التعليق على شرح الأصول الستة  1

التعليق على شرح الأصول الستة 1

الدرس في التعليق على شرح الأصول الستة 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة الدرس وأهمية التوحيد في الأصول الستة

افتتح الشيخ الدرس بقراءة رسالة الأصول الستة للشيخ محمد بن عبد الوهاب مع شرح الشيخ صالح الفوزان، مؤكداً أن التوحيد هو أصل الدين وغاية خلق الثقلين ودعوة جميع الرسل، وأن الشرك مبطل للأعمال، مبيناً أن القرآن كله يدور حول تقرير التوحيد والتحذير من ضده.

محاور التوحيد الخمسة في القرآن وتحذير الإعراض عن التدبر

استعرض المحاضر خمسة محاور للتوحيد في القرآن تشمل دعوة الإفراد، الأوامر والنواهي، جزاء الموحدين والمشركين، وعموم السور لهذا الأصل، محذراً من الاقتصار على التلاوة دون تدبر وعمل، ومبيناً أن اتباع الأسلاف بلا حجة شرعية دأب أعداء الرسل، وأن القرآن حجة على تارك العمل به.

إبطال حجة التقليد الأعمى للآباء والأجداد

حذر النص من التمسك بدين الآباء تقليداً أعمى مستدلاً بآيات قرآنية وقصة أبي طالب الذي مات على الشرك تمسكاً بملة عبد المطلب، ورفض قريش للإسلام بدعوى ترك دين الآباء، مبيناً أن هذه الشبهة الواهية تمنع قبول الحق وتحول القرآن إلى مجرد بركة لفظية دون تدبر.

المقصد الأسمى من تلاوة القرآن: التطبيق والالتزام

أوضح المتحدث أن الاستماع للقرآن، التلذذ بتلاوته، الخشوع، والرقية الشرعية كلها وسائل وطرق، لكن الغاية القصوى والمقصد الأسمى هو تطبيق القرآن والالتزام بحدوده وأحكامه في الواقع العملي، مختتماً المقطع بهذه القاعدة العظيمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: فإن شاء الله تعالى نبدأ في القراءة في هذه الرسالة النافعة من رسائل شيخ الإسلام ومجدد الدعوة الإسلامية الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى. واخترنا في هذا اليوم وما بعده أن نقرأ في الأصول الستة مع شرح الشيخ العلامة صالح الفوزان حفظه الله تعالى. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب إمام الدعوة الإسلامية وحامي حما الملة الحنيفية: «من أعجب العجاب وأكبر الآيات الدالة على قدرة الملك الغلاب: ستة أصول بينها الله تعالى بياناً واضحاً للعوام، فوق ما يظن الظانون. ثم بعد ذلك غلط فيها كثير من أذكياء العالم وعقلاء بني آدم إلا أقل القليل». قال الشيخ الفوزان حفظه الله: «بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. لا شك أن الله سبحانه أنزل القرآن تبياناً لكل شيء، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم بين هذا القرآن بياناً شافياً. وأعظم ما بينه الله ورسوله في هذا القرآن قضية التوحيد والشرك. ودليل ذلك: أي أن الله سبحانه وتعالى قد أنزل القرآن تبياناً لكل شيء، قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾. قال ابن مسعود: قد بين الله لنا كل علم وكل شيء. وهكذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين لنا ما في هذا القرآن بياناً شافياً. فإن سنة النبي عليه الصلاة والسلام من القرآن، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾. فقد بين لنا ربنا سبحانه وتعالى كل ما نحتاج إليه في أمور ديننا، وفي أمور دنيانا، وفي أمور أخرانا، وفي أمور معاشنا. ومن أعظم الأمور التي بينها الله سبحانه وتعالى هذا الأصل الأصيل، ألا وهو توحيد الله سبحانه وتعالى. ولذلك قال هنا: وأعظم ما بينه الله ورسوله في هذا القرآن قضية التوحيد والشرك. لأن التوحيد هو أصل الإسلام وأصل الدين. الأصل هو الذي يبنى عليه غيره، فمن لم يكن له أصل وأساس فلا يمكن أن يقوم له أو أن تقوم له قائمة. فأصل هذا الدين هو توحيد الله سبحانه وتعالى. ولذلك ما خلق الله عز وجل الإنس والجن إلا من أجل هذا الأصل الأصيل، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. قال ابن عباس: إلا ليوحدون، إلا ليوحدون. فالتوحيد هو أصل الإسلام وأصل الدين، وهو دعوة جميع الرسل، دعوة جميع الرسل لأنه الأصل. كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. فإذن هذا هو الأصل الأصيل، وهذا هو أصل الدين الذي دعت إليه جميع الرسل. قال: وهو الذي تبنى عليه جميع الأعمال. فمن لا توحيد له لا يقبل له عمل، لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ولقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾. ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فمن لا توحيد له لا يقبل له عمل. فإذا هو الأصل الذي تبنى عليه بقية الأعمال. فلو أن العبد قام جميع الليل وصام النهار، وهكذا عمل من الأعمال العظيمة، ولم يكن عنده هذا الأصل، فلا تنفعه تلك الأعمال، بل تكون مردودة عليه. قال الله سبحانه وتعالى كما سمعت: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال: والشرك يبطل هذا الأصل ويفسده، ولا يكون له وجود، لأنهما أمران متضادان، يعني التوحيد والشرك أمران متضادان ومتناقضان لا يجتمعان أبداً. فلذلك الله سبحانه بين هذا الأصل في كتابه في جميع القرآن، فلا تكاد تخلو سورة من ذكر التوحيد وذكر الشرك. وهذا حق: جميع سور القرآن تضمنت هذا الأصل العظيم. ذكر ابن القيم في كتابه مدارج السالكين وجه كون جميع سور القرآن قد تضمنت هذا الأصل العظيم، وذكر هذا من خمسة أوجه. ذكر هذا من خمسة أوجه. فقال رحمه الله تعالى: «قال: كل سور القرآن قد تضمنت هذا الأصل الأصيل. قال: فإن القرآن إما خبر عن الله وعن أسمائه وصفاته، وهو التوحيد العلم الخبري، توحيد الأسماء والصفات، وكذلك توحيد الربوبية، توحيد أفعال الله سبحانه وتعالى. فتجد بعض السور قد تضمنت على هذا بذكر الأسماء والصفات، وبذكر كذلك توحيد الربوبية وأفعال الرب سبحانه وتعالى. قال: وإما هذا الوجه الثاني، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلعوا كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وهو توحيد الألوهية. فتجد أن بعض السور فيها ذكر هذا الأمر، ألا وهو إفراد الله عز وجل بالعبادة. هذا الثاني. قال: وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته، فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته. فتجد بعض السور فيها الأمر بطاعة الله عز وجل، وفيها نهي عما حرم الله عز وجل، وفيها إلزام بطاعة الله سبحانه وتعالى. فهذا من مكملات التوحيد ومن حقوق التوحيد. فإن من حقوق التوحيد ومكملات التوحيد الأعمال الصالحة والاستقامة على شرع الله. فإذن هذا فيه كذلك تضمن للتوحيد. قال: وهو الرابع، وإما خبر عن إكرامه لأهل التوحيد وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء التوحيد، فهو جزاء التوحيد. ذكر قصص الأنبياء، هذا فيه توحيد الله عز وجل، لأن الأنبياء جميعاً دعوا إلى توحيد الله سبحانه وتعالى. فهذه القصص في القرآن وما فيه من إكرام الله عز وجل لدعاة التوحيد من الأنبياء وأتباعهم ممن ذكروا في القرآن، فهذا فيه تضمن للتوحيد. وذلك أن في قصص القرآن جزاء أهل التوحيد وما أكرمهم الله عز وجل به من الكرامة في الدنيا قبل الآخرة. قال: الخامس، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد. ما أهلك الله عز وجل به أهل الشرك، وكذلك أعداء الرسل، هذا فيه جزاء من خرج عن حكم التوحيد. الله سبحانه وتعالى أهلك أعداء الرسل، منهم بالغرق، ومنهم بالخسف، ومنهم كذلك بالغرق، ومنهم بغير ذلك من أنواع العذاب. فكل ذلك فيه ذكر التوحيد من أي ناحية، من ذكر جزاء من خرج عن التوحيد». فإذا نظرت إلى هذه الخمسة الأمور لوجدت أن ما من سورة من سور القرآن إلا وقد تضمنت هذا الأصل العظيم، ألا وهو توحيد الله سبحانه وتعالى. قال: والناس يقرأون هذا القرآن ويرددونه، ولكن قل من يتنبه لهذا البيان. ولذلك تجد كثيراً من الناس يقرأون القرآن ويقعون في الشرك ويخلون بالتوحيد، مع أن هذا الأمر واضح في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإذا ليست العبرة بأن تقرأ القرآن، أو بأن تحفظ القرآن، أو بأن تجود وتتقن وتتقن قراءة القرآن فحسب. فهذا أمر طيب، لكن أعظم من ذلك أن تعمل بالقرآن. وأعظم ما يجب عليك العمل به مما هو في القرآن: توحيد الله سبحانه وتعالى. فتجد ذاك الذي يدعو غير الله ويستغيث بغير الله، ربما يقرأ القرآن في الشهر مرة، وربما إذا جاء رمضان قرأ القرآن عدة مرات، وهو يمر على آيات التوحيد وعلى آيات الشرك، لكنه لا ينتفع بهذا القرآن، لا ينتفع بهذا القرآن. فالقرآن يكون حجة عليه لا له، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «والقرآن إما حجة لك أو حجة عليك». أو حجة عليك. فمتى يكون حجة لك؟ إذا عملت به، إذا عملت به. وأعظم شيء تعمل به هو توحيد الله سبحانه وتعالى. قال: لأنهم يمشون على العوائد وما وجدوا عليه آباءهم ومشايخهم. فالأصل عندهم ما وجدوا عليه آباءهم ومشايخهم وأهل بلدهم، ولا يفكرون في يوم من الأيام أن يتأملوا ويتدبروا القرآن ويعرضوا عليه ما كان عليه الناس، هل هو صحيح أو غير صحيح. وهذه هي حجة جميع أعداء الرسل، جميع أعداء التوحيد. حجتهم هذه: وهو التمسك بما كان عليه الآباء وبما كان عليه الأجداد، دون النظر إلى هذا الأمر الذي هم عليه، أهو حق أم باطل، أهو مما أمر الله عز وجل أو غير ذلك. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾، يعني على طريقة، ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾. ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾. ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ الآيات. انظروا كيف أن هذه الحجة هي حجة أولئك أعداء التوحيد. تأتي وتقول لهم: هذا شرك، وهذا حذر الله سبحانه وتعالى منه، وهذا دعاء غير الله، وهذا استغاثة بغير الله، وهذا لا يجوز. يقولون لك: أنتم جئتم بدين جديد، هذا الذي عليه آباؤنا وعليه أجدادنا وعليه كذلك عاداتنا، فأنتم تريدون أن تغيروا ما كنا عليه. يا سبحان الله! انظر إلى الدليل الذي جاء به ذلك الناصح، لا تنظر إلى العوائد وإلى الأسلاف. فكم من عادة كانوا أولئك يعملونها فتركوها لما رأوا إنكار الناس عليهم، ولما رأوا أن الناس لا يستصيغونها ولا يقبلونها فتركوها. لذلك فليس كل ما كان عليه الآباء يكون حقاً وصواباً، بل قد يكون شركاً بالله سبحانه وتعالى. فهذه حجة القوم. وكما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم حاكياً عن أولئك الذين يتحججون بمثل هذه الحجة: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. انظر: إذا عملوا فاحشة وأنكر عليهم هذا العمل، قالوا: وجدنا عليها آباءنا، وطالما أن آباءنا عليها فهو مما أمر الله به، دون نظر إلى قول الناصح وقول المنكر عليهم. وهكذا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان مشرك... كان مشركو قريش يتحججون بهذه الحجة، كما هو معلوم في حديث ابن المسيب عن أبيه حزن رضي الله تعالى عنه. لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ووجد... ووجد عنده... ووجد عنده أبا جهل وعبد الله بن... أو عبد الله بن أبي أمية. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعمه أبي طالب: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». فقال له أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» ذكروه بهذه الحجة الشيطانية: ما كان عليه عبد المطلب، ما كان عليه جدهم. فلم يزل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعرض عليه هذه الكلمة: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله»، وهما يقولان له: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» حتى كان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. فمات والعياذ بالله مشركاً بسبب هذه الحجة. وقد حرص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على إسلامه، واستغل هذا الأمر، ألا وهو ظهور علامات الوفاة. لأن المراد بقوله، بقول حزن رضي الله تعالى عنه: «لما حضرت أبا طالب الوفاة»، أي: لما ظهرت علامات الموت، وليس المراد لما جاءه النزع أو لما جاءته الغرغرة، لأن في هذا الموقف لا تنفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. فإذا المراد: لما حضرت أبا طالب الوفاة، أي: لما ظهرت علامات الوفاة. حرص النبي عليه الصلاة والسلام على إسلامه، لكن بسبب قرناء السوء، وبسبب هذه الحجة الشيطانية، امتنع عمه أبو طالب أن يقول هذه الكلمة، فمات والعياذ بالله على الشرك، مات على الشرك. فإذا هذه حجة خطيرة، حجة خطيرة قد تؤدي بالشخص إلى أن يموت على الشرك وعلى الضلال، لأنه يحتج بهذه الحجة الواهية: ما كان عليه آباؤه. وهكذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما دعا قريشاً إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، كانوا يحتجون بهذه الحجة، وكانوا يقولون: إنه صابئ. ومعنى صابئ: أي ترك دين آبائه وما كان عليه آباؤه. هذا معنى صابئ. كما جاء عند الإمام أحمد من حديث ربيعة رضي الله تعالى عنه أنه قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سوق ذي المجاز يقول للناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا». قال: «وكان وراءه رجل وضيء الوجه». قال: «فسألت عنه». نعم، «وكان وراءه رجل وضيء الوجه يقول: لا تصدقوه، إنه صابئ، إنه صابئ». أي: إنه قد ترك دين آبائه ويريد منكم أن تتركوا دين آبائكم، فلا تصدقوه. قال: «فسألت عنه، فقالوا: هو عمه أبو لهب، هو عمه أبو لهب». فهكذا هذه الحجة حجة خطيرة. وما يعني أعرض كثير من الناس عن توحيد الله سبحانه وتعالى إلا بسبب هذه الحجة الواهية. وما أشبه الليلة بالبارحة! فكثير من دعاة الشرك والضلال يحتجون بهذه الحجة، ويقولون: ما كنا نسمع أن أجدادنا وأن آباءنا أتوا بهذا الأمر أو كانوا على هذا الأمر، فيلبسون على الناس بهذه الحجة الواهية. قال حفظه الله: «قال: ويعرض عليه ما كان عليه الناس، هل هو صحيح أو غير صحيح. بل أخذهم التقليد الأعمى لآبائهم وأجدادهم، واعتبروا... واعتبروا أن القرآن إنما يقرأ... إنما يقرأ للبركة وحصول الأجر بالتلاوة، وليس المقصود أنه يقرأ للتدبر والعمل بما فيه». قال: «قل من الناس من يقرأ القرآن لهذا الغرض، إنما يقرؤون للتبرك به، أو التلذذ بصوت القارئ والترنم به، أو لقراءته على المرضى للعلاج. وهذه كلها أمور طيبة، لكن المقصد الأسمى من تلاوة القرآن، ومن التلذذ بصوت القارئ، والخشوع في ذلك، وهكذا الرقية الشرعية الصحيحة، كل ذلك المقصد الأسمى منه أن تعمل بهذا القرآن، وأن تقف عند حدود هذا القرآن». طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.