الدرس في كتاب العتق 3، تابع كتاب العتق . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل أحكام العتق والتدبير، حيث يشرح شروط عتق العبد ومسؤولية الشركاء في حالة عتق أحدهم لنصيبه. كما يبين حق الولاء لمن أعتق وحكم التدبير وجواز بيعه إذا احتاج المالك.
يتناول هذا الفصل أحكام المكاتبة وعقد المكاتبة للعبيد، حيث يجوز للسيد أن يكاتب عبده على مال يؤديه، فيصير حرا عند الوفاء. كما يتناول أحكام أمهات الأولاد وعتقهن بموته أو تنجيزه لعتقهن.
يتناول هذا الفصل حكم بيع أمهات الأولاد وعتقهن، مستندًا إلى أحاديث نبوية وآراء أهل العلم، حيث يرى أكثرهم أن بيع أمهات الأولاد لا يجوز وأنهن يعتقن عند وفاة السيد.
يشير المتحدث إلى انتهاء الوقت المخصص للبرنامج، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. كما يتوجه بالشكر للمشاهدين على متابعتهم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال ولا يصحوا. قال: ومن اعتق شركا له في عبد ضمن لشركائه نصيبهم بعد التقويم وإلا عتق نصيبه فقط، واستسعى العبد. مر معنا في الكلام على هذه المسألة في بيان حكم من اعتق شركا له في عبد: أن الشركاء إذا أقروا عتق هذا العبد عنهم جميعا فكان الولاء لهم جميعا، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الولاء لمن اعتق». وإن لم يقروا، فإن عتق أحد الشركاء يدخل العتق على العبد. فإن كان هذا الشريك الذي اعتق عنده مال يستطيع به أن يؤدي حصص الشركاء وجب أن يفعل ذلك، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من اعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوّم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاء حصصهم وعتق عليه العبد». ومعنى قيمة عدل: يعني قوّم قيمة عدل، والتقويم بقيمة العدل هي قيمة المثل إن كان له مثل، أو القيمة إن لم يكن له مثل، فيقوّم بما يظن أنه إن شاء الله العدل بحسب وصفه. وهذا في حال عند هذا الشريك المال الكافي لإعطاء حصص الشركاء، فإن لم يكن، قال في الحديث: «وإلا فقد عتق عليه ما عتق»، أي عتق لهذا العبد نصيب هذا الذي أعتق. فماذا يصنع؟ هذا الحديث الأول حديث بن عمر في الصحيحين: «فإن لم يستطع وعتق عليه ما عتق»، فالعبد هاهنا يذهب فيبحث من يعينه في الباقي، أو يجمع ما يتيسر من مال ويسدد للشركاء ما لهم، ولا يشق عليه ويشدد عليه في ذلك. ودليله ما جاء كذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وأشار إليه بالشرح أنه قال عليه الصلاة والسلام: «من أعتق شقصا من مملوك -والشقص الجزء والنصيب- فعليه خلاصه في ماله، فإن لم يكن له مال قوم المملوك متعدل» وسبق معنا التقويم، «ثم استسعى أو استسعى في نصيب الذي لم يعتق غير مشقوق عليه»، يعني معناه: إذا لم يستطع هذا الشريك أو لم يكن عند الشريك المال الكافي لإعطاء حصص الشركاء، فإنه يذهب العبد نفسه فينظر من يعينه في ذلك. وقوله عليه الصلاة والسلام: «غير مشقوق عليه» يعني لا تدخل المشقة عليه، فيشدد فيقال له مثلا: اشتغل في الليل والنهار لتسدد لنا، وإنما يعمل بالمعروف ويسدد بالمعروف، أو يقال له: اذهب فادع على الناس حتى يساعدوك، كل هذا لا يصح إلا بالمعروف، معروف شرعا وعرفا. وقوله رحمه الله تعالى: «واستسعى العبد» هذا هو يعني ذهب يبحث عن من يعينه في ذلك. وقد أشار المؤلف رحمه الله إلى ما جاء في حديث ابن عمر مما ظاهره التعارض مع هذه الأحاديث أنه لا منافاة وأنه يمكن الجمع بينها، وهو أن من أعتق شركا له في عبد ولا مال له لم يعتق إلا نصيبه، ويبقى نصيب شريكه مملوكا. فإن اختار العبد أن يستسعى بما بقي استسعى، وإلا كان بعضه حرا وبعضه عبدا. ويمكن كما قال رحمه الله أن يكون الجمع بأن هذا في حال عجز العبد عن الاستسعى، فإذا عجز يبقى الباقي فيه معنى العبودية والرق حتى يكمله. وقد مر معنا الكلام في المكاتب، وهذا من باب أولى، وسيأتي إن شاء الله. قال رحمه الله: «وليصح شرط الولاء لغير من أعتق». وهذا كذلك من أحكام العتق، أن الولاء وقد مر معنا أن الولاء هو حق المعتق في العبد والرقيق المعتق، وهذا الحق في الإرث والولاية إذا لم يكن له وارث وولي. ودليل ما جاء في قصة بريرة رضي الله عنها بالصحيحين من حديث عائشة، والقصة طويلة وسبقت الإشارة إليه، فإن بريرة كاتبت أهلها ولم تستطع أن تكمل سداد المكاتبة، فطلبت من عائشة أن تعينها، فاشترطت عائشة أن يكون الولاء لها لأنها هي التي ستعينها، فرفض أولياء بريرة وطلبوا أن يكون الولاء لهم. فبين النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبرت عائشة بذلك أن الولاء إنما هو لمن أعتق. وإن قال قائل: هؤلاء كذلك أعطوا بريرة معنى العتق بالمكاتبة. الجواب: هذا الذي أعطوه أخذوا له مقابل، والمقابل هو المال المدفوع في مقابل المكاتبة، فلهذا ليس لهم حق الولاء، وإنما الولاء لمن أعتق، لمن دفع المال، وهي في هذه القصة عائشة رضي الله عنها. وعند ذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ابتاعي فأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق». ثم قال: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط». الحديث وهو بالصحيحين كما تقدم. ثم ذكر رحمه الله تعالى في المسائل، قال: «ويجوز التدبير فيعتق بموت مالكه». أي العبد المدبر. وإذا احتاج المالك جاز له بيعه. ومر معنا كذلك الإشارة إلى ذلك، ونحن نمر مرورا سريعا مذاكرة وإعادة معلومات. العبد المدبر، العبد المدبر مر معنا أنه العبد الذي تم عتقه عن دبر، يعني يقول المالك: إذا مت فأنت حر. فهذا النوع من العتق كان موجودا في الجاهلية وفي الإسلام، فأقر الإسلام ذلك واشترط له شروطا. وقد أشار المؤلف رحمه الله إلى ذلك بقوله: «ويجوز التدبير فيعتق بموت مالكه وإذا احتاج المالك جاز له بيعه». هذه الجملة الأخيرة دل الشرع على جوازها، لأن هذا إحسان ويجوز الرجوع فيه ما دام العتق مشروطا ولم يأتي وقت الشرط. ودليله ما جاء في الصحيح من حديث جابر بن عبد الله أن رجلا أعتق غلاما عن دبر، فاحتاج فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «من يشتريه مني؟» قال: فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا، فدفعوا إليه. وأشار في الشرح إلى بعض الأحاديث في ذلك، بعضها كذلك فيها معنى ما في الصحيح وهي ضعيفة، وما في الصحيح يغني. فالحاصل: يجوز للسيد أن يتراجع عن عتق عبده المدبر إذا احتاج، أولا لدلالة الشرع، وثانيا لأن معنى العتق إنما هو بهذا الشرط عن دبر، ولم يقع وقت الشرط، فجاز الرجوع فيه، ولا يدخل هذا في الرجوع في الهبة، فإن العائد في هبته الكلب يقئ ثم يعود في قيئه، لأن الهبة تنفذ بخروج الموهوب، وأما العتق بالشرط فهو لم ينفذ ولم يخرج حتى يشبه بالهبة، فليس هو بهبة. ثم قال رحمه الله تعالى: «ولا يصح...» نعم، قال: «ويجوز مكاتبة المملوك على مال يؤديه، فيصير عند الوفاء حرا، ويعتق منه بقدر ما سلم». وإذا عجز عن تسليم مال الكتابة عاد في الرق. وهذا مبحث آخر من مباحث العتق، وهو ما يتعلق بالعبد المكاتب وعقد المكاتبة، دل عليه دليل الكتاب والسنة، وهو فيما إذا طلب العبد والأمة الحرية على أن يكاتب أسياده على مبلغ من المال، فهنا أمر الشرع بقبول عقد المكاتبة، ولا يجوز رده إن علم فيهم خيرا. ومعنى الخير ها هنا الخير الديني والدنيوي، الخير الديني بكونه لا يكون إعطاء هذا الإنسان -ذكرا كان أو أنثى- الحرية سببا لفساده وانحرافه. ومجمل سبب الفساد والانحراف قد يكون بسبب فساده هو، أو بسبب ضعفه مع كثرة أهل الفساد في مجتمعه، قد يكون هو ليس بفاسد لكنه ضعيف، يعني ليس قوي الشخصية ولا عنده الملكة الذي يستطيع أن يحمي نفسه من الفساد. فمثل هذا النوع من الناس ليس من الخير أن يعتق، لأن عتقه لا يعين. وهكذا كذلك الفساد الذي ينافي الخير ولو في الدنيا، مثل أن يكون هذا العبد أو الأمة لو اعتق ما استطاع أن ينفق على نفسه، إنسان ضعيف ما يستطيع أن ينفق على نفسه، وغير قادر على الاكتساب. ولا يجوز المبالغة في هذا، بل ينبغي العدل والإنصاف. فإن كان هذا هو الوصف الصحيح لهذا الإنسان، فهنا لا يكاتب، لأن المكاتبة ليس فيها خير له. ولهذا قال الله عز وجل: «فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا»، فأمر بمكاتبتهم بهذا الشرط إن علم فيهم خيرا. قال العلماء: المراد بالخير الخير الديني والدنيوي. وقد نص على هذا المعنى عدد من أهل العلم من أهل التفسير والفقه والحديث، ومجمله على هذين المعنيين المذكورين. بل أمر الشرع أن يعان أمثال هؤلاء من الزكاة، كما قال سبحانه: «وآتوهم من مال الله الذي آتاكم». وقد دلت السنة في أحاديث كثيرة على هذا المعنى الذي أشار إليه المؤلف رحمه الله، فيجوز مكاتبة المملوك على مال يؤديه. هذا نص القرآن. وأما نص السنة في أحاديث كثيرة، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يؤدي المكاتب بحصة ما أدى دية الحر، وما بقي دية العبد». وقوله عليه الصلاة والسلام: «المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم». روي مرفوعا، موقوفا، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. والصحيح فيه الموقوف، والمرفوع معل. ومع ذلك فالموقوف له حكم الرفع، لأن مثل هذه الأحكام لا تقال بالرأي. وقد اتفقت كلمة الصحابة على حكم العبد المكاتب، وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم. فإذا قوله رحمه الله: «فيصير عند الوفاء حرا» يعني استوفى مال المكاتبة. وإذا لم يستوفي، فهذا هو قوله: «ويعتق منه بقدر ما سلم». وهذا ما جاء في: «المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم». طيب كيف يكون عبد ويقول المؤلف: «ويعتق منه بقدر ما سلم»؟ الجواب: هذا العتق واقع لكنه موقوف حتى يستكمل باقي المال مال المكاتبة، يعني مثلا رجل دفع ثلاثة أرباع عقد المكاتبة، بقي عليه ربع، بقي عليه ربع المال، فهو لا يزال في حكم العبد لما بقي من مال المكاتبة، ولكنه في الحقيقة عتق منه ثلاثة أرباع، فإذا استكمل الربع صار حرا. وأمر الشرع كما مر معنا أن يعان أمثال هؤلاء، ولو من الزكاة. وقوله رحمه الله تعالى: «وإذا عجز عن تسليم مال الكتابة عاد في الرق». وهل إذا عاد في الرق يأخذ السيد المال؟ الجواب: لا، لا يأخذ المال، لأن المال هو لشرط المكاتبة، فلذلك يرد عليه المال، يرد عليه المال، يقول: هذا المال لك، فلا يجوز مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه. ولكن لأنه عجز والسيد لم يسامح، فهنا يرجع إلى الرق ويرد له المال. وأشار إلى شيء من ذلك في الشرح، ومنه ما جاء معناه في حديث بريرة رضي الله عنها وأرضاها، يعني فيما جاء أصله في الصحيحين في قصة عائشة وتقدمت، فإنها طلبت من عائشة رضي الله عنها إعانتها في ذلك، ومعناه: إذا لم تجد من يعينها بقيت على ما هي عليه. ثم قال رحمه الله تعالى: «ومن استولد أمته لم يحل له بيعها، وعتقت بموته أو تنجيزه لعتقها». وهذا مبحث آخر من مباحث كتاب العتق، وهو مبحث أمهات الأولاد. وقد روي في هذا المبحث أحاديث كثيرة، وأكثرها ضعيفة، ورويت فيه موقوفات، وأكثر الموقوفات صحيحة، وهي في حكم المرفوع لأن مثلها لا يقال بالرأي. ورويت كذلك في هذا المعنى آثار تدل أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعوا على حكم أمهات الأولاد على ما أشار إليه المؤلف رحمه الله. أولها: أن من استولد أمته لم يحل له أن يبيعها، وعتقت بموته. أما العتق بالموت، فقد نقل فيه الإجماع، ورويت فيه أحاديث مرفوعة وموقوفة. فمن المرفوع ما جاء في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من وطئ أمته فولدت له فهي معتقة عن دبر منه». والحديث خرجه الإمام أحمد وجماعة كما أشار إليه بالشرح، لكنه ضعيف، كما قال في إسناده الحسين بن عبد الله الهاشمي، وهو بن عبيد الله، وهو ضعيف. قال هذا البوصيري في الزوائد: وقد ضعفه أبو حاتم وغيره، بل قال البخاري رحمه الله: إنه يتكلم بالزندقة، فالحديث لم يصح مرفوعا. وهكذا جاء عند الدارقطني والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس أيضا: «أن أم الولد حرة وإن كان سقطا». وهذا كذلك ضعيف لم يصح مرفوعا، ولكنه صح عن عمر موقوفا. وهذا المعنى وردت فيه آثار موقوفة عن عدد من الصحابة، منهم عمر وابن عمر وابن عباس وجماعة، وهي صحيحة. ومثل هذه الموقوفات لا تقال بالرأي، بل الصحيح أنها من الموقوف الذي له حكم المرفوع. ولهذا نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع عن الصحابة وغيرهم في أن أمهات الأولاد يعتقن بموت السيد. وهذا معنى ما جاء في هذه الأحاديث: «من وطئ أمته فولدت له فهي معتقة عن دبر». وهكذا كذلك على الصحيح: أن هذا الحكم يشمل ما إذا كان المولود حيا أو لم يحي المولود، ويدل على ذلك ما جاء في قصة أم إبراهيم عليه السلام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جاء عنه -والحديث لم يصح- لكن معناه صحيح، تدل عليه بعض الإشارات في الصحيح. فأم الولد تعتق إذا وضعت لسيدها، سواء حي هذا المولود أو لم يحي هذا المولود، فولدها يعتقها، لكن يكون عند موت السيد، إلا أن يعتقها هو. وأما كونه لا يجوز بيعها، فدليله ما جاء من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد، فقال: «لا يباعن ولا يوهبن ولا يورثن، يستمتع بها السيد ما دام حيا، وإذا مات فهي حرة». وهذا الحديث أعله الحفاظ، فذكروا أنه لم يصح مرفوعا، ولكنه صح موقوفا عن عمر وعن ابن عمر كما ذكر ذلك الدارقطني. وهكذا ذكر نحوه البيهقي وعبد الحق وغيرهم من أهل العلم وحفاظ الحديث. وهذا الموقوف مثله لا يقال بالرأي، فإن مثل هذه الأحكام لا يتجرأ على مثلها الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلا وقد بلغهم في ذلك حديث. ويؤيده ما جاء عند الإمام أحمد وابن حبان وأبي داود والحاكم وغيرهم بإسناد صحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: «كنا نبيع سرارينا -أمهات أولادنا- على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حي، لا نرى بذلك بأسا». وفي زيادة عند الحاكم زيادة وأبي بكر: «فلما كان عمر نهانا فانتهينا». وقد أشكل هذا الحديث على بعض أهل العلم، فقالوا: هذا الحديث يعارض حديث عبد الله بن عمر المتقدم، فلهذا قال من قال من أهل العلم: إنه يجوز بيع أمهات الأولاد وإن كانت تعتق عن دبر، لكن يجوز بيعها قبل العتق. واستدلوا بهذا الحديث عن جابر بن عبد الله. وقول أكثر أهل العلم، وهو الصحيح: أن الحديث حجة على من قال بجواز البيع، وليس له. وأن الحديث يوافق حديث ابن عمر ولا يخالفه. ووجه ذلك: أن جابر بن عبد الله حين نقل هذا نقله بحسب علمه، وكونه نقل أن عمر رضي الله عنه نهاهم فانتهوا، هذا يدل أن الصحابة كلهم اتفقوا وأجمعوا على ما قال عمر. ولم يكن الصحابة ليوافق عمر على شيء قد خالفته سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلا وأن يكون هناك سبب جعل الصحابة يوافقون عمر على ذلك. وهذا هو ما أجاب به أهل العلم عن حديث جابر مع حديث عبد الله بن عمر، والجمع بينهما. فقال بعض أهل العلم كما ذكر ذلك البيهقي رحمه الله، وأشار إليه الشارح في الشرح: أنه ليس في حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك، بل جابر نقل بحسب علمه ما كان يقع في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. وطرفا من زمن أبي بكر. ومعلوم أن إمامة وخلافة أبي بكر لم تكن طويلة بالنسبة لخلافة عمر رضي الله عنه، فكون جابر ينقل ذلك ليس معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عن هذا، وإنما معناه أن بعض الصحابة لم يعلموا حكم المسألة، فكانوا يفعلونه وهم لم يعلموا بحكم المسألة. وهذا يرجح قول من قال من أهل العلم ما ذكره الخطابي رحمه الله: أن معنى حديث جابر يحمل أنه كان مباحا في أول الإسلام، ثم نهي عنه في آخر زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أي البيع، ولم يشتهر ذلك بين الصحابة، أي لم يشتهر ذلك النهي حتى صار بعض الناس بسبب عدم علمه بهذا النهي يظن أن الأمر على أصله، لم يقع فيه نهي ولا نسخ. ولكن نهي عمر رضي الله عنه وإجماع الصحابة يدل على هذا المعنى ويؤكده، لأن مثل هذا لا يقع بالرأي، ولكنه يكون بالدليل، خصوصا وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». وهذا من جهة الدليل. وأما من جهة التعليل، فذلك أن أمهات الأولاد إذا كن يعتقن عن دبر، فإن ذلك يعني أنه لا يستطيع السيد أن يرفع حكم العتق، لأن عتق التدبير هاهنا ليس منه، وإنما من الشرع. إن قد يقول قائل: كيف قلنا في حكم العبد المدبر يجوز للسيد أن يتراجع إذا احتاج، وهنا لا يستطيع السيد أن يتراجع؟ الجواب: أن عتق التدبير في غير أمهات الأولاد هو من نفس السيد، ومع ذلك لا يجوز له التراجع إلا بهذا الشرط أن يضطر ويحتاج، فيجوز له أن يتراجع وينتفع من عبده المدبر. وأما عتق أمهات الأولاد فهو ليس من السيد، وإنما من الشرع، الشرع هو الذي أمر بعتق أمهات الأولاد بالتدبير. فلذلك لا يستطيع السيد أن ينسخ هذا الحكم أو يغيره، ما دامت أنها ولدت له، فولدها أولا حر، وهي كذلك ستكون حرة بعد موت السيد. فإذا قلنا بهذا القول، وهذا القول كما سبق نقل فيه الإجماع، ينبني على هذا أنه لا يجوز بيع من تم عتقه عن تدبير بالشرع، فهذا من جهة التعليل. وقد نص غير واحد من أهل العلم بهذا المعنى. وهذا يؤكد أن ما قاله الصحابة رضي الله عنهم لم يكن عن رأي، وإنما كان عن نقل، نقلوه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما قوله رحمه الله: «وعتقت بموته أو تنجيزه لعتقها». الموت سبق الكلام عليه. وأما تنجيزه بعتقها، يريد تعجيله بالعتق، إن شاء أن يعجل مثل أن يقول لها: إن شئت أن تكون حرة الآن فأنا أعطيك الرخصة في ذلك، فإنه يجوز له ذلك، لأن إبقاء الرق حتى تموت، حتى يموت هو، هذا هو حكم الشرع. والحكم في ذلك كما قال أهل العلم: أن الشرع جعل الولادة سببا للعتق، وفي نفس الوقت لم يضيع لهذا السيد حقه، فهو ما دام حيا وهو يملك هذه الأمة، أذن له الشرع بانتفاعه بها على وصفها الذي كانت عليه حتى يموت هو، فأبقى الشرع له حقه، ولكن أخرج منه حكم العتق عن تدبير. فإذا هو قال لها: إن شئت أن تعتق قبل ذلك فلك ذلك، إذن هو الذي تنازل عن حقه. وإذا تنازل عن حقه جاز له، جاز لها أن تعتق، حتى ولو كانت غير أم ولد، فكيف إذا كانت أم ولد؟ فهذا من باب أولى وأولى. وهذا ما أشار إليه رحمه الله في الشرح. وبهذا نكون قد انتهينا من مسائل الكتاب في العتق. هل في شيء في هذا؟ هذه أسئلة أسئلة كثيرة اجتمعت من الدروس السابقة، إذا كان فيها شيء مما يتعلق بهذا الباب وإلا أجلناها إلى وقت آخر. اقترح بعض الإخوة اقتراحا قالوا: ليجعل يوم للإجابة على الأسئلة في أحد الأوقات، فما رأيكم لو يكون يوم الخميس من نهاية كل شهر نجعله مجلسا للإجابة على الأسئلة؟ إن شاء الله نستأذن الإخوة، عند من يوم الخميس درس الخميس عند أبي يوسف، فنستأذنه نأخذ عليه خميس واحد في كل شهر، آخر يوم خميس في كل شهر نجعله إن شاء الله للإجابة على الأسئلة المجتمعة خلال الشهر. وإن كان هناك شيء لا بس بما يتسع له الوقت. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. شكرا للمشاهدين.