التعليق على تقريب التدمرية 42

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 42، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

إثبات الصفات لله تعالى ونفي التمثيل والتعطيل

يقرر هذا المحور أن صفات الله تثبت على ما يليق بجلاله دون تشبيه ولا تعطيل، وأن ظاهر نصوص الصفات مرادٌ بإثباتها لا بنفيها. ويبين أن القول بعدم إرادة الظاهر خطأٌ مردود، والصواب حمل النصوص على ظاهرها اللائق بالله مع مراعاة السياق الكامل.

الرد على تأويلات المعطلة في نصوص الصفات الواردة

يتناول هذا المحور الرد على تأويلات المعطلة لحديث "مرض عبدي" وآية "تجري بأعيننا"، موضحاً أن فهم النصوص باجتزاء ألفاظها يؤدي للخطأ. ويؤكد أن السياق الكامل واللغة العربية السليمة يدلان على معنى الرعاية والحفظ لا على حلول الصفات في المخلوقات.

الأساليب العربية في التعبير عن الرعاية بلفظ العين

يشرح هذا المحور أن عبارات العين في اللغة العربية مثل "في عينك" و"على عيني" تُستخدم للمراقبة والرعاية لا للحقيقة الحسية، وهو أسلوب شائع مفهوم. ويشير إلى أن هذا الباب سيُفصل في الدرس القادم لاستكمال بيان معاني نصوص الصفات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المصنف رحمه الله تعالى: وبيان ذلك أن من صفاتنا ما هو معانٍ وأعراض قائمةٌ بنا، كالحياة والعلم والقدرة، ومنها ما هو أعيان وأجسام، وهي أبعاضٌ لنا، كالوجه واليدين. ومن المعلوم أن الله وصف نفسه بأنه حيٌ عليمٌ قدير، فلن يقل المسلمون إن المفهوم من حياته وعلمه وقدرته كالمفهوم من حياتنا وعلمنا وقدرتنا. ولما وصف نفسه بأن له وجهاً ويدين، لم يكن المفهوم من وجهه ويديه كالمفهوم من وجوهنا وأيدينا، وإنما قال المسلمون: إن المفهوم من صفات الله في هذا لا يماثل المفهوم منها في صفاتنا، بل كل صفة تناسب الموصوف وتليق به. فلما كانت الذات الخالق لا تماثل ذوات المخلوقين، فكذلك صفاته لا تماثل صفات المخلوق. وقد سبق أن القول في الصفات كالقول في الذات. هذا بيان منه رحمه الله تعالى لبيان أن ما اتصف به العباد من صفات، سواء كانت صفات معنوية كالحياة والعلم والحكمة، أو كانت أعراضاً قامت بهم كالإتيان والمجيء وغير ذلك، وهكذا من صفات العباد صفات هي أعيان وأجسام وأبعاض من أجسامهم، كالوجه واليدين، هذه أبعاض من أجسام العباد. والله جل وعلا لما وصف نفسه بأنه حي وعليم وقدير، هل قال أحد من المسلمين: إن المفهوم من حياة الله جل وعلا وعلمه وقدرته كالمفهوم من حياتنا أي نحن العباد وعلمنا وقدرتنا؟ لما وصف نفسه بأن له تلك الصفات، سواء كانت صفات معنوية كالعلم والحياة والحكمة والقدرة، أو صفات ذاتية كالوجه واليدين وغيرها، لم يقل أحد من المسلمين: إنما اتصف الله جل وعلا به من صفات معنوية أو ذاتية هي كصفات المخلوق المعنوية أو الذاتية، وإنما قالوا: كل صفة تليق بمن وصف بها، فصفات الرب جل وعلا تليق به، تليق به سبحانه وتعالى. له وجه على ما يليق به، وله يدان على ما تليق به، وله حياة على ما تليق به، وهكذا له قدرة، وله سمع وبصر، إلى آخر الصفات، على ما تليق بالله جل وعلا. كما أنه جل وعلا له ذات لا تماثل ذوات المخلوقين، العباد لهم ذوات، لكن هل ذات المخلوق كذات الخالق؟ من يقول هذا؟ لا أحد يقول إن ذات الخالق كذات المخلوق. طيب، لماذا يقولون: صفات الخالق كصفات المخلوقين؟ الأمر واحد؛ الذي ذاته تخالف ذوات المخلوقين فصفاته تخالف صفات المخلوقين لاختلاف الذات. الذات مختلفة، ذات الخالق ليست كذات المخلوق، فهل تكون صفات الخالق كصفات المخلوق؟ أبداً. وهذا واضح جداً، من علم حقاً أن ذات الخالق ليست كذات المخلوق، فسيعلم حقاً أن صفات الخالق ليست كصفات المخلوق، لأن صفات الخالق تليق بذات الخالق، وصفات المخلوق تليق بذات المخلوق. ذات المخلوق معلومة، هي هذه الذات التي نعرفها ونشاهدها، ولذلك علمت هذه الصفات التي اتصفت بها هذه الذات، وهي ذات المخلوق. ذات الخالق لم يعلمها أحد، ولذلك لا يستطيع أحد أن يعلم صفات الخالق. إذن ماذا يقال؟ يقال: صفات الخالق تليق بذات الخالق جل وعلا على ما يليق به سبحانه وتعالى. ذات الحيوان تختلف عن ذات البشر، ذات الحيوان ليست كذات الإنسان، فهل صفات الحيوان كصفات الإنسان؟ لا، لماذا؟ لاختلاف الذات. لاختلاف الذات، لما اختلفت الذوات، ذات الحيوان ليست كذات الإنسان، وذات البعوضة ليست كذات البعير، اختلفت الصفات، فصل رجل البعوضة ليست كرجل البعير، وسمع البعوضة ليست كسمع البعير، وهكذا. لماذا؟ لاختلاف الذات. وهكذا لله جل وعلا ذات متصف بصفات تليق بذاته جل وعلا، كما أن للمخلوق ذاتاً وله صفات تليق وتناسب الموصوف بها وهو المخلوق. وهذا واضح بحمد الله، كوضوح الشمس رابعة النهار، لمن كان له فهم صحيح ونظر صحيح. أما من لعبت به الأهواء، ومن لعب به الشيطان، فهو يقع في ضلالاته، إلا أن الأمر واضح لمن نظر فيه نظراً صحيحاً موافقاً لنصوص الشرع ولفهم السلف الصالح. قال رحمه الله تعالى: فتبين بذلك أن من قال: إن ظاهر نصوص الصفات غير مراد، فقد أخطأ على كل تقدير. لأنه إن فهم من ظاهرها معنى فاسداً وهو التمثيل، فقد أخطأ في فهمه وأصاب في قوله: غير مراد. هذا الذي قال: قال ظاهر النصوص، ظاهر نصوص الصفات غير مراد، هذا أخطأ، لماذا؟ لأنه لماذا قال: ظاهر نصوص الصفات غير مراد؟ لأنه ظن أن ظاهر نصوص الصفات هو التمثيل. ظاهر نصوص الصفات التي فيها ذكر الوجه لله، وذكر اليدين لله جل وعلا، ماذا فهم من ظاهر هذه النصوص؟ فهم من ظاهر هذه النصوص أن هذه الصفات التي ثبتت لله في هذه النصوص ظاهرها التمثيل، أي أنها تماثل صفات المخلوقين. ماذا قال بعد ذلك؟ قال: ظاهر نصوص هذه الصفات غير مراد. فقال: غير مراد لأنه ظن أن ظاهرها يقتضي التمثيل. فهو أخطأ، أخطأ حين ظن أن ظاهر نصوص الصفات التمثيل، وقال لذلك: غير مراد. وهذا صحيح كما سيأتي، أن هذا غير مراد، نعم، لأن ظاهر نصوص الصفات لا يقتضي التمثيل كما ظن هذا. قال رحمه الله تعالى: قال: فقد أخطأ في فهمه وأصاب في قوله غير مراد. أخطأ في فهمه لأنه ظن أن ظاهر نصوص الصفات تقتضي التمثيل، وأصاب في قوله غير مراد، نعم، لأن هذا الظاهر الذي ظنه غير مراد، لأن الظاهر هو إثبات هذه الصفات في هذه النصوص على ما يليق بالله جل وعلا، وظاهرها على ما يليق بالله جل وعلا، لا كما ظن هذا أنها تقتضي التمثيل. قال: وإن فهم من ظاهرها معنى صحيحاً وهو المعنى اللائق بالله، قد أصاب في فهمه وأخطأ في قوله غير مراد. طيب، إذا فهم هذا الفهم وهو فهم صحيح، أن ظاهر نصوص الصفات على ما يليق بالله جل وعلا، إثبات هذه الصفات على ما يليق بالله جل وعلا، فهم هذا المعنى، هذا حق، لكن أخطأ إذا قال: هذا غير مراد. أخطأ إذا قال: هذا غير مراد، لماذا؟ لأن هذا مراد، إثبات نصوص الصفات نعم، وأن ظاهرها وهو إثباتها، إثبات هذه الصفات لله جل وعلا على ما يليق بالله جل وعلا، هذا مراد، هذا مراد. فهو إذا قال: غير مراد، هنا أصاب في فهمه حين قال: يفهم منها إثبات الصفات على ما يليق بالله عز وجل، لكن أخطأ إذا قال: غير مراد. لو قال: مراد، هذا صح، أصاب. فلذلك قال هنا: فقد أخطأ، أو قال: فقد أصاب في معنى ظاهرها، نعم، قالوا: إذا فهم من ظاهرها معنى صحيحاً وهو المعنى اللائق بالله، قد أصاب في فهمه وأخطأ في قوله غير مراد. قال: فهو إن أصاب في معنى ظاهرها، أخطأ في نفي كونه مرادا. أصاب في معنى ظاهرها وهو إثباته على المعنى اللائق بالله جل وعلا، لكن أخطأ في نفي كونه مرادا، لأن هذا مراد وهو نفاه، قال: غير مراد، فأخطأ حين نفى كون هذا مرادا، بل هو المراد، أن تفهم من ظاهر نصوص هذه الصفات إثبات هذه الصفات على المعنى اللائق بالله جل وعلا. قال: فهو إن أصاب في معنى ظاهرها، ظاهرها، أخطأ في نفي كونه مرادا. وإن أخطأ في معنى ظاهرها، يعني حين قال: ظاهر نصوص هذه الصفات يقتضي التمثيل، أي تمثيل صفات الخالق وصفات المخلوقين، فهذا أخطأ في معنى ظاهرها، وهذا ليس هو المراد، ولذلك أصاب في نفي كونه مرادا، نعم، لأن هذا غير مراد، صحيح. يعني فهم ظاهر نصوص الصفات بأنها تقتضي التمثيل، هذا غير مراد، فهو هنا أصاب في نفي كونه مرادا، أي أنها غير مراد، أي هذا الفهم غير مراد. فيكون قوله خطأ على كل تقدير، قوله خطأ على كل تقدير، حين قال: ظاهر نصوص الصفات غير مراد. والحق كما قال رحمه الله، والصواب الذي لا خطأ فيه، أن ظاهرها مراد، كما تقدم. هذا المراد هو إثبات هذه الصفات على ما يليق بالله جل وعلا، وأنه ليس إلا معنى يليق بالله، فهذا هو مذهب السلف الصالح، إجراء النصوص على ظاهرها المتبادر منها. لكن هنا يجب أن يفهم: ما المراد بالمتبادر من نصوص الصفات؟ أي المعنى اللائق بالله جل وعلا، لا يكون المتبادر عند البعض من ظاهر نصوص هذه الصفات أنها تقتضي التمثيل. ذلك يقول: ظاهر نصوص هذه الصفات غير مراد، لا، وإنما ظاهر نصوص هذه الصفات مراد، هو أن تثبت يا عبدالله هذه الصفات التي دلت عليها هذه النصوص لله جل وعلا على ما يليق بالله سبحانه وتعالى، فتقول: الله وجه على ما يليق بالله سبحانه وتعالى، الله يدان على ما يليق بالله جل وعلا، وهكذا بقية الصفات. هذا المراد من ظاهر نصوص هذه الصفات، وهو المعنى اللائق بالله جل وعلا، وهو مراد. قال رحمه الله تعالى: فصل. والذين يجعلون ظاهر النصوص معنى فاسداً فينكرونه، يكون خطؤهم على وجهين: الأول: أن يفسر النص بمعنى فاسد لا يدل عليه اللفظ، فينكرونه لذلك، ويقولون: إن ظاهره غير مراد. مثال ذلك: قوله تعالى في الحديث القدسي: «يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني». الحديث رواه مسلم، وهو من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. قالوا: فظاهر الحديث أن الله يمرض ويجوع ويعطش، وهذا معنى فاسد، فيكون غير مراد. فنقول: لو أعطيتم النص حقه لتبين لكم أن هذا المعنى الفاسد ليس ظاهر اللفظ، لأن سياق الحديث يمنع ذلك، فقد جاء مفسراً بقول الله تعالى في الحديث نفسه: «أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، واستسقاك عبدي فلان فلم تسقه؟» وهذا صريح في أن الله سبحانه لم يمرض ولم يجوع ولم يعطش، وإنما حصل المرض والجوع والعطش من عبد من عباده. هؤلاء الذين قالوا: ظاهر نصوص الصفات غير مراد، ظاهر نصوص الصفات غير مراد، قلنا: لماذا قالوا؟ انظروا مثلاً إلى هذا الحديث، هل أنتم يا أهل السنة الذين تقولون: نصوص الصفات تجرى على ظاهرها؟ نعم، فنحن نقول لكم: هذا الحديث، هذا الحديث وهو حديث قدسي، أخبر فيه النبي عليه الصلاة والسلام عن ربه جل وعلا أنه يقول لعبده يوم القيامة: «يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني». هل أنتم تقولون بظاهر هذا الحديث أم لا؟ إذا قلتم: نحن نأخذ بظاهر هذا الحديث، ونجري هذا الحديث على ظاهره، يعني أنكم تقولون: الله يمرض، والله يعطش، والله يحتاج للسقية. نقول: لا، نقول: لا، ظاهر هذا النص ليس هذا المعنى الذي فهمتموه، أنتم فهمتم نص هذا الحديث فهماً خاطئاً، فهماً خاطئاً، أخذتم جزءاً من الحديث ولم تأخذوا الحديث بكامله. لو أنكم أعطيتم النص حقه وفهمتموه فهماً كاملاً بعموم هذا النص، لتبين لكم المعنى الصحيح، ليس هو المعنى الفاسد الذي فهمتموه، أن الله يمرض، وأن الله يعطش، وأن الله يحتاج للسقية، فهذا باطل. والواجب في النصوص أن تأخذ بكاملها، أن تأخذ بكاملها، لا أحد يفهم النص بما يوافق هواه، ينظر إلى النص ويأخذ شيئاً من النص ويقول: هذا ظاهر النص، والنص ليس كذلك، ترك شيئاً في النص دل عليه النص، يدل على المعنى الصحيح، فهو ترك ولم يأخذ به. على سبيل المثال: قول الله جل وعلا: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾. طيب، إذا جاء أحد يقول: هذا النص يدل على أن هذا النبي لبث في قومه ألف سنة، لبث في قومه ألف سنة، نقول: لا، ليس بصحيح هذا. قل: كيف؟ صح ما تنظرون في النص؟ نقول: أنت الذي ما نظرت في النص، هل أعطيت النص حقه؟ هل أنت أعطيت النص حقه؟ فهمت النص كاملاً؟ أنت أخذت، أخذت من هذا النص: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، لكن ما أكملت النص، النص فيه ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾، في النص ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾، وهذا استثناء، لا بد أن تعمل حسابه، لا بد أن تعمل حساب هذا الاستثناء، فإذا عملت حساب هذا الاستثناء تبين لك المراد، وتبين لك الحق والمعنى الصحيح، كم هو الوقت الذي لبث فيه هذا النبي في قومه، لعلمت أنه ألف سنة إلا خمسين. ونقول هذا في مثل هذا الحديث: أنت ما أعطيت النص حقه، لماذا لم تكمل النص؟ لماذا توقفت على هذا فقط؟ ﴿مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي﴾، ﴿اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي﴾، ﴿اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي﴾، وقفت عند هذا، وقلت: الله يحتاج من عباده أن يطعموه، ويحتاج من عباده أن يعودوه، ويحتاج من عباده أن يسقوه. نقول: لماذا لم تكمل النص؟ في إكمال هذا النص بيان المعنى الحق، لأن هذا العبد الذي قال له رب العالمين جل وعلا يوم القيامة: «يا عبدي مرضت فلم تعدني»، ماذا قال هذا العبد لربه جل وعلا؟ قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ ولما قال الله جل وعلا له: «يا عبدي استطعمتك فلم تطعمني»، قال هذا العبد لربه جل وعلا: يا رب، كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ أي أن الله عز وجل لا يطعم، بل هو يطعم جل وعلا، وهو الذي يطعم ولا يطعم، كما قال سبحانه وتعالى. ولما قاله: «يا عبدي استسقيتك فلم تسقني»، قاله العبد: يا رب، كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ تبين المعنى الحق بعد هذا. ما معنى: «مرضت فلم تعدني»؟ ما معنى: «يا عبدي استطعمتك فلم تطعمني»؟ ما معنى: «يا عبدي استسقيتك فلم تسقني»؟ قال الله جل وعلا لعبده: «مرض عبدي فلان فلم تعده، فإنك لو عدته لوجدتني عنده. استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي. استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي». إذن تبين الآن المعنى، لما أخذنا بكامل النص تبين لنا معنى النص، تبين لنا عن معنى الحق، وأن المعنى الحق ليس كما ظن هؤلاء، وأن ظاهر هذا النص، نعم، أن الله يمرض أو يجوع أو يعطش، تعالى الله جل وعلا عن ذلك علواً كبيراً. إذن ما هو ظاهر هذا النص؟ ظاهر هذا النص ما دل عليه هذا النص بكامله، ما دل عليه هذا النص بكامله، وهو أن المراد أن عبداً من عباد الله مرض، نعم، ولم تعده، وعبداً من عباد الله استطعمك، أي طلب منك الطعام، فلم تطعمه، وعبد من عباد الله استسقاك، استسقاك فلم تسقه. وما الفائدة من ذلك؟ الفائدة من ذلك الترغيب والحث على التعاون على البر والتقوى، وأن يطعم العباد بعضهم بعضاً، وأن يتعاونوا فيما بينهم. لكن انظروا إلى من يأخذ هذا النص، نعم، بجزء منه، نعم، أو بشطر منه، ويترك أموراً عظيمة في النص تدل على المعنى الصحيح الذي ينبغي أن يفهم، وهو المتبادر من هذا النص. إذن نقول لهم: إن قولكم: المتبادر الظاهر من هذا النص، هذا باطل، الذي فهمتموه، ولكن نقول لكم: إن الظاهر المتبادر من هذا النص هو أن تفهموا النص بكامله، نعم، تقرأه كله، وتعطوا النص حقه، فتعلموا، لأن في النص قد يكون فيه استثناء، فعليكم أن تراعوه، وقد يكون في النص تفسير لكلام قد تقدم في هذا النص، أحياناً النص يأتي في بدايته، نعم، في آخره تفسير لما جاء في بدايته، بداية النص تفسيره في آخره، مثل هذا النص، تفسير هذا النص في آخره: «مرض عبدي فلان فلم تطعمه، استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه»، وهذا واضح بحمد الله جل وعلا. ولذلك السلف أجروا هذا النص على ظاهره، أجروا هذا النص على ظاهره، لكن قالوا: ظاهر هذا النص هو مدل عليه في آخر هذا الحديث، وآخر هذا النص، ليس ذلك الظاهر الذي زعمه هؤلاء الذين قالوا: السلف يعني لم... الذين السلف يقولون: أجروا النص على ظاهره، وأنتم تقولون كذلك، فيلزمكم هنا أن تجروا هذا النص على ظاهره. ظنوا أن الظاهر ما فهموه، وإنما الظاهر كما سمعتم ما جاء في آخر الحديث. فالسلف أولو العلم، وكثير إذا تأملت في النصوص التي تمسك بها أهل التعطيل، وزعموا أن السلف، وأنتم يا أهل السنة، ويا من تقولون أنكم أهل سنة، تجرون النصوص على ظاهرها، تمسكوا ببعض النصوص، وظنوا أن ظاهرها ما فهموه. وإذا تأملت في النص، وأعطيت النص حقه، وجدت أن النص، أن النص ليس هو ذلك الفهم الذي تبادر إلى أفهام هؤلاء، وإلى أذهان هؤلاء، وإنما المعنى المتبادر بغير ذلك، لأنهم يتركون أموراً في الحديث لا يأخذون بها، لا يأخذون بها، وتلك الأمور التي يتركونها في هذا النص، في هذا الحديث، فيها بيان المعنى، فيها بيان المعنى الصحيح لهذا النص، أو هناك من القرائن ما تدل على ذلك، التي تحتف بهذا النص، ولكن هم، لأنهم أهل هوى وأهل زيغ، يتبعون ما تشابه من النصوص، يأخذون ما أرادوا، ويتركون، يعني، أموراً في النص واجب أن ترعى وأن تفهم. فالنصوص يبين بعضها بعضاً، وهكذا ربما جاء في أولها تفسيره في آخرها. قال رحمه الله تعالى: ومثال آخر: قوله تعالى عن سفينة نوح: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾. قالوا: فظاهر الآية أن السفينة تجري في عين الله، وهذا معنى فاسد، فيكون غير مراد. فنقول: دعواكم أن ظاهر الآية أن السفينة تجري في عين الله سبحانه، مردودة من جهة التركيب اللفظي، ومن جهة المعنى أيضاً. أما التركيب اللفظي، فإن... طيب، إيش عندكم مكتوب في النسخة؟ فإنه... ماذا بعد ذلك؟ إذا... نعم، إذا نصوبوا من عنده هذه النسخة، يصوب، يصوب. ففي هذه النسخة مكتوب: «فإنه قال القائل»، فإنه قال القائل، وهذا ليس بصحيح، لا يستقيم الكلام، لكن في الطبع الأخرى هو الصحيح: «فإنه إذا». ففي هذه النسخة سقط في هذه النسخة سقط «إذا»، والصواب النسخة التي فيها «إذا»، فإنه إذا قال القائل، فزيدوا «إذا» بعد «فإنه»، من كانت عنده هذه النسخة يزيد «إذا» بعد «فإنه»، فإنه، فإنه، فإنه إذا قال القائل. فلان يسير بعيني، لم يفهم أحد من هذا التركيب أنه يسير داخل عينيه، ولو ادعى مدعٍ أن هذا ظاهر لفظه، لضحك منه السفهاء، لضحك منه السفهاء، فضلاً عن العقلاء. وإنما يفهم منه أن عينيه تصحبه بالنظر والرعاية، بأن الباء للمصاحبة، وليست للظرفية. وأما المعنى، فإن من المعلوم أن نوحاً عليه الصلاة والسلام كان في الأرض، وأنه صنع السفينة في الأرض، وجرت على الماء في الأرض، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾، وقال جل وعلا: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾. ولا يمكن لأحد يدعي أن ظاهر اللفظ أن السفينة تجري في عين الله عز وجل، أن ذلك ممتنع غاية الامتناع في حق الله تعالى، ولا يمكن لمن عرف الله وقدره حق قدره، وعلم أنه مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، ليس حالاً في شيء من مخلوقاته، ولا شيء من مخلوقاته حالاً فيه، أن يفهم من هذا اللفظ هذا المعنى الفاسد. وعلى هذا، فمعنى الآية الذي هو ظاهر اللفظ، أن السفينة تجري، والله تعالى يكلؤها بعينه. هذا مثال آخر احتج به أهل التعطيل، الذين سموا أنفسهم أهل تأويل، يقولون: أنتم تقولون: إجراء النصوص على ظاهرها، الواجب إجراء النصوص على ظاهرها، قالوا: تعالوا الآن، هذه آية في كتاب الله جل وعلا، يقول الله جل وعلا فيها: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، مادام أنتم تجرون، تجرون النصوص على ظاهرها، فقولوا: السفينة تجري في عين الله. سبحان الله، انظروا كيف زعموا أن هذا هو الظاهر، وهذا باطل، ليس هذا هو الظاهر، لا من جهة التركيب اللفظي، ولا من جهة المعنى. لأن ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، الباء هنا في الآية، هل هي للظرفية أم هي للمصاحبة؟ الجواب: الباء للمصاحبة، الباء للمصاحبة، وليست للظرفية، وليست للظرفية، وهذا في لغة العرب واضح، وهذا في لغة العرب واضح. والمعنى: السفينة تجري بمصاحبة عين الله جل وعلا لها، فعين الله جل وعلا مصاحبة لأهل هذه السفينة، بمعنى تكلؤها وتراقبها وتحفظها. وهذا أسلوب عربي، حتى العوام الآن، حتى العوام يفهمون هذه اللغة، لو قلت: يا فلان، يا فلان، انتبه لفلان، خلي فلان في عينك، مثلاً: يا فلان، خلي فلان في عينك، قال: ما يهمك، ما هي في عين واحدة، في التثنية، ها والله، خليه في التثنية، ها، يعني: هل يفهم في التثنية يعني يطرحها داخل في عينه؟ لا، يعني: يحفظه، نعم، منتبه له، وراقبه، ورعاه. هذا حتى العوام، ما حد يقول: وكيف الآن تقول: تجري في عيننا؟ تريد أن السفينة تجري في عين الله؟ الباء للمصاحبة، هذا من حيث المعنى فيه، أو من حيث الباء، نعم، فهي للمصاحبة، وهذا أسلوب عربي، كما يقال: شخص مثلاً، فلان تخرج على عيني، فلان تخرج على عيني، تخرج دكتور، تخرج مهندس، على عيني، كيف معنى: تخرج مهندس على عينه؟ خرج من عينه مهندس، ولا خرج من عينه طبيب؟ لا، تخرج فلان على عيني، يعني: أنا راقبته في دراسته، حين يدرس الطب من سنة، لا، سنة، وفي الهندسة هو على عيني، يعني: مراقبته، فكان تخرجه دكتوراً، وكان تخرجه مهندساً، برعاية مني وحفظ. هذا أسلوب عربي، وهذا يحتاج مزيد تفصيل أيضاً، إن شاء الله سنوضحه أيضاً في درسنا اللاحق، إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. شكراً، شكراً، شكراً، شكراً.