه الأمور، ولما صار هناك فائدة للدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله، بل لما كان هناك فائدة لخلق الجنة والنار. فما دام الكفار أحراراً، لماذا يدخلون النار ويعذبون فيها أبد الآبدين، وهم آخذون بالحرية كما يقول هؤلاء؟ فهذا كلام باطل. طيب، كيف توجيه الآية وكيف تفسير الآية: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾؟ قال الشيخ: إذن ما معنى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾؟ قال: لأنهم يرددون... لأنهم يرددون: "هؤلاء الناس أحرار في عقائدهم لأن الله يقول ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾". نقول لهم: كذبتم على الله، ليس هذا هو مراد الله جل وعلا بقوله ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، بل فيها أقوال للمفسرين. هذا هو سبيل النجاح، أنك ترجع في تفسير القرآن إلى ما قاله السلف، لأن السلف يفسرون القرآن إما بالقرآن، وإما بالسنة، وإما بكلام الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لأنهم عايشوا التنزيل، ولأنهم أعلم بمعاني القرآن. فهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهم الذين عاينوا التنزيل، وهم الذين عرفوا أسباب النزول، وهم الذين كذلك مشوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في حله وترحاله، فهم أعلم بمعاني كتاب الله وبتفسير كتاب الله سبحانه وتعالى. فالشيخ يقول: هذه الآية ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ فيها أقوال للمفسرين. القول الأول: منهم من يقول إن هذه كانت في أول الأمر ثم نُسخت بآيات الجهاد. ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، وهذا قال به كما نقل ذلك الحافظ ابن كثير، قال به بعض السلف، وإن كان رده بعض العلماء، لأن النسخ يحتاج إلى دليل صريح في ذلك. وإنما أخذ الذين قالوا بالنسخ في مسألة المتقدم من المتأخر، فقالوا: إن هذه الآية يعني نزلت قبل آيات الجهاد. وهذا اجتهاد منهم، ورده بعض أهل العلم. القول الثاني: أن قوله ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ خاص بأهل الكتاب من اليهود والنصارى. فهؤلاء إذا دفعوا الجزية وخضعوا لحكم الإسلام، فإنهم لا يكرهون على الدخول في الإسلام، بل يتركون، بشرط أن يدفعوا الجزية وهم صاغرون، وبشرط أن يخضعوا لحكم الإسلام، لأنهم على علم، وعندهم علم بالدين والرسل. وهذا القول قال عنه الحافظ ابن كثير في تفسيره عليه رحمة الله: "وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء إلى هذا القول، طائفة كثيرة". ومعنى هذا القول: أن أهل الكتاب من اليهود ومن النصارى، الإسلام اتخذ معهم في الدعوة إلى هذا الإسلام خطوات وطرق. فأولاً يُقاتلون... أو أولاً يُدعون إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾. فأولاً تُقام عليهم الحجة، ويُدعون إلى الإسلام بالتي هي أحسن. فإن أبوا الدخول في الإسلام، وأصروا على ما هم عليه من الكفر، يُقاتلون، يُقال لهم: سنقاتلكم، أو تبقون على ديانتكم بشرط أن تدفعوا الجزية، تكون في بلاد الإسلام، وتدفعوا الجزية، وتحترموا شعائر الإسلام، وتخضعوا لأحكام هذا الإسلام. فإن وافقوا على ذلك، يدفعوا الجزية وهم صاغرون، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. فإن فعلوا ذلك ورضوا بذلك، لا يكرهون على الدخول في الإسلام، لا يكرهون على الدخول في الإسلام. فإذن هذه الآية خاصة باليهود والنصارى، وفي هذه الحالة. ليس معنى ذلك أنهم ما يُقاتلون، وليس معنى ذلك أنهم ما يُدعون إلى الإسلام، وليس أنهم ما يخضعون لشرائع ولا كذلك أحكام الإسلام، لا. وإنما المراد: يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، مع يعني قبل ذلك يُدعون إلى الإسلام، وإن أبوا يُقاتلون، إلا أن يعطوا الجزية. وهذا عليه، كما قال ابن كثير، طائفة كثيرة من العلماء، طائفة كثيرة من العلماء. وأذكر أن شيخنا عبدالله بن مرعي حفظه الله تعالى يرجح هذا القول، يرجح هذا القول. فإذا ليس فيه حجة على ما يستدل به أولئك المغرضون، من أن هذه الآية تدل على أن الناس أحرار في عقائدهم. لا، ليس هذا المراد، وإنما المراد ما تقدم من ذكر هذه الأقوال في تفسير هذه الآية عن السلف الصالح. قال: "وعندهم علم بالدين والرسل". قال: لأنهم على علم، يعني هذا يتخذ هذا الأمر مع أهل الكتاب فقط، اليهود والنصارى. أما الوثنيون الذين لا دين لهم، ويدخل في ذلك الاشتراكيون وغيرهم من غير اليهود والنصارى ممن كفر بالله عز وجل، فهؤلاء لا يتخذ معهم هذا، ولا تقبل منهم الجزية، بل إما أن يسلموا، يُدعون إلى الإسلام، وإما أن يُقاتلوا، وإما أن يُقاتلوا. هذا غير اليهود والنصارى، هذا غير اليهود والنصارى من الكفار. أما اليهود والنصارى فكما ذكر الله عز وجل، تتخذ معهم هذه الخطوات: الدعوة إلى الله، فإن أبوا يُخيرون بين القتال أو دفع الجزية، فإن دفعوا الجزية يعني لم يُقاتلوا، فيكون الاستدلال بهذه الآية ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾: لا يكرهون على الدخول في الإسلام إذا رضوا بإعطاء الجزية. قال: لأنهم على علم، وعندهم علم بالدين والرسل، لأنه أرسل إليهم رسل، وأنزلت إليهم كتب. قال: ما هم مثل الوثنيين، أعطوا الفرصة ليراجعوا ما عندهم. يعني أهل الكتاب، ويتأملوا في القرآن، ويتأملوا فيما عندهم، فيجدوا أن القرآن يتوافق تماماً مع التوراة والإنجيل السالمين من التحريف، الباقيين على أصلهما كما أنزل الله سبحانه وتعالى. قال: فلا خلاف بين الكتب السماوية أنها كلها من عند الله جل وعلا. يعني ليس المراد من هذا أن يقروا على ما هم عليه من اليهودية أو من النصرانية. طبعاً هذا الكلام من غير الكتب المحرفة، أما إذا كانوا على كتب محرفة فلا يتخذ معهم ذلك، لماذا؟ لأن الحكمة من إعطائهم للجزية حتى ينظروا في هذا الإسلام، وهذا الغالب في أهل الكتاب، أنهم إذا نظروا في هذا الإسلام، وهم في يعني أحكام الدولة الإسلامية، يرون من عدالة هذا الإسلام، ويرون من معاملة هذا الإسلام، فلربما يكونوا سبباً يبقيهم على هذا الأمر، وهو دفع الجزية، يكونوا سبباً في دخولهم في الإسلام، رغبة في دخولهم في الإسلام، رغبة. كما قال الشيخ: لماذا أعطوا هذه الفرصة؟ قال: يتأمل فيما عندهم، فيجد أن القرآن يتوافق تماماً مع التوراة والإنجيل، يعني في أمر العقائد، لأن الرسل جميعا أرسلوا بالتوحيد، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. دعوة الرسل واحدة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، وإنما الاختلاف فيما بينهم في الشرائع والأحكام، في الشرائع والأحكام. قال: فلا خلاف بين الكتب السماوية، أنها كلها من عند الله جل وعلا، في أمور العقائد، أما أمور المعاملات والحلال والحرام فهي تختلف بحسب الشرائع، وبحسب حكمة الله جل وعلا في كل وقت بحسبه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نحن معاشر الأنبياء أبناء علات، وديننا واحد». يعني الشرائع تختلف، لكن أصل الدين واحد، وهو الدعوة إلى عبادة الله عز وجل وحده، ونبذ ما يخالف ذلك من عبادة غير الله. قال: ولكن العقائد، ليس بين الكتب السماوية فيها اختلاف أبداً. هنا عندي واو بعد "الكتب"، قال: "والسماوية"، والكلام ما يستقيم، كأن الواو زائدة، والله تعالى أعلم. الصواب يكون: "ولكن العقائد، ليس بين الكتب السماوية فيها اختلاف أبداً". الواو هنا لا يستقيم المعنى بوجوده. قال: أنه لا يعبد إلا الله جل وعلا، وأن عبادة غيره باطلة. أجمعت الكتب السماوية، وأجمع الرسل، وأجمع المسلمون، من قديم الخليقة إلى آخر الخليقة، على أن العبادة لا تكون إلا لله. هذا جميع الرسل، وجميع الكتب السماوية دعت إلى ذلك. قال: وأن من عبد غير الله فإنه يدعى إلى عبادة الله، فإن أصر فإنه يُقاتل، دفعاً لكفره وشره، ولئلا ينتشر الكفر في الأرض، ويحتج به المخالف. فهذا خلاف ما يدعيه أولئك من أن يعني أن الناس يكونون أحراراً يعبدون ما يشاءون، وهكذا يدينون بما يشاءون. هذا ليس بصحيح، ولا يستدل بهذه الآية. قال: فلو كان الناس أحراراً، ولا اختلاف في الدين كما يقولون، ما احتاج الناس إلى بعث الرسل، ولا إلى إنزال الكتب. وهذا لازم قوي. قال: وإنما الناس أحرار، ولا أحد يدعى، ولا أحد يُقاتل، ولا أحد تفرض عليه الجزية والخضوع للإسلام، فهم أحرار كما تقولون. القول الثالث: يعني في معنى قوله تعالى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. انظروا كيف السلف ذكروا ثلاث أقوال لمعنى هذه الآية. المعنى الأول: أنها نُسخت بآيات الجهاد. المعنى الثاني: أن هذا في اليهود والنصارى، يُدعون إلى الإسلام، ثم يُخيرون، إن أبوا الدخول في الإسلام، بين القتال ودفع الجزية، فإن دفعوا الجزية سلموا من القتال، ولا يكرهون على الدخول في الإسلام، وإن يعني أبوا يُقاتلون. هذا معنى القول الثاني. قال: القول الثالث: أن قوله ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ خاص باليهود والنصارى، قيل إنهم أسلم منهم ناس، فأرادوا أن يكرهوا أولادهم على الدخول في الإسلام، فالله أنزل هذه في أنهم لا يكرهون. وأما قوله ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ أنه محمول على الاختيار والحرية، فهذا أمر باطل، لا دليل عليه من القرآن، بل أدلة الشرع كلها ترد على هذا. والقول الثالث، ما الفرق بينه وبين القول الثاني؟ الفرق بينه: أن القول الثالث هناك آباء من اليهود والنصارى أسلموا، ودخلوا في الإسلام، ولهم أولاد، فهم أرادوا أن يكرهوا أولادهم على الدخول في الإسلام، على الدخول في الإسلام. فنزلت هذه الآية: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. وهذا القول يعني يتوافق أو يتقارب مع القول الثاني، فيحمل أنهم لا يكرهون هؤلاء الأولاد على الدخول في الإسلام، إذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، إذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. فالقول الثاني لا شك أنه هو الأظهر، وهو الذي عليه، كما قال الحافظ ابن كثير، طائفة كثيرة من العلماء، وكأن الحافظ يميل إلى هذا القول. فهذا هو تفسير هذه الآية، وليس فيها المعنى الذي يريده أولئك المغرضون، من أن الناس أحرار، يدينون بما يشاءون، ويعتقدون ما يشاءون. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر