مباحث في الأخلاق  4

مباحث في الأخلاق 4

الدرس في مباحث في الأخلاق 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية الأخلاق في نيل العزة

يُشدد على أهمية الأخلاق الحميدة في نيل العزة والتمكين، مستشهدًا بحديث عائشة وشرح الإمام النووي. يُبين أن الأخلاق سبب للسلامة من السوء.

الأخلاق والعزة والكرامة

يؤكد أن العزة تأتي من الأخلاق الحميدة مثل العفو والتسامح، مستشهدًا بأحاديث وتفاسير. يُظهر أن هذه الأخلاق تجلب التعظيم والاحترام.

السيادة والإصلاح بين الناس

يشرح معنى السيادة في الإسلام من خلال الإصلاح بين الناس، مستشهدًا بحديث النبي عن الحسن بن علي. يُظهر أهمية التنازل للإصلاح.

ختام الدرس والدعاء

يختم بمطالبة الإخوة بتقوى الله وتزيين العلم بالأخلاق، ثم يدعو الله أن ينفعهم ويصلي على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَلَا زِلْنَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ نَسْتَعْرِضُ الْمَبَاحِثَ الْمُهِمَّةَ الَّتِي مِنْهَا يَنْطَلِقُ الْمُسْلِمُ فِي تَحَرِّيهِ الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ الرَّفِيعَةِ فَيَتَخَلَّقُ بِهَا وَيَتَعَامَلُ مَعَ النَّاسِ. وَمِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَوْ الَّذِي قَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ فِي الدَّرْسِ الْمَاضِي التَّأَمُّلُ فِيمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَعْظِيمِهِمْ لِهَذَا الْمَقَامِ، وَأَطْرَقْنَا إلَى بَعْضِ عِبَارَاتِهِمْ وَإِلَى شَيْءٍ مِنْ تَوْصِيَاتِهِمْ وَتَوْجِيهَاتِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ وَلِأَبْنَائِهِمْ وَلِطُلَابِهِمْ حَوْلَ التَّحَرِّي وَالتَّثَبُّتِ لِهَذَا الْأَدَبِ الرَّفِيعِ وَلِهَذَا الْمَقَامِ الْمُنِيفِ. وَأَيْضًا مِمَّا يُذْكَرُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي تَكُونُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لَكَ حَافِزًا فِي الْبَحْثِ عَنْ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ وَالتَّخَلُّقِ بِهَا أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ هَذَا الْبَابَ مِنْ الْأَبْوَابِ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا السِّيَادَةُ وَالرِّيَادَةُ وَالتَّمْكِينُ فِي الْأَرْضِ. وَلَرُبَّمَا الْكَثِيرُ مِنْ النَّاسِ قَدْ لَا يَنْظُرُ إلَى بَابِ الْأَخْلَاقِ مِنْ هَذَا الْمَنْظَرِ أَوْ يَسْتَبْعِدُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ وَالْمُسْلِمَ بِهَذَا الْبَابِ يَصِلُ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، لَا هَذَا مَتَوَقَّعٌ عَقْلًا وَشَرْعًا. مَنْ أَرَادَ السِّيَادَةَ، مَنْ أَرَادَ الْعِزَّةَ وَالتَّمْكِينَ فِي الدُّنْيَا فَعَلَيْهِ بِالْأَخْلَاقِ، وَعَلَيْهِ بِالْآدَابِ، وَعَلَيْهِ بِالسُّلُوكِ، بِمَاذَا يَسْلُكُ؟ السُّلُوكَ الْحَمِيدَةَ. وَانْظُرُوا إخْوَانِي فِي اللَّهِ لِمَا جَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مَثَلًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا فِيمَا كَانَ مِنْ حَالِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَارِ حِرَاءٍ فِي بِدَايَةِ دَعْوَتِهِ عِنْدَمَا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فَهَالَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا رَأَى، فَرَجَعَ إلَى بَيْتِهِ خَائِفًا قَلِقًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ يَرْتَجِفُ حَتَّى قَالَ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي. قَالَتْ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: كَلَا وَاَللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، كَلَا لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا. مِنْ أَيْنَ عَرَفَتْ خَدِيجَةُ بِأَنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا لَنْ يُخْزِيَ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟ انْظُرْ مَاذَا قَالَتْ؟ قَالَتْ: كَلَا لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ إنَّك لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسُو الْمَعْدُومَ، وَتُقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. مَاذَا عَدَّتْ؟ عَدَّتْ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تُعْتَبَرُ مِنْ أَخْلَاقِهِ وَمِنْ آدَابِهِ الْحَمِيدَةِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. كَانَ يُعْرَفُ عَنْهُ أَنَّهُ عَلَى خُلُقٍ حَمِيدٍ، كَانَ وَصُولًا لِأَرْحَامِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَانَ كَرِيمًا يُقْرِي ضُيُوفًا، وَكَانَ يَعِينُ، وَكَانَ يُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَلَمَّا عَلِمَتْ خَدِيجَةُ أَنَّ هَذَا مِنْ شَمَائِلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَوَسَّمَتْ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا لَنْ يُخْزِيَهُ، قَالَتْ: كَلَا وَاَللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ إنَّك لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسُو الْمَعْدُومَ، وَتُقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. وَلِهَذَا يَقُولُ إمَامُ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مُعَلِّقًا وَشَارِحًا لِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَخِصَالَ الْخَيْرِ سَبَبٌ لِلسَّلَامَةِ مِنْ مَصَارِعِ السُّوءِ. أَنَّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَخِصَالَ الْخَيْرِ سَبَبٌ لِلسَّلَامَةِ مِنْ الْوُقُوعِ فِي مَصَارِعِ السُّوءِ. إذَا أَرَدْت أَنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا يَقِيكَ مِنْ الْمَكْرُوهِ وَيَقِيكَ مِنْ مَصَارِعِ السُّوءِ وَمِنْ خَاتِمَةِ السُّوءِ فَعَلَيْكَ بِالْأَخْلَاقِ، عَلَيْكَ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، تَحَلَّى بِهَا، كُنْ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ نَبِيُّكَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَصِلْ لِأَرْحَامِكَ وَأَقْرَبِ الْأَرْحَامِ تَصِلْهُمْ الْوَالِدَيْنِ. وَهَكَذَا يَا عَبْدَ اللَّهِ تَكُونُ كَرِيمًا، ابْتَعِدْ عَنْ الشُّحِّ وَعَنْ الْبُخْلِ. وَهَكَذَا تَكُونُ مُعِينًا لِإِخْوَانِكَ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ، تُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَبِئْتَ إذَا كَانَ هَذَا حَالُك، اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَنْ يُخْزِيَكَ أَبَدًا لَا فِي دُنْيَا وَلَا فِي آخِرَةٍ، بَلْ سَيَجْزِيكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ. وَأَنَّ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةً حَسَنَةً عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَأَيْضًا مِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ الْعِزَّةَ وَالْكَرَامَةَ وَالرِّفْعَةَ لِصَاحِبِ الْأَخْلَاقِ مَا جَاءَ فِي مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إلَا رَفَعَهُ». مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إلَا رَفَعَهُ. أَيْ رَفَعَهُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا. انْظُرْ أَيْنَ الْعِزَّةُ؟ وَأَيْنَ الرِّفْعَةُ؟ تَكْمُنُ فِي هَذِهِ الْأَخْلَاقِ. إنْ عَامَلْت النَّاسَ بِالْعَفْوِ رَفَعَكَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا. إنْ عَامَلْت النَّاسَ بِالتَّوَاضُعِ رَفَعَكَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا. أَيْنَمَا يَا عَبْدَ اللَّهِ تَعَبَّدْت اللَّهَ بِخُلُقٍ مِنْ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ كَانَ لَكَ الرِّفْعَةُ وَالْعِزَّةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَلِهَذَا يَقُولُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا مِنْ تَعْلِيقَاتِهِ النَّافِعَةِ الْمَاتِعَةِ عِنْدَمَا عَلَّقَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيمَا مَعْنَاهُ: قَالَ وَمَنْ عُرِفَ عَنْهُ الْعَفْوَ وَالصَّفْحُ سَادَ. أَيْ مِنْ السِّيَادَةِ سَادَ وَعَظُمَ فِي الْقُلُوبِ وَزَادَ عِزُّهُ وَإِكْرَامُهُ. انْظُرْ لِهَذِهِ الْكَرَامَاتِ الَّتِي يُرِيدُهَا مَنْ أَرَادَ الْعِزَّةَ. قَالَ: وَمَنْ عُرِفَ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ مَعْرُوفٌ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ تَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَتَجَاوَزُ عَمَّنْ أَسَاءَ إلَيْك، وَأَنَّكَ تَغُضُّ الطَّرْفَ عَمَّنْ تَطَاوَلَ عَلَيْكَ. هَذَا حَالُكَ فِي الدُّنْيَا مَعَ الْخَلْقِ، أَنَّكَ تُمَاشِيهِمْ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَالْإِحْسَانِ، لَا تَنْتَقِمُ لِنَفْسِكَ وَلَا تُؤْثِرُ لَهَا وَلَا تُطَالِبُ بِالِانْتِقَامِ، تَتَرَفَّعُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. وَإِنَّمَا حَالُكَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ هَذَا الْحَالُ، تَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، تُصَافِحُ عَمَّنْ تَجَاوَزَ عَنْك. فَقَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مِنْ عُرِفَ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ سَادَ. أَيْ مِنْ السِّيَادَةِ كَانَتْ لَهُ السِّيَادَةُ، سَادَ وَعَظُمَ فِي الْقُلُوبِ، قَالَ: وَزَادَ عِزُّهُ وَإِكْرَامُهُ. لَكَ الْعِزَّةُ وَلَكَ الْإِكْرَامُ وَلَكَ السِّيَادَةُ وَلَكَ التَّعْظِيمُ فِي الْقُلُوبِ. هَذَا مَتَى؟ إنْ كَانَ هَذَا حَالُكَ، مَنْ كَانَ عَلَى أَخْلَاقٍ حَمِيدَةٍ مِنْ الصَّفْحِ وَالْعَفْوِ وَالْإِحْسَانِ. لَكِنَّ لِلْأَسَفِ بَعْضُ النَّاسِ إذَا طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ مِنْ الْكَاظِمِينَ لِلْغَيْظِ مِنْ أَهْلِ الْإِحْسَانِ وَالْبِرِّ وَالتَّجَاوُزِ، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: أَيْشْ أَشُ هَذَا ذُلٌّ. يَرَى أَنَّ هَذِهِ مِهَانَةٌ فِي حَقِّهِ وَأَنَّ هَذَا تَقْصِيرٌ فِي جَانِبِهِ. قَالَ: لَا وَاَللَّهِ، لَا لَا مَا أَصْطِيعُ، مَا أَصْبِرُ، لَا أَبُوذ أَنْ أَنْتَقِمَ لِنَفْسِي، لَا أَبُوذ أَنْ أَنْتَقِمَ لِنَفْسِي. فَيَكِيدُ الْمَكَائِدَ وَيَفْعَلُ الْحِيَلَ وَيَجُولُ وَيَصُولُ حَتَّى يُسْقِطَ الْخَصْمَ. هَذَا مَا يَنْفَعُ. الَّذِي يَنْفَعُكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْك تَعَامِلَ النَّاسَ بِالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ بِالصَّفْحِ وَالْعَفْوِ وَالْإِحْسَانِ. وَلِهَذَا يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَدَارِجِ السَّالِكِينَ قَالَ: وَمَنْ تَقَمَّصَ أَحَدٌ لِنَفْسِهِ إلَّا ذُلَّ. أَيْ بِالْعَكْسِ بِالْعَكْسِ، سُبْحَانَ اللَّهِ. إنْ عَامَلْت النَّاسَ بِالصَّفْحِ وَالْعَفْوِ وَالْإِحْسَانِ أَعَزَّكَ وَأَكْرَمَكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ. إنْ أَرَدْت أَنَّك تُجَازِي النَّاسَ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ أَوْ تَأْخُذُ حَقَّكَ بِيَدِكَ وَلَوْ كَانَ بِالظُّلْمِ وَالْغَصْبِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمَنْ تَقَمَّصَ أَحَدٌ لِنَفْسِهِ إلَّا ذُلَّ. لَنْ تَصِلَ لَك السِّيَادَةُ وَلَنْ تَبْلُغَ إلَى السُّؤْدُدِ وَالْعِزَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَأَنْت عَلَى هَذَا الْخُلُقِ الْمَهِينِ، عَلَى هَذَا الْخُلُقِ الْمَهِينِ مِنْ أَنَّك تَنْتَقِمُ لِنَفْسِكَ وَأَنَّك تُحَاسِبُ النَّاسَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. لَا يُعْبَأُ بِكَ، تَرَفَّعْ. وَلِهَذَا يَنْبَغِي إخْوَانِي فِي اللَّهِ لِمَنْ أَرَادَ الْعِزَّةَ وَأَرَادَ الْكَرَامَةَ وَالسِّيَادَةَ وَالرِّيَادَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَعَلَيْهِ بِالْأَخْلَاقِ، يَتَعَامَلُ مَعَ النَّاسِ بِالْأَسْلُوكَ الْحَمِيدَةِ. وَمِمَّا يَسْتَفَادُ كَذَلِكَ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَا جَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ». ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْمَهْلَبِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: وَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ السِّيَادَةَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهَا مَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ. قَالَ: لِأَنَّ السِّيَادَةَ عُلِّقَتْ بِالْإِصْلَاحِ. يَقُولُ الْمَهْلَبُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ السِّيَادَةَ تَكُونُ سَيِّدًا عَلَى أَنَّ السِّيَادَةَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهَا مَنْ يَنْتَفِعُ مِنْهُ النَّاسُ. قَالَ: لِأَنَّ السِّيَادَةَ عُلِّقَتْ بِالْإِصْلَاحِ. أَيْ: انْظُرْ لِهَذَا الْحَدِيثِ مَعًا. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إنَّ ابْنِي هَذَا السَّيِّدُ». أَيْنَ وَجْهُ السِّيَادَةِ؟ قَالَ: «وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ». أَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِوَحْيِ السَّمَاءِ أَنَّ ابْنَهُ هَذَا -أَيْ حَفِيدَهُ- سَيَبْلُغُ مِنْ أَمْرِهِ وَمِنْ شَأْنِهِ أَنَّهُ سَيُصْلِحُ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. فَلِعَمَلِيَّةِ الْإِصْلَاحِ الَّتِي سَتَتِمُّ لِهَذَا الْحَفِيدِ سَيُصْلِحُ بِهَا هَذَا الْأَمْرَ إلَى السِّيَادَةِ، سَيَكُونُ سَيِّدًا. وَمَنْ الَّذِي فَعَلَ الْإِصْلَاحَ؟ وَهَكَذَا يَا عَبْدَ اللَّهِ انْظُرْ مَنْ الَّذِي فَعَلَ الْحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الَّذِي فَعَلَ أَنَّهُ قَطَعَ دَابِرَ الْفِتْنَةِ، قَطَعَ دَابِرَ الْفِتْنَةِ فَتَنَازَلَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنْ الْحُكْمِ، تُرَى تَنَازَلَ عَنْ الْكُرْسِيِّ وَهَمُّهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ فَاجْتَمَعُوا حَتَّى سُمِّيَ ذَاكَ الْعَامُ بِعَامِ الْجَمَاعَةِ. اجْتَمَعَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ كَانَ فِي أَزْمَانِهِمْ وَمِنْ بَعْدِ أَزْمَانِهِمْ اجْتَمَعُوا عَلَى هَذَا الرَّأْيِ. فَكَانَ الَّذِي فَعَلَهُ الْحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الْإِصْلَاحُ إشَارَةً إلَى سِيَادَتِهِ: «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ». وَلِهَذَا نَبَّهَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ السِّيَادَةِ الْإِصْلَاحَ بَيْنَ النَّاسِ، تُصْلِحُ وَلَوْ أَنَّك تَتَخَلَّى عَنْ شَيْءٍ مِنْ حَقِّكَ تَتَنَازَلُ، تَتَنَازَلْ يَا عَبْدَ اللَّهِ. وَلِلْأَسَفِ بَعْضُ النَّاسِ خَاصَّةً مَنْ يَنْتَسِبُ بَعْضُهُمْ إلَى الْعِلْمِ وَالدَّعْوَةِ إذَا طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يَتَنَازَلَ تَبَرَّمَ، مَا يَتَنَازَلُ أَبَدًا، بَلْ يَسْتَمِيتُ، يَسْتَمِيتُ. وَبِالْمُقَابِلِ إنْ رَأَى مِنْ خَصْمِهِ أَنَّهُ تَرَكَ لَهُ الْمَجَالَ لَا، سَيَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ، يَنْتَقِمُ وَيَجْرِي خَلْفَهُ، هَذَا سُرْعَانَ مَا يَفْتَرُ، هَذَا الْحِرْمَانُ. هَذَا مَا هِيَ بِبَرَهَةِ مِنْ الزَّمَنِ إلَّا سَتَأْتِيهِ آيَاتُ اللَّهِ الْكَوْنِيَّةُ، سَيُخْرَجُ مِنْ كُرْسِيِّهِ، وَتَقُولُ لَهُ الذُّلُّ وَالْهَوَانُ إنْ لَمْ يَتُبْ إلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. أَمَّا ذَاكَ الْخَصْمُ الَّذِي تَوَاضَعَ وَتَنَازَلَ وَتَرَكَ الْأَمْرَ حَتَّى تَنْتَهِيَ الْفِتْنَةُ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيَجْزِيهِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، يَجْزِيهِ بِأَنْ يُعَظِّمَ فِي الْقُلُوبِ، وَتَقُولُ لَهُ السِّيَادَةُ وَالرِّيَادَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَلِهَذَا إخْوَانِي لَا تَمْعَنُوا فِي هَذَا الْمَعْنَى الْعَظِيمِ. فَمَنْ أَرَادَ التَّمْكِينَ فِي الدُّنْيَا فَعَلَيْهِ بِهَذَا الْبَابِ. لَا تَظُنَّ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنَّ أَصْحَابَ الْأَخْلَاقِ مَسَاكِينُ. هَذِهِ الْحُجَّةُ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ الْعَلِيلَةُ الَّتِي يَتَكَلَّمُ عَنْهَا النَّاسُ إذَا رَأَوْا رَجُلًا يَتَعَامَلُ بِالْأَخْلَاقِ وَالطِّيبَةِ هَذَا مِسْكِينٌ. لَا أَخِي أَنْت الْمِسْكِينُ، هُوَ نَعَمْ مِسْكِينٌ، لَكِنْ مِسْكِينٌ مَا مَعَ الْمِسْكِينِ هُنَا؟ إنْ أَرَدْت التَّنَقُّصَ مِنْ حَقِّهِ. فَوَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّنَقُّصِ، بَلْ أَصْحَابُ الْأَخْلَاقِ مِنْ أَصْحَابِ الْمَكَانَةِ الْعَلِيَّةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَهَكَذَا كُنْ يَا طَالِبَ الْعِلْمِ. فَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ كَذَلِكَ لَا يَرْتَفِعُ وَلَا يَعْلُو بَيْنَ أَقْرَانِهِ وَبَيْنَ أَتْرَابِهِ إلَّا إذَا حَلَّى هَذَا الْعِلْمَ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَدَبِ. وَرَحِمَ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ حَيْثُ قَالَ: «لَا يَنْبُلُ الرَّجُلُ بِشَيْءٍ مِنْ الْعِلْمِ إلَّا إذَا زَانَ الْعِلْمَ بِالْأَدَبِ». لَا يَنْبُلُ الرَّجُلُ بِشَيْءٍ مِنْ الْعِلْمِ إلَّا إذَا زَانَ الْعِلْمَ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَدَبِ. لَابُدَّ. تُرِيدُ أَنْ تَرْتَفِعَ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَأَنْت بَيْنَ إخْوَانِكَ وَبَيْنَ طُلَّابِكَ أَنْ تَرْتَفِعَ بِالَّذِي عِنْدَك مِنْ الْعِلْمِ، كُنْ عَلَى أَخْلَاقٍ. وَإِلَّا فَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ. إنْ كُنْت عَلَى عِلْمٍ لَكِنَّ فِيكَ مِنْ الطَّيْشِ وَفِيكَ مِنْ الْعُقُوقِ وَفِيكَ مِنْ الْقَطِيعَةِ وَفِيكَ مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَالْحَسَدِ وَالشَّحْنَاءِ، وَهَذِهِ مِنْ الْعُجْبِ وَالتَّرَفُّعِ وَالتَّكَبُّرِ وَالتَّجَبُّرِ. لَا تَحْلُمْ يَا عَبْدَ أَنَّك سَتَمْلِكُ. إنْ بَلَت يَوْمًا مَا سَتَسْقُطُ. وَكَمَا مَرَّ مَعَنَا فِيمَا قَالَهُ أَبُو زَكَرِيَّا الْعَنْبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: عِلْمٌ بِلَا أَدَبٍ كَنَارٍ بِلَا حَطَبٍ. سُرْعَانَ مَا سَيَذْهَبُ هَذِهِ النَّارُ وَيَنْطَفِئُ أَمْرُك كَأَنَّك لَمْ تَكُنْ مِنْ بَعْدٍ. فَبِئْت إخْوَانِي فِي اللَّهِ أَنْ نَتَّقِيَ اللَّهَ فِي أَنْفُسِنَا، وَأَنْ نُزَيِّنَ هَذَا الْعِلْمَ بِالْآدَابِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا أَنْ نَتَخَلَّقَ بِهَا. فَأَسْأَلُ مَوْلَانَا جَلّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.