التعليق على تقريب التدمرية 58

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 58، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

الفرق بين التأويل الصحيح والباطل في نصوص الصفات

يبيّن المقطع أن التأويل محمود إذا قام عليه دليل شرعي من الكتاب والسنة فيكون بمعنى التفسير، أما صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل كما فعلت الأشاعرة والمعتزلة والروافض في صفات الله فهو تأويل باطل مذموم وتحريف للكلم عن مواضعه. ويشبه هذا التحريف صنيع اليهود في تعطيل المعاني وإبطال الحقائق الثابتة بالنصوص الشرعية.

نماذج من التأويلات الباطلة للفرق الضالة وبدء ذكر محكم القرآن ومتشابهه

يسرد المؤلف نماذج من التأويلات الفاسدة التي ابتدعتها فرق الروافض والباطنية والمتصوفة الغلاة في نصوص القرآن كشجرة الملعونة وآيات العبادات، محذراً من أنها تؤدي إلى الكفر والزندقة. ثم ينتقل إلى ذكر ما وصف الله به القرآن من كونه محكما ومتشابها، مبيناً معاني الإحكام والتشابه الواردة في الكتاب العزيز.

تفصيل معنى وصف القرآن بالإحكام والتشابه

يشرح المقطع أن وصف القرآن بالإحكام يعني إتقان ألفاظه ومعانيه وبلاغته وعدله وصدقه، مما أعجز البلغاء عن معارضته. كما يبين أن وصفه بالمتشابه يعني تشابه سوره كلها في الكمال والإتقان والائتلاف دون تناقض في الأحكام أو تكذيب في الأخبار.

اتفاق سور القرآن في الإحكام والبلاغة مع تنوع موضوعاتها

تتميز سور البقرة وآل عمران والنساء بتناول كل منها موضوعات مختلفة، إلا أنها تتفق جميعها في الإحكام والإتقان والبلاغة والفصاحة والعدل والرشاد. ويشير المقطع إلى أن تفصيل ذلك سيأتي في الدرس القادم لاستكمال البيان.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المصنف رحمه الله تعالى: "وإن لم يدل عليه دليل صحيح كان باطلاً مذموماً، وجديراً بأن يسمى تحريفاً لا تأويلاً. مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فإن ظاهره أن الله تعالى على العرش علواً خاصاً يليق بالله عز وجل، وهذا هو المراد. فتأويله إلى أن معناه استولى وملك، تأويل باطل مذموم، وتحريف للكلم عن مواضعه؛ لأنه ليس عليه دليل صحيح". ذكر المصنف رحمه الله تعالى بعد أن بيّن أن التأويل قد يكون محموداً وقد يكون مذموماً: فإذا دل الدليل على صحة ذلك التأويل فهو محمود؛ لأنه يكون بمعنى التفسير، كما سبق ذكره في قوله عز وجل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، يعني أن أمر الله جل وعلا سيأتي، لكن عبر بصيغة الماضي: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾، لأدلالة على الوقوع والتحقيق، كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "عبر بصيغة الماضي الدال على التحقيق والوقوع"، أي أن هذا الأمر متحقق الوقوع، ليس المراد أنه واقع وقد حصل وتحقق، ولذلك قال جل وعلا: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. وكذلك في قوله جل وعلا: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، أول هذا اللفظ إلى: إذا أردت القراءة، إذا أردت أن تقرأ. ودليل هذا التأويل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا أراد أن يقرأ استعاذ بالله من الشيطان الرجيم. فلما دلت هذه الأدلة على صحة هذا التأويل كان ذلك التأويل محموداً، وهو بمعنى التفسير. لكن تأويل الأشاعرة، وتأويل المعتزلة، وتأويل غيرهم من أهل البدع، تأويل باطل، تأويل مذموم، في صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل. يصرفون اللفظ عن ظاهره بغير دليل، فهذا تحريف، وهذا تعطيل. مثل ما يقول الأشاعرة في قوله جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، أي: استولى. ظاهر اللفظ: استوى. ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، هذا ظاهر اللفظ. أولوا "استوى" إلى "استولى"، أين الدليل؟ ما في دليل. إذن هذا تحريف لقول الله جل وعلا بغير علم، وهو تحريف وهو تعطيل: تحريف للفظ، وتعطيل للمعنى. اللفظ: استوى، قالوا: استولى. والمعنى: علو واستقرار، وهم جعلوه: استولى، ملك. فهذا تأويل باطل؛ لأنه صرف للفظ عن ظاهره بغير دليل. وكذلك في بقية الصفات التي أولوها: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، ظاهر اللفظ إثبات اليدين، ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، هذا ظاهر اللفظ. هم قالوا: ما لا، قالوا المراد به: اليد النعمة، أو القدرة. صرفوا اللفظ، صرفوا اللفظ عن ظاهره. ظاهر اللفظ: يدان. فهم قالوا: نعمة، وقالوا: قدرة. طيب، أين الدليل على هذا؟ أين الدليل الذي لأجله صرفوا هذا اللفظ عن ظاهره إلى ذلك التأويل؟ لا دليل. فإذا هو قول عن الله جل وعلا بغير دليل وبغير علم، فإذا هو تحريف، كتحريف اليهود - والعياذ بالله - الذين قالوا عن الله جل وعلا بغير علم، حين أمروا أن يقولوا: حطة، قالوا: حنطة. وهؤلاء قالوا: استوى، قالوا: استولى. فهو تحريف، وهو تعطيل. وكذلك في بقية الصفات. ويبقى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، هذا ظاهر اللفظ، ظاهر اللفظ إثبات وجه لله جل وعلا يليق بجلاله، موصوف بالجلال والإكرام. ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، هذا ظاهر اللفظ. صرفوا هذا اللفظ عن ظاهره، صرفوا هذا اللفظ عن ظاهره، قالوا: المراد الثواب، أو إرادة الثواب. الأشاعرة يقولون: إرادة الثواب، والمعتزلة يقولون: الثواب، بغير دليل. وهذا تحريف. وكذلك قل في الغضب: قالوا إرادة الانتقام، وفي الرضا: قالوا إرادة الإنعام أو الإحسان. وهكذا كل هذه تأويلات باطلة، صرفوا الألفاظ عن ظاهرها إلى معانٍ أخرى لا دليل عليها. ففرق بين التأويل الذي دل عليه الدليل من الكتاب والسنة، وبين التأويل الذي لا دليل عليه، الذي لا دليل عليه، وإنما دليلهم عقولهم، دليلهم عقولهم واستحساناتهم، وهذا كله من الابتداع في دين الله جل وعلا. وكذلك تأويلات الرافضة: الرافضة صرفوا ظاهر النصوص إلى معانٍ باطلة. الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، قالوا: المراد بالبقرة عائشة. أين الدليل على أن المراد بالبقرة عائشة؟ هل عندكم آية في كتاب الله فيها أن المراد بالبقرة عائشة؟ هل هناك حديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: البقرة هي عائشة؟ هذا أبداً، ما هو دليلهم؟ لا دليل لهم. دليلهم بغضهم، ودليلهم حماقتهم على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، هذا هو الدليل الذي عندهم. نعم، فهذا تأويل وهو لا دليل عليه، بل الأدلة بخلافه، الأدلة بخلافه. الأدلة في الترضي عن عائشة، الأدلة في بيان فضلها. وكذلك في قوله جل وعلا: ﴿الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾، الشجرة الملعونة في القرآن، قالوا: الشجرة الملعونة في القرآن هم بنو أمية. المراد بالشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية. هذا تأويل هذه الآية عندهم. طيب، ما هو دليل هذا التأويل؟ ما هي الآية التي استفدتم منها أن المراد بالشجرة الملعونة في القرآن هم بنو أمية؟ أين الحديث الذي استفدتم منه أن المراد بالشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية؟ لا آية ولا حديث، لا موضوع ولا مكذوب. إذن الدليل كما تقدم: الحقد، والبغض، والكراهية، والغلو في آل البيت، إلى آخر ذلك. وكذلك تأويلات الباطنية: الروافض لهم تأويلات كثيرة، يؤمنون بالجبت والطاغوت، قالوا: أبو بكر وعمر. وهكذا تأويلات باطلة تخالف الأدلة الواضحة الصريحة في الكتاب والسنة في بيان فضل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾، قال جل وعلا: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾، قال الروافضة: أئمة الكفر هم طلحة والزبير. أئمة الكفر: طلحة والزبير. هذا تأويل هذه الآية عندهم. فهذا كله من التأويلات الباطلة. وكذلك تأويلات الباطنية: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، الصلاة عند الباطنية هي معرفة أسرارهم. هذا تفسير الصلاة في كتاب الله جل وعلا. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ معناه: معرفة أسرارهم. وهكذا الصيام: تأويل الصيام عند الباطنية كتمان أسرارهم، كتمان أسرارهم، هذا تأويل الصيام عند الباطنية. الحج: تأويل الحج وتفسير الحج عند الباطنية السفر إلى شيوخهم، مع السفر إلى بيت الله الحرام لا، السفر إلى شيوخهم. وهذا كله تأويل، تأويل مذموم باطل. وكذلك يدخل في هذا تأويلات المتصوفة الذين لهم نصيب من هذا القول. فهناك من المتصوفة باطنية، من أهل التصوف باطنية، ممن يفسرون نصوص القرآن بمعاني باطلة، بمعاني باطلة. ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، ما المراد باليقين؟ المراد به: الموت. لكن هل هذا هو المعنى عند غلات المتصوفة؟ لا. ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ يعني: يصل إلى مرحلة تسقط عنه فيها التكاليف. خلاص، لا يصلي، ولا يصوم، ولا يفعل شيئاً من العبادات. يقول: له ما لفلان، ما لفلان لا يصلي، قالوا: بلغ مرتبة اليقين. طيب، بلغ مرتبة اليقين إلا إيش؟ يعني صار رب العالمين، ولا ماذا؟ صار يأمر الناس بالعبادة، هو ما عليه عبادة، خلاص سقطت عنه التكاليف. سبحان الله! فكل ذلك من التأويلات الباطلة المخالفة لكتاب الله، لسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولما كان عليه السلف الصالح. بل هي تأويلات تصل بأصحابها إلى الكفر، تصل بأصحابها إلى الكفر وإلى الزندقة، والعياذ بالله، والخروج من دين الإسلام. قال رحمه الله تعالى: "فصل: اعلم أن الله تعالى وصف القرآن بأنه محكم، وبأنه متشابه، وبأن بعضه محكم وبعضه متشابه. فالأول: كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾، والثاني: كقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾، والثالث: كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. فالإحكام الذي وصف به جميع القرآن هو الإتقان والجودة في اللفظ والمعنى. فألفاظ القرآن كله في أكمل البيان والفصاحة والبلاغة، ومعانيه أكمل المعاني وأجلها وأنفعها للخلق، حيث تضمن كمال الصدق في الأخبار، وكمال الرشد والعدل في الأحكام، كما قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾. والتشابه الذي وصف به جميع القرآن هو تشابه القرآن في الكمال والإتقان والائتلاف، فلا يناقض بعضه بعضاً في الأحكام، ولا يكذب بعضه بعضاً في الأخبار، كما قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. والإحكام الذي وصف به بعض القرآن هو الوضوح والظهور، بحيث يكون معناه واضحاً بيناً لا يشتبه على أحد، وهذا كثير في الأخبار والأحكام. مثاله في الأخبار: قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، فكل أحد يعرف شهر رمضان، وكل أحد يعرف القرآن. ومثاله في الأحكام: قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، فكل أحد يعرف والديه، وكل أحد يعرف الإحسان. وأما التشابه الذي وصف به بعض القرآن فهو الاشتباه، أي خفاء المعنى، بحيث يشتبه على بعض الناس دون غيرهم، فيعلمه الراسخون في العلم دون غيرهم". ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل ما وصف به كتاب الله جل وعلا القرآن. فالقرآن وصف بأوصاف، ومما وصف به القرآن: أن الله جل وعلا وصف القرآن بأنه محكم، والله جل وعلا وصف القرآن أيضاً بأنه متشابه، والله جل وعلا أيضاً وصف القرآن بأن بعضه محكم وبعضه متشابه. فهذا أمر لا بد على المسلم أن يعلمه، حتى يعلم ما معنى الوصف الذي وصف به القرآن بالإحكام، وما معنى كون القرآن وصف بأنه متشابه، وما معنى وصف القرآن: وصف بعض القرآن بالإحكام، وصف بعض القرآن بالمتشابه. فأراد رحمه الله تعالى أن يبين في هذا الفصل هذا الأمر، ثم أعقب هذا الفصل بفصل آخر ببيان موقف المسلم، موقف المسلم من هذه الأوصاف، لأن طوائف من أهل الضلال ضلوا حينما جهلوا هذا الأمر، حين جهلوا معنى وصف القرآن بالإحكام، ووصف القرآن بالتشابه، وصف القرآن بأن بعضه محكم وبعضه متشابه. فوصف القرآن بالإحكام هنا، قال: قال: "فالأول"، أي: وصف القرآن بالإحكام، وبأنه محكم. قال: كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾، وهكذا أيضاً في قوله جل وعلا: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾، فالقرآن أحكم الله جل وعلا، أحكمه الله جل وعلا سبحانه وتعالى. ما معنى أن الله جل وعلا أحكم القرآن وجعل القرآن محكماً؟ قال رحمه الله: "فالإحكام الذي وصف به جميع القرآن هو الإتقان". فمعنى القرآن محكم: أي أنه متقن، وأنه ذو جودة، وأنه كذلك يعني: جودة في اللفظ والمعنى. فألفاظ القرآن كلها فيها من الإتقان والبيان والفصاحة والبلاغة، لا يوجد في كلام غير كلام الله، ولا يوجد هذا في كتاب غير كتاب الله. ولذلك عجز أهل البلاغة وأهل الفصاحة من كفار قريش أن يأتوا بآية واحدة فيها هذا الإحكام. ما استطاعوا أن يأتوا بآية محكمة واحدة. لماذا؟ لأنه لم يوصف كلام بالإحكام إلا كلامه جل وعلا، فهو محكم، متقن في غاية الإتقان والجودة في ألفاظه ومعانيه وبلاغته وفصاحته، أعجز هؤلاء أهل البلاغة وأهل الفصاحة. فهذا معنى كون القرآن محكماً. وكذلك هو محكم في معانيه، ففيه من المعاني الكمال، كمال المعنى، كمال المعنى، وأجل المعاني. وما في هذا القرآن من المنافع للخلق، ومن الإحكام أنه صدق؛ لأنه كلام رب العالمين جل وعلا، ومن أصدق من الله قيل. وهكذا هو فيه من الرشاد: من أخذ به وعمل به اهتدى ورشد. وفي هذا القرآن من الأحكام التي بها العدل العظيم الذي لا يمكن يكون في كلام أحد من البشر، لأن هذا مما وصف به كلام رب العالمين جل وعلا، وليس كلام أحد ككلام الله، لأن الله جل وعلا واحد جل وعلا ومتفرد بأسمائه وصفاته، ومن صفاته جل وعلا صفة الكلام. فلذلك لا يوجد كلام محكم بلغ في الإحكام مثل كلام الله جل وعلا، فهو كلام متقن، وكلام بلغ في كمال معانيه وبلاغته وعدله في الأحكام وصدقه في الأخبار. ولذلك قال جل وعلا: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾: صدقاً في الأخبار، في الأمر والنهي، وعدلاً في الأحكام. فالصدق في الأخبار والعدل في الأحكام، فهذا معنى أن القرآن محكم. ووصف ربنا جل وعلا القرآن بأنه متشابه. قال: "والثاني"، أي: وصف القرآن بالمتشابه. فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾. قال رحمه الله: "والتشابه الذي وصف به جميع القرآن هو تشابه القرآن في الكمال والإتقان والائتلاف، فلا يناقض بعضه بعضاً في الأحكام، ولا يكذب بعضه بعضاً في الأخبار، كما قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾". وصف القرآن بأنه متشابه: أي يشبه بعضه بعضاً، يشبه بعضه بعضاً. سورة الفاتحة سورة محكمة، فيها من الإحكام والبلاغة والفصاحة والبيان والعدل والرشاد والصدق وغير ذلك من هذه الأوصاف. كذلك أيضاً سورة الناس، آخر سورة في القرآن، كذلك هي موصوفة بهذه الأوصاف. فكل القرآن يشبه بعضه بعضاً، يعني: ليست سورة الفاتحة وسورة البقرة توصف بهذه الأوصاف، وهناك سور ليس فيها هذه الأوصاف. لا، كل القرآن من أوله إلى آخره موصوف بهذه الأوصاف. فتشترك جميع سور القرآن في هذا الإحكام، لأن القرآن كله محكم، القرآن كله محكم من أوله إلى آخره. فإذن هو متشابه. سورة الفاتحة تشبه سورة الناس فيما لا، في إحكامها، وفيما لا، وفي عدلها، وفي بلاغتها، وفي فصاحتها، وإن كانت تختلف عنها فيما يتعلق بأمور: سورة الفاتحة فيها ذكر توحيد الإلهية، توحيد الربوبية، توحيد الأسماء والصفات، وبيان الصراط المستقيم والأمر بسلوكه واجتناب صراط المغضوب عليهم والضالين. وسورة الناس تتحدث عن أمر آخر، فيها ذكر توحيد الربوبية، وفيها كذلك بيان الملك لله جل وعلا. وهكذا إذا نظرنا في سورة البقرة، سورة آل عمران، سورة النساء، يعني: سورة تتحدث عن أمور لا تتحدث عنها السورة الأخرى، لكن الجميع يشترك في الإحكام، وفي الإتقان، وفي الجودة، وفي البلاغة، وفي الفصاحة، وفي العدل، وفي الرشاد، إلى آخر ذلك. وسيجيء إن شاء الله شرح ما جاء في هذا الفصل في درسنا اللاحق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. شكراً للمشاهدة.