خطبة عيد الفطر المبارك لعام 1443هـ

الخطبة بعنوان خطبة عيد الفطر المبارك لعام 1443هـ، والتي كانت بمصلى العيد بالمنصورة الجديدة بالشحر1443هـ ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل الطاعات في رمضان وأهمية الإخلاص

يُشير الخطيب إلى أهمية يوم عيد الفطر وفرحة المسلمين بإتمام فريضة الصيام، ويُبين أن الله يضاعف الأجور لمن يعمل الأعمال الصالحة. يُشدد على شرطين لقبول السعي: الإيمان والإخلاص في العمل.

الاستمرار في الطاعات بعد رمضان وأهمية الثبات

يجب على المسلم الاستمرار في الطاعات والأعمال الصالحة بعد انتهاء شهر رمضان، مثل صيام الست من شوال وقيام الليل. هذه الأعمال لها أجر عظيم وذخر في الدنيا والآخرة.

تحذير المسلمين من أعداء الدين ومحاولات الإفساد

يُحذر الخطيب المسلمين من أعداء الدين الذين ينفقون الأموال لصد الناس عن سبيل الله وإفساد المسلمين. يُؤكد على أهمية التمسك بالدين وعدم الاغترار بمحاولات إفساد أعداء الإسلام.

ختام رمضان بالدعاء والثناء على الله

المقطع يتضمن أدعية متنوعة في ختام شهر رمضان، حيث يُدعى بقبول الصيام والقيام وعتق الرقاب من النار. يُختتم المقطع بالثناء على الله وحمده والصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إِنَّا الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن هذا اليوم يوم عظيم من أيام أهل الإسلام، ألا وهو يوم عيد الفطر الذي يغدو فيه المسلمون إلى مصلاهم لربهم ذاكرين، ولربهم شاكرين، ولربهم مكبرين، ولربهم حامدين، وفرحين بما أنعم الله سبحانه وتعالى عليهم من إتمام فريضة الصيام والإقبال على الله جل وعلا بأنواع الطاعات والقربات. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، هذه الفرحة التي يفرح بها المسلم هي الفرحة العاجلة في هذه الدنيا بما من الله سبحانه وتعالى عليه من إتمام هذه الفريضة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه»، نعم عباد الله، فالمسلم يفرح إذا أتم فريضة الصيام، وقد وفق الله جل وعلا لصيام شهر رمضان، وما تقرب فيه إلى الرحمن سبحانه وتعالى من صيام وقيام وقراءة للقرآن ونفقة وإطعام وبر وإحسان، وغير ذلك من الطاعات والقربات التي يرجو برها ويرجو خيرها ويرجو نفعها عند الله سبحانه وتعالى. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾، أخبر الله جل وعلا أن الذي يعمل الأعمال الصالحة فهو يحرث في هذه الدنيا ما سيحصده في الآخرة. انظروا إلى هذا التشبيه البليغ، شبه الله عز وجل العامل والساعي في هذه الدنيا بالأعمال الصالحة كحال الحارث الذي يحرث الأرض ويزرعها، ثم يتعاهد زرعه حتى يكبر وينبت وتظهر ثماره، فينتفع بذلك انتفاعًا عظيمًا. وهكذا المؤمن الذي يستغل حياته ويستغل عمره في هذه الدنيا، فهو يحرث لآخرته بإحسان الأعمال وفعل الطاعات والقربات التي يرجو ثمرها ويرجو نفعها وأجرها عند الله سبحانه وتعالى. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾، فالله جل وعلا يضاعف له الأجور ويضاعف له الحسنات ويضاعف له ما عمل في هذه الدنيا من أعمال صالحات، فهو يسعى إلى أن يكون له زادًا عظيمًا يوم قيامة. ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾، هنيئًا لمن صحح الله جل وعلا له سعيه، من أراد الآخرة فلا بد أن تتوفر فيه هذان الشرطان: أما الأول فهو السعي، أن يسعى وأن يعمل وأن يجد وأن يجتهد وأن يجاهد نفسه في الله جل وعلا بلزوم الطاعات واجتناب المعاصي والمحرمات، والشرط الثاني أن يكون مؤمنًا، أن يكون مؤمنًا صادقًا مصدقًا مخلصًا لله في أعماله، فهو يريد ما عند الله سبحانه وتعالى من الجزاء والثواب، فهذا الذي يشكر الله سعيه ويجزل ويكثر الله سبحانه وتعالى له الفضل والجزاء. عباد الله، يقول الله جل وعلا بعد أن ذكر ثواب أهل الجنة وما لهم من النعيم العظيم في قوله سبحانه في سورة الإنسان: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ إلى أن قال جل وعلا: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾. إن هذا أي النعيم الذي أنعم الله جل وعلا به عليكم كان لكم جزاءً على ما أسلفتم من أعمال وما أسلفتم من طاعات وقربات، وكان سعيكم مشكورًا، شكر الله عز وجل لكم هذا السعي إذ أنكم سعيتم واجتهدتم وأخلصتم في أعمالكم، فكان لكم هذا الجزاء العظيم. وصدق نبينا عليه الصلاة والسلام حين قال: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». فهكذا أيها المسلم ينبغي عليك أن تحرص على سلامة هذه الأعمال وعلى صلاحها وعلى استمرارها حتى يبقى لك أجرها ويبقى لك نفعها وذخرها في الدنيا والآخرة، بالاستمرار على طاعة الله جل وعلا ولزوم الأعمال الصالحة واستغلال مواسم الخير. فإن المواسم مواسم الخير والطاعة لا تنتهي ولا تنقضي بانقضاء شهر رمضان، فهذا الشهر عباد الله قد استحب صيام الست منه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان ثم أتبعه ستة من شوال كانت صيام الدهر»، رواه مسلم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه. وهكذا إذا انتهى شهر رمضان فلم تنته العبادات والطاعات والأعمال الصالحات والسعي الذي سعيته فيه، فإن قيام الليل يستحب في سائر الأيام وفي سائر الليالي، فليكن لك نصيب من هذه العبادة ومن هذه الطاعة حتى تكون ممن قال الله فيهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. وهكذا عباد الله تلاوة القرآن وسماع كلام الرحمن سبحانه وتعالى، فإنه يستحب قراءته وتلاوته وسماع كلام الله جل وعلا في سائر الأوقات وفي سائر الأيام، فليكن لك ورد من كتاب الله تقرأه ولا تهجر كتاب الله سبحانه وتعالى، فتكون ممن قال فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام: «قال الله جل وعلا، وقال الرسول: يا ربي إن قومًا اتخذوا هذا القرآن مهجورًا». وهكذا سائر الطاعات وسائر العبادات، ألا فاحمدوا الله أيها المسلمون على ما من الله عز وجل عليكم من هذا الدين العظيم الذي هو أفضل الأديان وأكملها، بل هو ناسخ للأديان قبله وهو المهيمن عليها، فلا يقبل الله عز وجل دينًا سواه. قال الله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وقال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ولذلك عباد الله فإن اليهود والنصارى والمشركين يحسدوننا على هذا الدين الذي من الله سبحانه وتعالى به علينا، قال الله جل وعلا: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾. ولذلك هم يسعون بكل ما يستطيعون أن يصدوا المسلمين عن دينهم، بل وأن يرتدوا ويرجعوا عن هذا الدين الذي من الله سبحانه وتعالى به عليهم، قال الله جل وعلا: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾. ولذلك هم يسعون بكل ما يستطيعون ويبذلون وينفقون ويعطون من أموالهم ما يريدون بذلك الصد عن سبيل الله جل وعلا، لا يفعلون ذلك محبة لك أيها المسلم ولا رحمة لك ولا شفقة عليك، بل هم يبغضونك ويبغضون هذا الدين الذي من الله سبحانه وتعالى به عليك. ألا وانظروا في أعمالهم في المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ماذا فعلوا بالمسلمين من قتل وتشريد في البوسنة والهرسك وفي بورما وفي سوريا والعراق وغير ذلك من بلاد الإسلام. ولذلك عباد الله لا ينبغي للمسلم أن يغتر بأعداء الدين وما ينفقون ويبذلون ويعطون من أموال، فهم يريدون بذلك الصد عن سبيل الله جل وعلا، وربما اتخذوا شركاء في ذلك، ومن ذلك ما يكون عبر تلك المنظمات التنصيرية التي يقيمها أعداء هذا الدين لأجل إفساد أبناء المسلمين وبناتهم. عباد الله، لقد ظهر كثير من شر هذه المنظمات وظهر ما كان خافيًا وانكشف ما كان مستترًا من خبثهم ومن مكرهم ومن السعي إلى إفساد أبناء المسلمين وبناتهم، ومن ذلك ما يبدلون وبما ينفقون. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، هذا هو مقصدهم وهذه غايتهم، ليست محبة لك أيها المسلم. ألا فتعجب لذلك، هم لن يرضوا عنك إلا أن تترك دينك وأن تكون يهوديًا أو نصرانيًا، ألا فاحمد الله أيها المسلم وأيتها المسلمة على ما من الله سبحانه وتعالى عليك بهذا الدين، فلا تغتري أيتها المسلمة بما تسمعين من تلك العبارات التي يطلقها أعداء هذا الدين بأن المرأة المسلمة قد ظلمت بالإسلام وحرمت حريتها وحرمت من حقوقها، وهم الله كذابون أفاكون دجالون. إنما يريدون من المرأة المسلمة أن تتحرر من دينها وأن تتحرر من عقيدتها وأن تتحرر من عفتها وأن تتحرر من حيائها حتى تكون كالمرأة الغربية الكافرة التي لا قيمة لها ولا منزلة لها ولا شرف لها. فإن الإسلام حفظ للمرأة مكانتها منذ أن تكون بنتًا، فجعل لها حقوقًا وجعل على الأب من الحقوق من النفقة والصيانة والحماية لها حتى تكون زوجة، ثم جعل للزوجة حقوقًا على زوجها ورعاية، وكذلك أمورًا بها يكون حفظ هذه المرأة وصيانتها، ثم إذا صارت أمًا كان لها حقوق على أبنائها. هكذا عباد الله جعل الله عز وجل المرأة المسلمة عزيزة كريمة محترمة، بخلاف المرأة الكافرة فإنها ذليلة وإنها حقيرة ألعوبة في أيدي العابثين وفي أيدي الفاسدين. فهكذا يريد أعداء هذا الدين أن تكون المرأة المسلمة كحال المرأة الكافرة، ألعوبة في أيدي الخبيثين، فلذلك ينبغي علينا جميعًا أن نتنبه لمثل هذا الأمر وأن لا نغتر بما قد يدفعون وما قد ينفقون من لعاعة هذه الدنيا الفانية. فاحذروا أيها المسلمون وأيتها المسلمات أن تدفعوا فلذات أكبادكم إلى هؤلاء العابثين الذين يفسدون أبناء المسلمين وبناتهم. عباد الله، إن هذا اليوم العظيم هذا اليوم يوم عظيم من أيام أهل الإسلام، ينبغي للمسلم أن يشكر الله جل وعلا على نعمته وما من الله سبحانه وتعالى عليه من طاعته، وأن يستمر على الطاعة وأن يجتنب الذنوب والمعاصي، وأن يعلم أن الفرح ليس بفعل الذنوب والخطايا ولا بتضييع الواجبات والفرائض كما قد يفعل كثير من المسلمين. بل إن الفرح يكون بالأمور المباحة مما أباح الله جل وعلا، أن توسع على أولادك وعلى أهلك، وأن تجتنب معصية الله سبحانه وتعالى، وأن تلزم بفرائض الله جل وعلا. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يتقبل الله جل وعلا منا الصيام والقيام، اللهم تقبل صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا، اللهم واجعلنا من عتقائك من النار في شهر رمضان المبارك، اللهم واجعلنا ممن دخل عليه رمضان وخرج وقد غفرت ذنوبه وغفرت سيئاته، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أعِد علينا شهر رمضان أعوامًا عديدة وأزمنة مديدة، ونحن بصحة وعافية وأمن وإيمان، يا ذا المن والعطاء. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.