الدرس في مباحث في الأخلاق 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُبرز أهمية الأخلاق والآداب في الإسلام ويشير إلى اهتمام السلف الصالح بتربية أنفسهم وأبنائهم عليها. يُستشهد بأقوال العلماء في تأكيد أهمية الأخلاق.
يؤكد على أهمية تعلم الآداب والأخلاق إلى جانب العلم، مستشهدًا بتوصيات السلف الصالح. يُظهر أن العلم بدون أدب لا ينفع.
يؤكد على أهمية الأدب في طلب العلم، ويشير إلى أن قلة الأدب تؤدي إلى ضياع العلم. كما يشدد على ضرورة التحلي بالأخلاق الحميدة في التعامل مع الناس.
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَتَتِمَّةً لِمَا مَضَى مِنْ ذِكْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَهَمِيَّةِ الْأَخْلَاقِ فِي دِينِنَا، وَمَا عَلَيْهِ الْمُسْلِمُ الْحَرِيصُ عَلَى دِينِهِ بِأَنْ يَتَمَسَّكَ بِهَذَا الْأَمْرِ الَّذِي طَالَمَا فَرَّطَ فِيهِ الْكَثِيرُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، حِينَمَا رَأَيْنَا الْأَخْلَاقَ الْكَثِيرَةَ الْهَابِطَةَ الْمُنَحَلَّةِ الَّتِي فَشَتْ وَانْتَشَرَتْ بَيْنَ أَوْسَاطِنَا، مِنْهَا مَا جَاءَنَا مِنْ الْغَرْبِ وَمِنْ الشَرْقِ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ الْكُفْرِ، بَعْدَمَا تَوَسَّعَ النَّاسُ لِلِاطِّلاعِ عَلَى مَا عِنْدِ الْكُفَّارِ مِنْ عَقَائِدَ وَأَخْلَاقٍ، تَسَرَّبَتْ إلَيْنَا الْكَثِيرُ مِنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ الْبَاطِلَةِ الْمُنَحَلَّةِ مِنْ التَّفَسُّخِ وَالْعُرِيِّ وَالتَّكَشُّفِ وَالْبِدْعَةِ وَالْجُرْأَةِ وَقِلَّةِ الْأَدَبِ وَالْحَيَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَذَكَرْنَا مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَدُلُّكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ عَلَى أَهَمِيَّةِ الْأَخْلَاقِ مَا مَضَى مَعَنَا مِنْ أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْعَقِيدَةِ، وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ مَعَنَا فِي السُّنَّةِ مِنْ اهْتِمَامِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَمْرِ الْأَخْلَاقِ، وَكَذَلِكَ الْفَضَائِلُ الْكَثِيرَةُ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ جَلّ وَعَلَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِمَنْ رَبَّى نَفْسَهُ عَلَى خُلُقٍ حَسَنٍ، وَأَيْضًا أَنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الطُّرُقِ الْمُوَصِلَةِ وَالْمُفْضِيَةِ إلَى جَنَانِ الْخُلُقِ إلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ. وَيُضَافُ كَذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تُشَجِّعُكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ عَلَى الِاهْتِمَامِ بِهَذَا الْأَمْرِ هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُنَا الصَّالِحُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ اعْتِنَائِهِمْ الِاعْتِنَاءَ الْعَظِيمَ، لَرُبَّمَا أَدَّى إلَى التَّعَجُّبِ وَالِاسْتِغْرَابِ مِنْ تَأَمُّلِ إلَى سِيرَةِ سَلَفِنَا الصَّالِحِ، سُومًا كَانَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَمِنْ عِبَارَاتِهِمْ وَمِنْ فِعَالِهِمْ، فَيُرَى أَنَّهُمْ اهْتَمُّوا بِبَابِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَدَبِ وَالسُّلُوكِ أَيْمَا اهْتِمَامٍ، رَبُّوا أَنْفُسَهُمْ أَوَّلًا ثُمَّ أَمَرُوا بِذَلِكَ أَبْنَاءَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ وَأَزْوَاجَهُمْ، وَحَتَى طُلَّابَهُمْ كَانُوا يَحُثُّونَهُمْ عَلَى الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الْآدَابِ وَالْأَخْلَاقِ. يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ: «نَحْنُ إلَى قَلِيلٍ مِنْ الْعِلْمِ، نَحْنُ إلَى قَلِيلٍ مِنْ الْأَدَبِ أَحْوَجُ مِنَّا إلَى كَثِيرٍ مِنْ الْعِلْمِ»، أَيْ يَقُولُ فِي وَاقِعِنَا الْمَلْمُوسِ أَنَّنَا نَحْتَاجُ إلَى أَدَبٍ وَلَوْ قَلَّ هَذَا الَّذِي يَنْفَعُ أَكْثَرَ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْعِلْمِ. بِخِلَافِ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ الْآنَ، لَوْ رُبَّمَا الْوَاحِدُ مِنَّا مَنْ كَانَ عِنْدَهُ الْنَّهَمَةُ فِي الطَّلَبِ يَبْحَثُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، لَكِنَّهُ فِي بَابِ الْأَدَبِ لَا يَرْفَعُ بِهِ رَأْسًا، وَقَدْ يُبْتَلَى وَقَدْ يُبْتَلَى بِبَعْضِ الْآدَابِ الْفَاسِدَةِ الْكَاسِدَةِ. فَمَا يَنْفَعُكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ تَطْلُبَ الْعِلْمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِقْهِيَّاتِ وَالْفُرُوعِيَّاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَنْتَ عَلَى خُلُقٍ فَاسِدٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ؟ بَلْ هَذَا لَا يَسْتَقِيمُ، بَلْ هَذَا لَا يَثْبُتُ، لَا يَثْبُتُ الْعِلْمُ مَعَ ذَهَابِ الْأَدَبِ. وَلِهَذَا انْظُرُوا مَاذَا يَقُولُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ نَفْسِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «طَلَبْتُ الْأَدَبَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ طَلَبْتُ الْعِلْمَ عِشْرِينَ سَنَةً»، كَانُوا يَطْلُبُونَ الْأَدَبَ قَبْلَ الْعِلْمِ، يَتَرَبَّى الْوَاحِدُ أَوَّلًا بِالْترْبِيَةِ الْحَسَنَةِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْطَلِقُ إلَى طَلَبِ الْعِلْمِ. وَهَذَا مَلَاحِظٌ، بَلْ إلَى هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ، لَوْ تَلَاحِظُونَ فِي تِلْكَ الْوَزَارَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْمَدَارِسِ وَالْمَعَاهِدِ مَا تُسَمَّى؟ تُسَمَّى بِوَزَارَةِ التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ، تَرْبِيَةً وَالتَّعْلِيمًا، يَبْدَءُونَ بِالتَّرْبِيَةِ ثُمَّ يَأْتِي التَّعْلِيمُ، لِمَاذَا يَبْدَءُونَ بِالتَّرْبِيَةِ؟ لِعِلْمِهِمْ، لِمَاذَا يَقُولُ وَزَارَةُ التَّعْلِيمِ وَالتَّرْبِيَةِ؟ لَا، وَزَارَةُ التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ، لَابُدَّ أَنْ يُنْشَأَ لِلتَّرْبِيَةِ ثُمَّ يَأْتِي التَّعْلِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ، أَمَّا التَّعْلِيمُ قَبْلَ الْأَدَبِ فَلَا يُمْكِنُ. وَيَقُولُ كَذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ الْبَغْدَادِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «كَثِيرٌ مِنْ الْأَدَبِ مَعَ قَلِيلٍ مِنْ الْعَمَلِ الصَّالِحِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْعِلْمِ مَعَ قِلَّةِ الْأَدَبِ»، لَوْ أَنَّ شَخْصًا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ تَكُونَ يَا عَبْدَ اللَّهِ عَلَى خُلُقٍ رَفِيعٍ وَعَلَى آدَابٍ سَدِيدَةٍ، بِالْمُقَابِلِ لَيْسَتْ بِذَاكَ فِي الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، أَوْ أَنْ تَكُونَ يَا عَبْدَ اللَّهِ عَلَى عِلْمٍ الْعِلْمِ الْغَزِيرِ بَلَغَ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ، لَكِنَّكَ عَلَى قِلَّةِ أَدَبٍ، أَيُّهُمَا أَوْلَى وَأَحَبُّ؟ لَا أَشُكُّ وَرَيْبَ، الْأُولَى أَحَبُّ وَأَوْلَى، وَالَّذِي يُرْضِيهِ رَبُّنَا جَلّ عِبَادَةً. يَقُولُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَبِيبِ الشَّهِيدِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ لِأَبِيهِ: «ائْتِ الْفُقَهَاءَ وَالْعُلَمَاءَ، وَخُذْ مِنْ عِلْمِهِمْ، وَخُذْ مِنْ هَدْيِهِمْ وَآدَابِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ، فَإِنَّ ذَاكَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْحَدِيثِ»، انْظُرْ إلَى تَوْصِيَةِ السَّلَفِ إلَى أَبْنَائِهِمْ، أَمَرُوا بِشَدِّ الرِّحَالِ وَالرِّحْلَةِ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَإلَى مَضَانِّ الْعِلْمِ كَالْمَرَاكِزِ. ائْتِ الْفُقَهَاءَ وَالْعُلَمَاءَ وَتَعَلَّمْ مِنْهُمْ، قَالَ: «وَخُذْ مِنْ أَدَبِهِمْ وَهَدْيِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ»، أَيْ لَا تُغْفِلْ عَنْ هَذَا الْبَابِ، بَابِ الْآدَابِ وَالْأَخْلَاقِ الَّذِي يَتَمَتَّعُ بِهَا الْعُلَمَاءُ، حَاوِلْ أَنْ يَا عَبْدَ اللَّهِ فِي أَثْنَاءِ طَلَبِكَ لِلْعِلْمِ أَنْ تَأْخُذَ قِسْطًا مِنْ الْآدَابِ وَلَوْ عَنْ طَرِيقِ شَيْخِكَ الَّذِي تَدْسُ عَلَى يَدَيْهِ. وَلِهَذَا كَانَ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ مَنْ لَرُبَّمَا كَانَ يَرْحَلُ الرِّحْلَةَ الطَّوِيلَةَ إلَى شَيْخٍ مِنْ مَشَايِخِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلَيْسَ فِي نِيَّتِهِ سِوَى أَخْذِ الْهَدْيِ وَالسَّمْتِ، يَأْتِي فَقَطْ إلَى شَيْخٍ مِنْ مَشَايِخِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَيَجْلِسُ فَيَنْظُرُ إلَى هَدْيِ الشَّيْخِ فِي كَلَامِهِ فِي عِبَارَاتِهِ فِي تَرْحِيبِهِ فِي جُلُوسِهِ فِي مَدْخَلِهِ فِي مَخْرَجِهِ فِي تَعَامُلِهِ مَعَ النَّاسِ، تَعَامُلِهِ مَعَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، يَنْظُرُ، وَهَذَا الَّذِي كَانَ يَقَعُ مَعَ إمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. كَانَ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ مَنْ كَانَ يَأْخُذُ الْهَدْيَ وَالسَّمْتَ مِنْ إمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَبِيبِ: «ائْتِ الْفُقَهَاءَ وَالْعُلَمَاءَ وَتَعَلَّمْ مِنْهُمْ، وَخُذْ مِنْ أَدَبِهِمْ وَهَدْيِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ، فَإِنَّ ذَاكَ أَيْ هَذَا الْفِعْلُ مِنْكَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْحَدِيثِ»، لَوْ تَأْتِي لِي بَعْدَ فَتْرَةٍ وَغَيْبَةٍ مِنْ الزَّمَنِ تَأْتِي لِي مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَنْتَ مُتَّصِفٌ عَلَى خُلُقٍ وَأَخَذْتَ مِنْ هَدْيِهِمْ وَمِنْ سَمْتِهِمْ، يُلَاحَظُ هَذَا عَلَى دِينِكَ وَعَلَى أَخْلَاقِكَ، لَكَانَ ذَاكَ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ أَنْ تَأْتِيَ بِدَفَاتِرَ مَلْئِيَةٍ عِلْمًا، لَكِنَّكَ بِلَا هَدْيٍ وَلَا سَمْتٍ. فَانْظُرْ أَخَوَانِي فِي اللَّهِ، وَالْعِبَرُ كَثِيرَةٌ جِدًّا عَنْ سَلَفِنَا الصَّالِحِ، كَيْفَ أَنَّهُمْ يُعَظِّمُونَ هَذَا الْبَابَ أَيْمَا تَعْظِيمٍ، كَمَا يَقُولُ لَرُبَّمَا حَتَى أَنَّ النَّاظِرَ يَتَعَجَّبُ وَيَسْتَغْرِبُ مِنْ هَذِهِ الْمُبَالَغَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ مُبَالَغَةً، بَلْ هَذَا هُوَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا بِهِ، وَعَلَى هَذَا دَرَجَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، عَلَى أَنَّهُمْ يُرَبُّونَ أَنْفُسَهُمْ، وَهَكَذَا أَمَرُوا مَنْ كَانَ مَعَهُمْ عَلَى تَرْبِيَةِ نَفْسِهِ أَنْ يُرَبِّيَ نَفْسَهُ عَلَى الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ. وَلِهَذَا يَقُولُ بَعْضُ السَّلَفِ لِابْنِهِ: «يَا بُنَيَّ، لِأَنْ تَتَعَلَّمَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْأَدَبِ خَيْرٌ لِي أَوْ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَعَلَّمَ سَبْعِينَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْعِلْمِ»، بَابٌ وَاحِدٌ فَقَطْ تُقْنِنُ هَذَا الْبَابَ مَعَ تَطْبِيقِهِ، وَيَنْغَرِزُ هَذَا الْبَابُ فِي صَمِيمِ قَلْبِكَ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ عَلَى أَفْعَالِكَ وَجَوَارِحِكَ. لِأَنَْ تَتَعَلَّمَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْأَدَبِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتَعَلَّمَ سَبْعِينَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْعِلْمِ»، هَذَا لَا يَنْفَعُ أَنْ يَكُونَ يَا عَبْدَ اللَّهِ عَلَى عِلْمٍ، وَهَذَا مَا قَالَهُ أَبُو زَكَرِيَّا الْأَنْبَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «عِلْمٌ بِلَا أَدَبٍ كَنَارٍ بِلَا حَطَبٍ»، عِلْمٌ بِلَا أَدَبٍ كَنَارٍ بِلَا حَطَبٍ. قَدْ يَجِدُ هَذَا، يَجِدُ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْطِيهِ الرَّبُّ جَلّ وَعَلَا عِلْمًا وَعِلْمًا غَزِيرًا، يَظْهَرُ بَيْنَ أَقْرَانِهِ وَيَعْلُو بَيْنَ أَتْرَابِهِ بِمَاذَا؟ بِعِلْمِهِ، لَكِنَّ بِالْمُقَابِلِ تَنْظُرُ إلَى سُلُوكِهِ وَإلَى أَخْلَاقِهِ لَا شَيْءَ، ضَعِيفٌ هَذَا الْبَابُ، فَيَقُولُ أَبُو زَكَرِيَّا الْأَنْبَارِيُّ: «عِلْمٌ بِلَا أَدَبٍ كَنَارٍ بِلَا حَطَبٍ»، انْظُرْ لِلنَّارِ تَخِيلْ النَّارَ تَشْتَعِلُ، لَكِنَّ تَنْظُرُ فِي أَصْلِ النَّارِ لَيْسَ مِنْ وَرَائِهَا حَطَبٌ، هَذَا مَعْنَاهُ أَنَّ لَهَا فَتْرَةً مُعَيَّنَةً وَبَرَهُةً زَمَنِيَّةً قَصِيرَةً جِدًّا، تَأْكُلُ نَفْسَهَا بِنَفْسِهَا فَتَطْفَأُ، وَهَكَذَا الَّذِي يَأْتِي هَذَا الْعِلْمَ، وَالَّذِي يُرْزَقُ هَذَا الْعِلْمَ وَلَا يُزَيِّنُهُ بِالْأَدَبِ، سُرْعَانَ مَا يَزُولُ. وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي الْقَصَصِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْعُلَمَاءُ فِي حَالِ مَنْ انْتَسَبَ لِلْعِلْمِ فَحُرِمَ مِنْهُ، يَجِدُ أَنَّ الْحِرْمَانَ جَاءَ مِنْ قِلَّةِ أَدَبِهِ، مَنْ تَأَمَّلَ فِي الْقَصَصِ الْكَثِيرَةِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ أُنَاسٍ كَانُوا قَدْ انْتَحَلُوا الْعِلْمَ وَانْتَسَبُوا لِلْعِلْمِ وَأَهْلِهِ، ثُمَّ جَاءَتْهُمُ الْبَلَاءُ فَانْسَلَخُوا مِنْ الْعِلْمِ وَضَاعُوا، تَجِدُ أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّذِي جَعَلَتْ أَدَّتْ إلَى ضِيَاعِهِمْ وَذَهَابِ الْعِلْمِ عَنْهُمْ مَا كَانَ مِنْ قِلَّةِ أَدَبِهِمْ، يُصَابُ بِغُرُورٍ مَثَلًا، أَوْ يُصَابُ بِعِجْبٍ أَوْ تَكَبُّرٍ أَوْ تَرَفُّعٍ، يُوجَدُ عِنْدَهُ هَذِهِ الْأَمْرَاضُ فِي قَلْبِهِ، وَيَطْلُبُ الْعِلْمَ، فَمَهْمَا طَلَبَ الْعِلْمَ، وَهَذَا الْكِبْرُ وَهَذَا الْغُرُورُ وَهَذَا الْعِجْبُ وَغَيْرُ الْأَمْرَاضِ مَوْجُودَةٌ، هَذَا سُرْعَانَ مَا تَمْحُو الْعِلْمَ، تَمْحُو الْعِلْمَ، لَا يُمْكِنُ أَنْ نَجْمَعَ عِلْمًا مَعَ قِلَّةِ أَدَبٍ. وَلَعَلَّ اللَّهَ يَسْأَلُ فِي مَقَامِهِمْ آخَرَ بِذِكْرِ هَذِهِ النَّمَاذِجِ عَنْ بَعْضِ أُنَاسٍ مِمَّنْ كَانُوا لَازَمُوا الْعُلَمَاءَ وَالْمَشَايِخَ، وَكَانُوا عَلَى خَيْرٍ عَظِيمٍ، لَكِنْ لَمَّا ابْتُلُوا بِبَعْضِ الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ الْفَاسِدَةِ الْكَاسِدَةِ، أَثَّرَ هَذَا فِي عِلْمِهِمْ حَتَى جَعَلَهُمْ يَرْجِعُونَ الْقَهْقَرَى وَيَرْجِعُونَ الْوَرَاءَ. فَمَنْ تَفَقَّهُوا بِعِلْمِهِمْ؟ فَيَنْبَغِي لَنَا أَخَوَانِي فِي اللَّهِ أَنْ نَنْظُرَ إلَى حَالِ سَلَفِنَا الصَّالِحِ، وَأَنْ نَنْظُرَ إلَى تَعَامُلِهِمْ مَعَ أَنْفُسِهِمْ وَمَعَ غَيْرِهِمْ، وَكَيْفَ أَنَّهُمْ اعْتَنَوْا بِهَذَا الْبَابِ، فَنَتَأَسَّى بِهِمْ، وَخَاصَّةً مَنْ انْتَسَبَ لِلْعِلْمِ وَكَانَ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ، فَهُوَ أَحْوَجُ، فَهُوَ أَحْوَجُ مِنْ غَيْرِهِ إلَى هَذَا الْبَابِ الْعَظِيمِ. قَدْ هُيِّئَتْ لَكَ أُمُورٌ لَوْ فَطِنْت لَهَا، فَارْبَأْ بِنَفْسِكَ أَنْ تَرْعَى مَعَ الْهَمَلِ، يَحْزُنُ فِي النَّفْسِ أَنْ نَرَى بَعْضَ مَنْ يَنْتَسِبُ لِلْعِلْمِ أَوْ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ، وَقَدْ يُبْتَلَى، يُبْتَلَى بِبَعْضِ الْأَمْرَاضِ، يَتَرَفَّعُ، قَدْ يَكُونُ سَبَّابًا لَعَّانًا، يَعْنِي نَمَّامًا، قَدْ يُوجَدُ هَذَا، أَوْ كَذَلِكَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِالْآخَرِينَ، أَوْ عِنْدَهُ حُبٌّ لِلِانْتِقَامِ وَالثَّأْرِ لِنَفْسِهِ، فَهَذَا قَدْ يُوجَدُ ذَلِكَ، هَذَا مَا يَدُومُ، هَذَا سَيُؤَثِّرُ عَلَى عِلْمِهِ، بَلْ يُؤَثِّرُ عَلَى دِينِهِ. ذَاكَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ، عِنْدَمَا حُكِيَ لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي يُذْكَرُ مِنْ عِبَادَتِهَا كَذَا وَكَذَا، بَعْضُ الرِّوَايَةِ: «تَقُومُ اللَّيْلِ مِنْ عِبَادَتِهَا تَقُومُ اللَّيْلِ»، لَكِنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «هِيَ فِي النَّارِ، هِيَ فِي النَّارِ»، عِنْدَهَا عِبَادَةٌ، لَكِنَّ مَا عِنْدَهَا أَدَبٌ، مِنْ قِلَّةِ أَدَبِهَا أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا، وَمِنْ أَعْظَمِ الْآدَابِ: حِفْظُ الْجَارِ وَحِفْظُ الْجِوَارِ. فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «هِيَ فِي النَّارِ»، فَيَنْبَغِي يَا عَبْدَ أَنْ تَحْرِصَ عَلَى أَنْكَ تُعَامِلَ النَّاسَ بِأَكْمَلِ الْآدَابِ، صِلْ نَفْسَكَ وَحَمَلَهَا عَلَى مَا يُزَيِّنُهَا، تَعِشْ سَالِمًا وَالْقَوْلُ فِيكَ جَمِيلٌ. وَانْظُرُوا لِمَا ذَكَرَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا فِي حَقِّ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، خِطَابٌ لِمَنْ؟ خِطَابٌ مِنْ رَبِّنَا جَلّ وَعَلَا فِي حَقِّ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَبِيِّنَا الَّذِي جَمَعَ اللَّهُ فِي صَدْرِهِ وَحْيَ السَّمَاءِ، لَيْسَ أَيْ عِلْمٍ، وَحْيُ السَّمَاءِ، عِلْمُ السَّمَاءِ، عِلْمُ السَّمَاءِ بَيْنَ جَنْبَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَمَعَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ هَذَا الْعِلْمُ، قَالَ: «لِيَكُنْ لَهُ قَبُولٌ عِنْدَ النَّاسِ إذَا كَانَ عَلَى هَذَا السُّلُوكِ»، لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، مَا انْتَفَعَ النَّاسُ بِالْعِلْمِ الَّذِي عِنْدَكَ. وَلِهَذَا يَقُولُ إمَامُ السَّعْدِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ: «فَإِذَا كَانَ هَذَا الرَّسُولُ الْمُعَصُومُ، يَقُولُ اللَّهُ لَهُ مَا يَقُولُ، فَكَيْفَ بِمَنْ دُونَهُ؟ كَيْفَ بِمَنْ دُونَهُ؟»، أَيْ مَنْ هُوَ دُونَ النَّبِيِّ، كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ؟ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، النَّاسُ يَنْفِضُّونَ عَنْكَ، وَيَتْرُكُونَ عِلْمَكَ، وَلَا يُبَارِكُ اللَّهُ فِي عِلْمِكَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ إذَا لَمْ تُحَلِّ هَذَا الْعِلْمَ بِالْأَدَبِ وَالْخُلُقِ. فَشَأْنُ أَخَوَانِ الْفَضْلِ لِنُطِيرَ عَلَيْكُمْ، فَهَذَا الْبَابُ أَيْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ خَامِسَةٌ مِنْ أُمُورٍ الَّتِي تَدُلُّكَ عَلَى أَهَمِيَّةِ هَذَا الْبَابِ، بَابِ الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ، وَذَلِكَ بِالنَّظَرِ إلَى حَالِ السَّلَفِ الصَّالِحِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَيْفَ أَنَّهُمْ تَارَةً يُقَدِّمُونَ الْآدَابَ عَلَى الْعِلْمِ، بَلْ تَارَةً لَرُبَّمَا جَعَلُوا الْأَدَبَ الْعَاذِبَ هُوَ الْأَصْلُ، وَأَنَّ الْعِلْمَ مُتَفَرِّعٌ عَنْهُ، مُتَفَرِّعٌ عَنْهُ، وَالذُّلُّ فِي ذَلِكَ كَثِيرٌ، لَكِنَّ هَذَا الَّذِي أَعُودُنَا أَنْ نَذْكُرَهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ. فَأَسْأَلُ مَوْلَى جَلّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.