التعليق على تقريب التدمرية 10

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 10، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

منهج الإثبات المفصل والنفي المجمل في الأسماء والصفات

يشرح الدرس كيف ورد في القرآن إثبات مفصل لأسماء الله وصفاته مقابل نفي مجمل للتشبيه بقوله: ليس كمثله شيء. ويبين أن الاسم الواحد قد يتضمن صفات متعددة كما في اسم الصمد.

الاشتراك في الأسماء والصفات بين الخالق والمخلوق لا يستلزم التماثل

يقرر المحاضر أن الاشتراك اللفظي والمعنى الكلي بين صفات الخالق والمخلوق كسمع وبصر لا يقتضي تماثل الحقيقة، لأن كل صفة تليق بموصوفها. ويستدل بقصة المرأة المجادلة وقدرة الله على سماع دبيب النملة لتوضيح تفاوت الكيفيات.

ختام الجلسة وتأجيل استكمال الفصل

يعلن المحاضر انتهاء الدرس الحالي مع تأكيد استكمال ما تبقى من الفصل في جلسة لاحقة. ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فكان آخر الكلام عند ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أمثلة في التفصيل في الإثبات، وذكر رحمه الله تعالى الآيات من سورة الحشر، والتي فيها ذكر عدد من أسماء الله جل وعلا وصفاته التي تتضمنها تلك الأسماء. ومن هذه الأسماء ما يدل على صفة أو صفتين أو أكثر؛ لأن أسماء الله جل وعلا منها ما يدل على عدة صفات. وذكرنا بعض هذه الأسماء الدالة على عدة صفات. قد قلنا إن ابن القيم رحمه الله تعالى أشار إلى هذا في كتابه "بدائع الفوائد"، ومثال ذلك باسم الله الصمد، بسم الله الصمد، وأنه دال على عدة صفات، ونقل ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عند ابن أبي حاتم في تفسيره، أن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما فسر اسم الله جل وعلا الصمد بأنه: الذي كمل في سؤدده، والذي كمل وهو الشريف، الذي السيد الذي كمل في سؤدده، والشريف الذي كمل في شرفه، والحميد أو الغني الذي كمل في غناه، والحكيم الذي كمل في حكمته، وهكذا العظيم والحليم الذي كمل في حلمه، إلى آخر ذلك. وهذا، وإن كان فيه ضعف - ضعف السند إلى ابن عباس - إلا أن هذا هو التفسير الوارد عن السلف في اسم الله الصمد؛ فسروه بهذا التفسير: الشريف الذي كمل في شرفه، السيد الذي كمل في سؤدده، الحليم الذي كمل في حلمه، الحكيم الذي كمل في حكمته، إلى آخر ذلك. فهذا يدل على أن هذا الاسم قد تضمن عدة صفات، وأيضا تضمن تلك الأسماء التي هي: الحكيم، والحليم، والعظيم، والمجيد، إلى آخر ذلك. فما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى هنا يدل على أن الإثبات في التفسير هو الوارد في الكتاب والسنة، يعني: أكثر من النفي المفصل؛ لأن النفي إنما الغالب فيه الإجمال، فثابت الإثبات في التفصيل الغالب، وهكذا الإجمال في النفي. وذكر رحمه الله تعالى آيات أخرى من سورة الحج، وهي قوله جل وعلا: ﴿وَلَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: 59]، هذا في إثبات اسم الله العليم، صفة العلم، والحليم المتضمن لصفة الحلم. وهكذا قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحج: 65]، في إثبات اسم الله الرؤوف واسم الله الرحيم؛ الرؤوف تضمن صفة الرأفة، والرحيم تضمن صفة الرحمة. قال: فهذه سبع آيات متوالية، ختمت كل آية منها باسمين من أسماء الله عز وجل، وكل اسم منها متضمن لصفة أو صفتين أو أكثر. قال رحمه الله تعالى: وأما أمثلة الإجمال في النفي، فمنها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]. هذه النصوص فيها نفي مجمل، فيدل هذا على أن النصوص الثابتة في القرآن التي نفى الله جل وعلا عن نفسه فيها صفات النقص والعيب، الأصل فيها الإجمال، مفصل مجملا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فهذا إجمال لإثبات إجمال الكمالات أو مجمل الكمالات لله عز وجل. وهذا يوني - يعني: يُفهم - استفاد من النفي المجمل في كتاب الله جل وعلا إثبات مجمل الكمالات؛ فإذا نفيت النقائص إجمالا ثبتت الكمالات إجمالا لله جل وعلا. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فهذا نفي مجمل يضمن الكمالات الكثيرة، والإجمال في إثبات الكمالات؛ لأن النفي يضمن إثبات الضد كما تقدم. فالنفي المفصل يتضمن إثبات كمال الضد لله جل وعلا، وهكذا النفي المجمل، وهكذا النفي المجمل يضمن إثبات كمال الضد، وهو إثبات الكمالات لله جل وعلا مجملا، إثبات الكمالات لله جل وعلا مجملا. قال رحمه الله تعالى: فصل. واعلم أن الاشتراك في الأسماء والصفات لا يستلزم تماثل المسميات والمنصوفات، كما دل على ذلك السمع والعقل والحس. أما السمع: فقد قال الله تعالى عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعَمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58]، وقال عن الإنسان: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: 2]، ونفى أن يكون السميع كالسميع والبصير كالبصير، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. وأثبت لنفسه علما وللإنسان علما، فقال عن نفسه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ [المجادلة: 27]، وقال عن الإنسان: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10]. قال: وليس علم الإنسان كعلم الله تعالى، فقد قال الله عن علمه: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: 98]، وقال: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [يونس: 61]، وقال عن علم الإنسان: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]. قال: وأما العقل: فمن المعلوم بالعقل أن المعاني والأوصاف تتقيد وتتميز بحسب ما تضاف إليه، فكما أن الأشياء مختلفة في ذواتها، فإنها كذلك مختلفة في صفاتها، وفي المعاني المضافة إليها؛ فإن صفة كل موصوف تناسبه، لا يفهم منها ما يقصر عن موصوفها أو يتجاوزه. ولهذا نصف الإنسان باللين، والحديد المنصهر باللين، ونعلم أن اللين متفاوت المعنى بحسب ما أضيف إليه. قال: وأما الحس: فإن نشاهد للفيل جسما وقدما وقوة، وللبعوضة جسما وقدما وقوة، ونعلم الفرق بين جسميهما وقدميهما وقوتيهما. فإذا علم أن الاشتراك في الاسم والصفة في المخلوقات لا يستلزم التماثل في الحقيقة، مع كون كل منها مخلوقا ممكنا، فانتفاء التلازم في ذلك بين الخالق والمخلوق أولى وأجلى. بل التماثل في ذلك بين الخالق والمخلوق ممتنع غاية الامتناع. هذا الفصل ذكر فيه رحمه الله تعالى أن الاشتراك في الأسماء والصفات لا يلزم منه تماثل المسميات والموصوفات. وقبل الكلام في هذا الفصل، يجب أن يعلم وينتبه لأمر في هذا الباب، وهو أن الاشتراك في اللفظ والمعنى لا يلزم منه تماثل المسميات والموصوفات. لماذا؟ لأن المسميات والموصوفات تخصص وتضاف. أهل الكلام يقولون: المطلق الكلي، المطلق الكلي، وهو ما يقوم بالذهن، ما يقوم بالذهن، ولا وجود له في الواقع إلا بعد الإضافة، ولا وجود له في الواقع إلا بعد الإضافة. فتشترك هذه الأسماء وهذه الألفاظ في المعنى الكل الذهني، تشترك في المعنى الكل الذهني الذي يوجد في الذهن، ولكن في الواقع إذا وجدت فإنها تخصص. مثال: عندنا السميع أو صفة السمع، سمع وسمع، وبصر وبصر. الآن سمع وسمع: اشتراك في اللفظ "سمع"، اشتراك في اللفظ، واشتراك في المعنى، اشتراك في اللفظ واشتراك في المعنى. في أي معنى؟ تشترك في المعنى الكل الذهني. كيف في المعنى الكل الذهني؟ يعني في أذهاننا، في أذهاننا؛ لأنه لا يوجد في الواقع سمع منفصل، ولا يوجد في الواقع بصر منفصل من غير إضافة إلى موصوفه. لكن يمكن أن يوجد في الذهن، ويعبر عنه أهل الكلام بالمطلق الكلي، المطلق الكلي، ويعنون به المعنى الكلي الذهني الذي يقوم بالذهن. فالذهن يعقل هذا، الذهن يعقل هذا: سمع، سمع، يقول: هنا فيه اشتراك، اشتراك في اللفظ، واشتراك في المعنى. بصر، بصر: اشتراك في اللفظ وفي المعنى. اللفظ معروف: السين والميم والعين، والمعنى: معنى السمع معروف، هو ما يسمع به. سمع: يعني ما يسمع به. بصر: أي ما يبصر به. إذن هذه اشتركت الألفاظ، اشتركت هذه الألفاظ وهذه الصفات في اللفظ والمعنى. لكن هل لها وجود في الواقع؟ هل لها وجود في الواقع؟ لا، لا يوجد شيء في الواقع سمع منفصل وبصر منفصل، وإنما إذا وجد في الواقع وجد مضافا، وجد مضافا. فإذا وجد في الواقع اختلفت الكيفيات، اختلفت الكيفيات. الآن كما ذكرنا: سمع، سمع، بصر، بصر. لكن إذا قلنا: سمع زيد، الآن وجد في الواقع سمع زيد، حصلت، حصل تخصيص، حصلت إضافة، أضيف السمع إلى زيد، إلى المخلوق، فصارت له كيفية تليق بهذا الموصوف، وهو زيد. سمع حيوان: صارت له كيفية تختلف عن سمع زيد. وإذا قيل: سمع الله، سمع الله، إذن صارت صار لذلك كيفية تليق بالله جل وعلا. فالاشتراك في الألفاظ والأسماء إنما هو اشتراك في المعنى الكل الذهني الذي يكون في ذهن الإنسان قبل أن يوجد في الواقع ويخصص ويضاف إلى الموصوف بذلك الاسم وبتلك الصفة. فإذا وجد في الواقع وأضيف وخصص، اختلفت الكيفيات، اختلفت الكيفيات. صار سمع زيد يليق به، وسمع الفيل يليق به، سمع الديك يليق به، سمع الضفدع يليق به، والذبابة والبعوضة، إلى آخره. سمع الله يليق به جل وعلا، لا تعلم كيفيته. علمنا كيفية سمع الإنسان لأنه معلوم مشاهد، وعلمنا كيف يسمع الحيوان، لكن لم نعلم كيفية سمع الله جل وعلا. لذلك نثبت معنى السمع لله جل وعلا، وأنه متصف بصفة السمع، بصفة البصر، وبغيرها من الصفات الواردة في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ونقول: على ما يليق بالله جل وعلا، على ما يليق بالله جل وعلا. فإذا هذا مهم، هذا ينتبه له في هذا الباب: الاشتراك في الأسماء إنما يكون قبل التخصيص والإضافة، وهو ما يكون في الذهن. الاشتراك في اللفظ والمعنى معلوم في الذهن، ومعروف من لفظة "سمع"، ومن معنى معنى السمع والبصر، هذا معلوم. ثم بعد ذلك يثبت هذا، يثبت اللفظ ويثبت المعنى، يثبت اللفظ ويثبت المعنى إذا أضيف إلى موصوبه، على ما يليق به. فإذا أضيف إلى المخلوق نقول: يليق بالمخلوق، وإذا أضيف إلى الخالق يقال: على ما يليق بالخالق جل وعلا. وذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل أدلة تدل على هذا، أدلة تدل على هذا: دلالة الشرع، ودلالة العقل، ودلالة الحس. فالشرع يدل على هذا، على أن الاشتراك في الأسماء والألفاظ لا يلزم منه تماثل المسميات والموصوفات، والعقل كذلك يدل على هذا، والحس يدل على هذا. ذكر نصوصا من كتاب الله جل وعلا بدلالة السمع تدل على هذا، وهو أن الله سبحانه وتعالى سمى نفسه سميعا، وسمى نفسها بصيرا، وسمى كذلك الإنسان سميعا وبصيرا، ومع هذا لا يلزم تماثل المسميات والموصوفات؛ لأن سمع الله جل وعلا وبصر الله جل وعلا يليق به وهو الخالق، وسمع المخلوق وبصر المخلوق يليق به لأنه مخلوق ضعيف. فلم، فلم يلزم من ذلك التماثل، بدليل قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. إذن هو السميع البصير، هو السميع البصير، لكن ليس كمثله شيء. إذن إذا سمى المخلوق سميعا بصيرا، ليس معنى ذلك أن المخلوق صار مثيلا للخالق جل وعلا، لأن سمع الله ليس كسمع المخلوق، سمع الخالق ليس كسمع المخلوق، وبصر الخالق ليس كبصر المخلوق. سمع الخالق وسع كل شيء، وسع سمعه الأصوات. هل سمع المخلوق هكذا؟ هل أنت الآن تسمع كل الأصوات؟ ما نريد أصوات الحيوانات، ولا نريد أصوات الأسماك في البحار، نريد فقط أن تسمع أصوات الذين هم خارج المسجد. ربما الآن خارج المسجد بعض الناس يتكلمون، ثلاثة أو أربعة، هل تسمعهم؟ ما تسمعهم، فضلا عن أن تسمع من يتحدث في السوق أو في البيوت، أو الحيوانات في غاباتها، أو الطيور في جوها، أو الأسماك في بحارها. فإذا سمع الله، سمع الخالق ليس كسمع المخلوق، لأن سمع الخالق وسع كل شيء، وسع سمعه الأصوات. ورضي الله تعالى عن عائشة أم المؤمنين، لما جاءت تلك المرأة التي تجادل عن زوجها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت مع النبي عليه الصلاة والسلام في حجرة، وعائشة في الحجرة المجاورة، عائشة في الحجرة المجاورة تلك الحجرة. فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "سبحان من وسع سمعه الأصوات". هذه المرأة التي جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام تشتكي إلى الله جل وعلا، قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها، والله يسمع تحاوركما، هذا التحاور بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين المجادلة، سمعه الله جل وعلا، وعائشة تقول: "وأنا في الحجرة المجاورة ولم أسمع شيئا"، لم تسمع شيئا. فسمع الله جل وعلا ليس كسمع المخلوق، سمع المخلوق قاصر وضعيف، ما يسمع إلا ما كان قريبا منه. وأيضا كذلك البصر: بصر الله جل وعلا وهو الخالق ليس كبصر المخلوق. بصر المخلوق ضعيف، إنما يرى ما هو أمامه. لو قلنا: ننظر الآن، هل ترى يعني البحر من هذا الموضع أو من مسافة بعيدة؟ يقول: لا أرى. هل ترى على بعد كيلو متر أو ميلين؟ يقول: لا، ينقطع بصره ونظره، ينقطع إلى حد ما، لا يتجاوزه. لكن بصر الخالق عظيم، وبصر الخالق جل وعلا ليس كمثله شيء، فهو سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء، لا يخفى عليه شيء في السماء ولا في الأرض، يبصر كل شيء سبحانه وتعالى. وكما قال القائل: يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الملساء في الليلة الظلماء. دبيب نملة على صخرة ملساء في ليلة ظلماء، فالله سبحانه وتعالى يرى ذلك، وأيضا يسمع ذلك الدبيب، لكماله جل وعلا في سمعه وبصره سبحانه وتعالى. وهكذا جل وعلا يرى الطعام الذي يجري في عروق الحيوات الضعيفة، يرى الطعام الذي يجري في عروق الذر والبعوض، يرى ذلك جل وعلا، لا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى. ولذلك قال القائل: يا من يرى عروق... يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليلي ويرى نياط عروقها في مخها والمخة في تلك العظام النحلي في تلك العظام النحلي أمن عليها بتوبة ما كان مني في الزمان الأولي معنى هذا أن الله سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور سبحانه وتعالى، ويرى جل وعلا ذلك سبحانه وتعالى، لا يخفى عليه شيء. فهل بصر المخلوق كبصر الخالق؟ سبحان الله، تعالى الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا. وهكذا بقية الصفات، وهكذا بقية الصفات: من صفات الذات، الوجه، صفة اليدين، وغيرها من الصفات، تليق بالله جل وعلا، ليس كصفات المخلوق. وجه الخالق ليس كوجه المخلوق. وجه المخلوق يليق به، وهو هذا الوجه المعروف الذي نعرفه. لكن وجه الخالق: الله أعلم، المعنى معلوم من الوجه وما يواجه به، لكن الكيفية غير معلومة. الإنسان يغضب، الإنسان يغضب إذا قيل له: وجهك كوجه الحمار، أو وجهك كوجه الكلب، يغضب. ألا ما يغضب؟ يغضب. لماذا يغضب؟ فنقول: كل وجه، لماذا تغضب إذا كنا لفلان وجه؟ فهل يفهم الإنسان من هذا أن وجه فلان كوجه الكلب أو كوجه الحمار؟ أبدا، بل إذا قيل له ذلك يغضب. إذن كيف تريد يا عبد الله أن يكون وجهك كوجه الله؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وهكذا قال المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الآيات: أن الله جل وعلا سمى نفسه عليما، وسمى المخلوق كذلك بهذا الاسم، ووصفه بهذا العلم، ولا يلزم من ذلك التماثل. الصحابة كان إذا سألهم النبي عليه الصلاة والسلام في أمور شرعية لا يعلمونها، قالوا: الله ورسوله أعلم، الله ورسوله أعلم. إذن قولهم: معنى "الله أعلم ورسوله أعلم"، هل أنكر عليهم النبي عليه الصلاة والسلام قولهم هذا؟ قولهم لا، لا تقولوا: الله أعلم ورسول أعلم، لا، يقرهم على ذلك. لماذا؟ لأن الله أعلم، ويثبت له العلم على ما يليق به جل وعلا، علم كامل من كل وجه، علم بما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. وأما علم الرسول عليه الصلاة والسلام، فبما أطلعه الله سبحانه وتعالى، بما أطلعه الله سبحانه وتعالى. أيضا في القرآن: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: 8]، إذن لله عزة، هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، فيها إثبات العزة لله، وفيها إثبات العزة للرسول، وفيها إثبات العزة للمؤمنين. هل عزة الله كعزة المؤمنين؟ لا، عزة الله تليق به جل وعلا وبكماله سبحانه وتعالى، وعزة المخلوق تليق به. إذن الاشتراك، الاشتراك في الأسماء والألفاظ لا يستلزم منه التماثل في المسميات والموصوفات، وإنما يكون ذلك الاشتراك في المطلق الكلي الذي يعبر عنه أهل الكلام، والمراد به المعنى الكل الذهني الذي يقوم بالذهن، لكنه إذا وجد في الواقع وخصص وأضيف، صار على ما يليق به ذلك الموصوف الذي أضيف إليه هذا الوصف. وإن شاء الله نكمل ما تبقى في هذا الفصل في درس لاحق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.