شرح كتاب الأصول الثلاثة 4

الدرس في شرح كتاب الأصول الثلاثة 4، الدرس الرابع :من :(والدليل قوله تعالى والعصر إن الإنسان لفي خسر ... أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الدليل من سورة العصر على المسائل الأربع

يستعرض الشيخ سورة العصر كدليل جامع على المسائل الأربع، مبيناً أن الإنسان في خسر إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر، وينقل عن الإمام الشافعي قوله إن هذه السورة لو نزلت وحدها لكفت الناس لاشتمالها على معرفة الله ودينه ونبيه والأعمال والدعوة والصبر.

أهمية العلم قبل القول والعمل والمسائل الثلاث الواجب تعلمها

يؤكد المقطع أن العلم مقدم على القول والعمل مستدلاً بسورة العصر وأقوال الإمام الشافعي والبخاري، ثم يبين ثلاث مسائل يجب على كل مسلم تعلمها: أن الله خلقنا ورزقنا وأرسل الرسل، وأنه لا يرضى بالشرك في العبادة، وأن المؤمن لا يوالي من حاد الله ورسوله.

غاية الخلق في عبادة الله وحده والنهي عن الشرك وموالاة أعدائه

يوضح المقطع أن غاية خلق الموت والحياة هي الابتلاء في العبادة لله وحده، فأنزل الكتب وأرسل الرسل للتبشير والإنذار، ويقرر أن الله لا يرضى أن يشرك به أحد في العبادة، وأن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله حتى لو كان قريباً.

أصل الدين وكلمة التوحيد

يقرر المقطع أن أصل هذا الدين هو كلمة التوحيد، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وهي الأساس الذي يقوم عليه الدين الإسلامي كله.

التفريغ النصي الكامل

طيب، نأخذ اليوم الدليل على هذه المسائل الأربع. ذكر الشيخ رحمه الله تعالى سورة العصر، فقال: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾. أي: الدليل على المسائل الأربع المتقدمة هذه السورة. فأول السورة يبتدئ بالقسم: ﴿ وَالْعَصْرِ ﴾، والعصر هو الزمان. أقسم الله عز وجل به لشرفه، والله تعالى يقسم بما شاء من خلقه من باب التكريم أو التعظيم أو التشريف. وأما المخلوق فلا يجوز له أن يقسم إلا بالله سبحانه وتعالى، لأن الحلف بغير الله شرك. حلف بغير الله شرك. فقوله: ﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾، ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾، فـ «إن» هنا في جواب ماذا؟ القسم. ﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾، فهذا جواب القسم، وجواب القسم مؤكد بمؤكدين: «إن» هذه معروفة أنها حرف توكيد، والثانية هي اللام، اللام التي جاءت في خبر «إن»، وهذه اللام تسمى اللام المزحلقة. فهذه المؤكدات التي جاء بها في جواب القسم. قال العلماء: يصلح إذا كان المخاطب منكراً لما احتمل عليه الكلام، أو منزلاً منزلة المنكر، فهذا يصلح أن يؤتى له بهذه المؤكدات؛ لكي يزيد انتباهه ويعظم إقراره لما احتمل عليه. فلذلك قال: ﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾. «الإنسان»: الف فيه للجنس، أي جنس الإنسان في خسارة عظيمة، إلا من اتصف بهذه الصفات الأربع وهي المذكورة في الآية بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾. فقوله: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يشمل هذا الإيمان بجميع أركانه: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره من الله تعالى. الإيمان عند أهل السنة قول وعمل واعتقاد: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح. وهذا الإيمان عند أهل السنة، وأيضاً الإيمان عندهم أنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وأدلة ذلك كثيرة، من قرأ مثلاً كتاب «القول المفيد» للشيخ محمد بن عبد الوهاب الواسابي يجد أدلة زيادة الإيمان وأدلة نقصان الإيمان في ذلك الكتاب المفيد، ينصح بقراءته وتعلمه. وأما قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾، قال: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ثم قال: ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾، مع أنا نقل أن الإيمان هو قول وماذا؟ وعمل. هو قول وعمل، فلماذا عطف الصالحات على الإيمان؟ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾. قالوا: من باب عطف الخاص على ماذا؟ على العام. من باب عطف الخاص على العام، وهذا كثير في القرآن ليدل على شرف ماذا؟ العمل الصالح. العمل الصالح له مزية، لهذا عطفه على الإيمان. فالعمل جزء من الإيمان وداخل في مسمى، جزء من الإيمان لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». فالإيمان أعمال، إذا كلما ارتقى الإنسان في أعمال الإيمان زاد إيمانه. فداخل في مسمى وهي الجزء منه. تركوا العمل، تركوا الأعمال، تقدم منها ما يكون كفراً، ومنها ما يكون ماذا؟ معصية. فالصلاة مثلاً تركها ماذا؟ كفر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل والكفر أو الشرك ترك الصلاة». من الأعمال من إذا تركها يكون صاحبها كافراً، ومن الأعمال من إذا تركها لا يكون صاحبها كافراً بل يكون عاصياً. ثم قال: ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾، يوصي بعضهم بعضاً بالحق، بلزوم الحق واتباعه. ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾، يوصي بعضهم بالصبر. الصبر له أنواع ثلاثة: صبر على طاعة الله، صبر عن معصية الله، صبر على أقدار الله المؤلمة. وكل هذا من خصائص أهل الإيمان، أنهم يوصي بعضهم بعضاً بهذا. ثم ذكر رحمه الله كلام الإمام الشافعي. الشافعي معروف، إمام مشهور من أئمة هذا الدين، وهو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، وهو هاشمي مطلبي. وقد ترجم له الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في «السير» في المجلد العاشر في أوله، ترجمة حافلة. قال رحمه الله: «لما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم». وهذا يدل على دقة فهم لهذا الإمام، أن هذه السورة وهي سورة العصر، يقول: «لما أنزل الله تعالى على خلقه حجة إلا هي لكفى بها». لماذا؟ قال: لأنها اشتملت على كل ما يدل الخلق على ربهم ويقودهم إلى اتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد شملت معرفة الله، ومعرفة دينه، ومعرفة نبيه صلى الله عليه وسلم، شملت الأعمال، وشملت الدعوة، وشملت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على ذلك. هذا ما فهمه الإمام رحمه الله تعالى من هذه السورة. ولهذا قال: «لما أنزل الله حجة»، وليس يعني في بعض النسخ بعضهم يقول: «لما أنزل الله إلا هذه السورة لكفتهم»، وهذا غير صحيح؛ لأن ليس هذه السورة فقط كافية الناس في جميع العقائد وماذا؟ والأعمال والأحكام، لأن القرآن فيه سور أخرى فيها أحكام وفيها أيضاً عقائد. لكن القول الصحيح: «لما أنزل الله حجة»، هذه السورة تعتبر حجة لأنها فيها الأمر بالإيمان، أن الناس في خسر إلا من اتصف بصفات أربع: الإيمان والعمل الصالح، الإيمان والعمل الصالح، وعليه مدار الدين. ثم ماذا؟ يعني علم وعمل، لأن الإيمان هو علم، الإيمان كما تقدم أنه ماذا؟ علم، يبني على العلم الاعتقاد، هذا مبني على ماذا؟ على العلم، حتى يكون الإيمان صحيحاً. فإشارة إلى العلم، ثم العمل، علم وعمل، والدعوة وهي ماذا؟ تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، والصبر على الأذى فيه. لهذا دل المؤلف رحمه الله تعالى على المسائل الأربع بالسورة. ماذا قال؟ ولهذا ذكر كلام الإمام الشافعي: «لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم»، لأنها شملت العلم والعمل والدعوة والصبر على الأذى في الدعوة. هذه المسائل الأربع المهمة. لهذا من فهمها كما فهم الإمام الشافعي هذه السورة، استنتج منها معاني كثيرة، والله يوفق ويعلم من يشاء من العباد. ثم ذكر رحمه الله كلام الإمام البخاري، فقال: «باب العلم قبل القول والعمل والدليل». أي: كأن هذا من كلام الإمام البخاري. وأما الذي في صحيح البخاري فهو اختلاف يسير على ما ذكره المؤلف. البخاري قال: «باب العلم قبل القول والعمل»، لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل. فقط أشياء يعني: زاد المؤلف كلمة «والدليل» ليس بالبخاري «والدليل»، وإنما «لقول الله تعالى». ولكن هذا الاختلاف لا يضر؛ لأن «لقول الله» معناه: والدليل على أنه يبدأ بالعلم قبل القول والعمل، لأن العلم هو الذي يصحح العبادة، يصحح قولك ويصحح عملك. فالإمام البخاري رحمه الله تعالى عندكم ماذا؟ «باب العلم قبل القول والعمل». تمام؟ صعبها: «باب العلم قبل القول والعمل» من كلام الإمام البخاري، وقد صدق البخاري في تبويبه. فالعلم إذا كان قبل القول والعمل نفع صاحبه ونجى به يوم القيامة، لأن عبادته تكون مبنية على العلم، عبادته مبنية على العلم. بخلاف من لم يعبد الله عز وجل على ماذا؟ على علم، وإنما عبده على جهل، فإنه ربما عمل أعمالاً كثيرة تضر به، ويدخل فيه البدع، مثل ما ابتدعت النصارى الرهبانية، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ﴾. يقول أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: «مثقال ذرة مع بر ويقين أعظم عند الله من أمثال الجبال عبادة من المغترين». يعني بعضهم يغتر بكثرة العبادة فيعمل أعمالاً ليست في السنة. يقول: «مثقال ذرة» يعني لو حاجة بسيطة، «مثقال ذرة مع بر ويقين» يعني مع إخلاص ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، أعظم عند الله من عبادة المغترين، يعني من كثرة العبادة على جهل، عبادة مبنية على جهل. وأكثر حال الناس في هذا الزمان - لما رحم الله - يعني ماذا؟ فالصوفية وغيرهم أن عبادتهم مبنية على جهل، فلابد من تصحيح. وهذا الأثر رواه أحمد في «الزهد». ولابد من العلم لصحيح العقيدة، صحيح الأقوال، صحيح الأعمال، صحيح العبادة، صحيح طريقك إلى الله سبحانه وتعالى. بهذا نكون انتهينا من الفقرة الأولى. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: «اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم هذه الثلاث المسائل والعمل بهن: الأولى: أن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملاً، بل أرسل إلينا رسولاً، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار. والدليل قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَىٰ فِرْعَوْنَ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا ﴾. الثانية: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. والدليل قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾. الثالثة: أن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز لهم موالاة من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب. والدليل قوله تعالى: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾». الآن ذكر ثلاث مسائل أخرى يجب على كل مسلم ومسلمة يتعلمها. ما هي المسألة الأولى؟ يقول: إن الله خلقنا ورزقنا ولم يتركنا هملاً. هل في أدلة على هذا؟ نعم، في أدلة منها قوله تعالى: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ﴾، وقوله تعالى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾. فمعنى هذه الآية: هل تحسبون أن خلقناكم لغير حكمة وغاية؟ فالله عز وجل خلق الخلق لحكمة وغاية. ما هي الحكمة من خلق الخلق؟ العبودية، أن الناس يعبدونه، الجن والإنس. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾. هذه هي الحكمة والغاية من خلق الجن والإنس. ﴿ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴾. وكذلك قال سبحانه: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾، هو العبادة لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. ولأجل تحقيق هذه الغاية فإن الله سبحانه وتعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب، كيف يعبدون الله سبحانه وتعالى كما أراد إلا عن طريق البلاغ؟ والبلاغ يختص بالرسل عليهم الصلاة والسلام، والرسل ماذا؟ أنزل الله عز وجل عليهم كتباً، فإذا ماتوا بقيت الكتب، يتعلمون منها ويكون دينهم محفوظاً في هذه الكتب السماوية. فلأجل تحقيق العبادة أنزل الله الكتب وأرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام. ولهذا ذكر المؤلف هذه الآية، الدليل على هذه المسألة: أن الله لما خلقنا لم يتركنا هملاً، لما خلقنا لعبادته لم يتركنا هملاً بأن أرسل إلينا الرسل. والدليل: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا ﴾. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا ﴾. وقال سبحانه: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾. ما معنى البشارة؟ معنى أنه يبشرهم بأنهم إن أطاعوا دخلوا الجنة. والنذارة: معنى أنه ينذرهم ويحذرهم إن عصوه دخلوا النار. وهذا معنى كلام المؤلف رحمه الله تعالى. قال: فمن أطاعه، أي أطاع الرسول، دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار. والدليل أيضاً: ﴿ فَعَصَىٰ فِرْعَوْنَ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا ﴾، أي: أن من عصى الرسول إما يؤخذ بالعذاب والعقوبة في الدنيا، فإن لم يؤخذ فأخذ بماذا؟ في الآخرة. ﴿ فَعَصَىٰ فِرْعَوْنَ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا ﴾. أخذ الله فرعون في الدنيا، ويوم القيامة سيأخذ فرعون، لما سيأخذ؟ سيأخذ بالعذاب. ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾. ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ﴾، هذا في البرزخ. ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾، وهي جهنم أشد العذاب. فإذا فرعون عاصر رسول، عاقبته أنه عوقب في الدنيا، أخذه الله نكال الأولى والآخرة، وفي القبر معذب، ويوم القيامة أيضاً سيصلى النار، وبئس المصير. ثم المسألة الثانية: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته. الدليل على ذلك: أن الله عز وجل لا يرضى لأحد من الناس أن يشرك معه أحداً آخر في العبادة. ما الدليل على أن الله لا يرضى الكفر لعباده؟ قوله سبحانه وتعالى في سورة الزمر: ﴿ إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾. لماذا؟ لأن العبادة حق محض لله عز وجل، لا يجوز صرفها لملك مقرب ولا لنبي مرسل. وهذا معنى ما ذكره المصنف، فقال: «لا أن يشرك معه أحد في عبادته، لا ملك مقرب، مثل من؟ ملك مقرب جبريل، والنبي المرسل مثل من؟ النبي صلى الله عليه وسلم». فلا يجوز أن يعبد جبريل، ولا يعبد أيضاً رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكانتهما وتعظيمهما عند الله سبحانه وتعالى. فإذا كان هؤلاء لا يجوز صرف شيء من العبادة لجبريل عليه السلام ولا للنبي صلى الله عليه وسلم، فغيرهما من باب أولى. فغيرهما من باب ماذا؟ ما هو الدليل على أن العبادة حق محض لله سبحانه وتعالى ولا يجوز أن يصرف شيء منها لغير الله سبحانه وتعالى؟ المؤلف ذكر آية، قال: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾، وأنه في سورة الجن. ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ﴾، ما معنى المساجد؟ يعني السجود، مواضع السجود، لا يجوز أن تسجد لأحد. ﴿ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾. انتبه: ﴿ أَحَدًا ﴾، وهذا نكرة في سياق النهي، فماذا؟ تفيد العموم. ﴿ لَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾ في سياق النهي تفيد العموم. قال القرطبي: «قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾، هذا توبيخ للمشركين في دعائهم مع الله غيره في المسجد الحرام، توبيخ». وقال مجاهد: «كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم - يعني دور العبادة - أشركوا بالله، فأمر الله نبيه والمؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا المساجد كلها». انتهى كلامه رحمه الله من التفسير. فإذا دخلت أي مسجد فعليك أن تدعو، أي مكان إذا دعوت ادعُ الله سبحانه وتعالى واخضع له. مسألة مهمة فيها التحذير من الشرك والأمر بإخلاص التوحيد لله سبحانه وتعالى. فهذه مسألة مهمة من المسائل. المسألة الثالثة: يقول: أن من أطاع الرسول ووحد الله لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب. والدليل قوله تعالى: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾... آية هنا. المؤلف أشار إلى أن من تقرب إلى الله عز وجل بطاعته ووحده، وكذلك أطاع رسوله صلى الله عليه وسلم، لا يجوز له أن يوالي من يحاد، من يحاد الله ورسوله، يعني يوالي الكفار، لا يجوز له موالاة الكفار لأنهم محادون لله ورسوله. فما معنى الموالاة؟ الموالاة معناها: أصلها أولاً، أصلها من الولاية. الموالاة أصلها من الولاية، ومعناها: المحبة والنصرة والتأييد. معناها: محبة ونصرة وتأييد. أصل هذا الدين وهي كلمة التوحيد، هذا الدين وكلمة التوحيد: لا إله إلا الله،