التعليق على تقريب التدمرية 54

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 54، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

تعريف التأويل لغة واصطلاحاً وأقسامه الثلاثة

يشرح هذا المحور معنى التأويل لغةً بأنه الرجوع إلى الغاية، واصطلاحاً برد الكلام إلى مراده بشرح معناه أو حصول مقتضاه، مستعرضاً ثلاثة معانٍ له: التفسير، ومآل الكلام إلى حقيقته، وصرف اللفظ عن ظاهره لدليل. ويؤكد أن التأويل الصحيح مقيد بالكتاب والسنة وفهم السلف، مبيناً بطلان تأويلات أهل البدع في الصفات لخروجها عن هذه الضوابط.

معاني التأويل الثلاثة في الشرع: التفسير والوقوع والامتثال

يستعرض هذا المحور ثلاثة معانٍ للتأويل في الشرع: الأول التفسير والبيان كما في تأويل الرؤى ودعاء النبي لابن عباس، والثاني مآل الكلام إلى حقيقته في أخبار الله عن صفاته وأحوال الآخرة، والثالث تأويل الطلب وهو امتثال الأمر الوارد في الشرع.

النوعان القرآنيان للتأويل: تأويل الخبر وتأويل الأمر

يخصص هذا المحور الحديث عن التأويل في القرآن بكونه نوعين: تأويل الخبر وهو وقوعه وحصول حقيقته يوم القيامة كالبعث والنعيم والعذاب، وتأويل الأمر والطلب وهو امتثاله والعمل به كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول سورة النصر ومثل من يجتنب الربا امتثالاً لتحريم الله.

التأويل العملي بالامتثال والتأويل الغيبي بيوم القيامة

يؤكد هذا المحور على نوعين للتأويل: الأول بمعنى الامتثال العملي فالمؤمن يتأول أوامر الله بفعلها ونواهيه بتركها، والثاني بمعنى وقوع حقيقة الأمور الغيبية المذكورة في الوحي كرؤية الله يوم القيامة، فهي معلومة المعنى مجهولة الكيفية في الدنيا ولا يتحقق تأويلها الحقيقي إلا يوم القيامة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: فصل في التأويل. قال: التأويل لغة: ترجيع الشيء إلى الغاية المرادة منه، من الأول وهو الرجوع. وفي الاصطلاح: رد الكلام إلى الغاية المرادة منه بشرح معناه أو حصول مقتضاه. ويطلق على ثلاثة معانٍ: المعنى الأول: التفسير، وهو توضيح الكلام بذكر معناه المراد به. ومنه قوله تعالى عن صاحبي السجن يخاطبان يوسف: ﴿ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». وسبق قول ابن عباس رضي الله عنهما: «أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله». ومنه قول ابن جرير وغيره من المفسرين: تأويل قوله تعالى كذا وكذا، أي تفسيره. والتأويل بهذا المعنى معلوم لأهل العلم. المعنى الثاني: مآل الكلام إلى حقيقته. فإن كان خبراً فتأويله نفس حقيقة المخبر عنه، وذلك في حق الله تعالى كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره. وإن كان طلباً فتأويله امتثال المطلوب. مثال الخبر: قوله تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ﴾، أي: ما ينظر هؤلاء المكذبون إلا وقوع حقيقة ما أخبر به من البعث والجزاء. ومنه قوله تعالى عن يوسف: ﴿ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ﴾. ومثال الطلب: قول عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن»، أي: يمتثل ما أمره الله به في قوله: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾. وتقول: فلان لا يتعامل بالربا، يتأول قول الله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾. والتأويل بهذا المعنى مجهول حتى يقع فيدرك واقعاً. فأما قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ﴾، فيحتمل أن يكون المراد بالتأويل فيها التفسير، ويحتمل أن يكون المراد به مآل الكلام إلى حقيقته، بناءً على الوقف فيها والوصل. فعلى قراءة الوقف عند قوله: ﴿ إِلَّا اللَّهُ ﴾ يتعين أن يكون المراد به مآل الكلام إلى حقيقته، لأن حقائق ما أخبر به عن نفسه وعن اليوم الآخر لا يعلمها إلا الله عز وجل. وعلى قراءة الوصل يتعين أن يكون المراد به التفسير، لأن تفسيره معلوم للراسخين في العلم، فلا يختص علمه بالله تعالى. فنحن نعلم معنى الاستواء أنه العلو والاستقرار، وهذا هو التأويل المعلوم لنا، لكننا نجهل كيفيته وحقيقته التي هو عليها، وهذا هو التأويل المجهول لنا. وكذلك نعلم معاني ما أخبرنا الله به من أسمائه وصفاته، ونميز الفرق بين هذه المعاني، فنعلم معنى الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر ونحو ذلك، ونعلم أن الحياة ليست هي العلم، وأن العلم ليس هو القدرة، وأن القدرة ليست هي السمع، وأن السمع ليس هو البصر، وهكذا بقية الصفات والأسماء. لكننا نجهل حقائق هذه المعاني وكنهها الذي هي عليه بالنسبة لله عز وجل. وهذان المعنيان للتأويل هما المعنيان المعروفان في الكتاب والسنة وكلام السلف. ثم ذكر المعنى الثالث: وهو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقتضيه، وسيأتي إن شاء الله الكلام عنه. ذكر المصنف رحمه الله تعالى في هذا الفصل التأويل، جعل هذا الفصل في بيان التأويل في تعريفه لغة واصطلاحاً، وذكر أقسامه الصحيح منها والفاسد، وهذا ليرد على أهل البدع، وليبين أن تأويل أهل البدع يخالف كل ما ثبت صحة تأويله، فليس هو من التأويل الذي بمعنى التفسير، وليس هو من التأويل الذي هو بمعنى مآل الأمر إلى حقيقته، وليس هو من التأويل الذي دل عليه الدليل صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح بدليل. وليس تأويلهم من هذا، فتأويل أهل البدع للنصوص الصفات لا يشمل أحد هذه الأنواع التي جاءت شرعيتها إما في الكتاب والسنة، أو اصطلح عليه بشروطه وضوابطه التي يكون معها ذلك التأويل صحيحاً بدليله الذي دل عليه، فيصرف اللفظ عن الظاهر إلى المعنى الآخر وهو ما يسمى بالمؤول، ويصرف المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لكن بدليل دل على ذلك. فتأويل أهل البدع ليس من هذا في شيء. فذكر هذا الفصل رحمه الله تعالى لبيان هذا الأمر. ذكر تعريف التأويل لغة: قال: ترجيع الشيء إلى الغاية المرادة منه، من الأول. آل يؤول أولا إذا رجع. آل الأمر إلى كذا أي رجع إلى كذا. فالتأويل ما أخوذ من الأول وهو الرجوع. آل يؤول أولا إذا رجع. آل الأمر إلى كذا أي رجع إلى كذا. وعرفه في الاصطلاح على ما جاء تعريفه في الشرع، فقال رحمه الله تعالى: وفي الاصطلاح: ردوا الكلام إلى الغاية المرادة منه بشرح معناه. وهذا قد جاء في الشرع بمعنى التفسير، وهو التفسير: شرح الكلام. لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً، ﴿ الْقُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا ﴾، فما أجمل في موضع بين في موضع آخر، فالقرآن يفسر بعضه بعضاً. وهكذا السنة تفسر القرآن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل ليبين للناس ما نزل إليه من ربه، وهو هذا الكتاب العظيم. فإذا شرح معنى اللفظ وفسر فهو بمعنى التفسير، ويقال: تأويل كذا، أي تفسيره، لدلالة الدليل عليه إما من الكتاب أو السنة، وشرح معناه المراد. قال: أو حصول مقتضاه. وهذا التفسير الثاني بالتأويل الذي جاء في الشرع وثبت في الكتاب والسنة، والذي كان معروفاً عند السلف، وهو ما آل الأمر إلى حقيقته وحصول مقتضاه. ﴿ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ﴾، يعني حصلت كما رأيت، وقعت، فهذا الذي وقع تأويل ذلك الذي رآه، كما في قصة يوسف: رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رآهم له ساجدين. لما حصل ذلك سجد أبواه على العرش، سجود تحية، كان جائزاً في شرع من قبلنا، يعني سجود تحية. بهذا النوع وبهذه الكيفية وقعت تلك الرؤية. وقوع هذه الرؤية يقال لها تأويل. ﴿ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ ﴾، هذه الحقيقة حصلت ووقعت وحدثت، فهذا عليه القرآن. هذا التأويل وهذا المعنى: حصول الأمر على حقيقته وكيفيته ووقوعه يقال له تأويل. تأويل إما بحصول ذلك المخبر عنه وأنه سيقع فيقع، أو كذلك فعله وهو الامتثال. يتأول القرآن أي يمتثل القرآن، يمتثل الأمر في الإكثار من قول: سبحانك اللهم ربنا وبحمده، اللهم اغفر لي، لأن الله أمره بذلك، فهو يتأول بمعنى يمتثل ذلك. ففي الأمر امتثاله، وفي الخبر وقوعه. وقوع الخبر تأويله، وقوع الخبر الذي أخبر به وقوعه تأويله، وفعل الأمر هو تأويله، كذلك فعل الأمر وامتثاله تأويله. هذان المعنيان ثابتان في الكتاب والسنة لمعنى التأويل: إما بمعنى التفسير، وإما بمعنى وقوع ذلك، حصول المقتضى. وهذا الذي فسره به رحمه الله تعالى اصطلاحاً هو ما دل عليه نصوص الشرع كما سيأتي ذكره فيما ذكر رحمه الله تعالى. ثم ذكر أن التأويل يطلق على ثلاثة معانٍ: التأويل يطلق على ثلاثة معانٍ. المعنى الأول: التفسير. وهذا جاء في الشرع، وهو توضيح الكلام بذكر معناه المراد به. تفسير الكلام. قالوا: منه قوله تعالى عن صاحبي السجن يخاطبان يوسف: ﴿ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾، يعني: نبئنا بتفسيره. ففسر لهم يوسف عليه السلام تلك الرؤيا، نعم تلك الرؤيا التي رؤيت لهما، فسرها يوسف عليه الصلاة والسلام، فقالوا له: نبئنا بتأويله، ماذا يريد؟ نبئنا بتأويله يعني بتفسير هذا، بماذا تفسيره؟ بماذا تأول هذه الرؤية؟ ماذا تفسيرها؟ فمعنى تأويل الأحلام أي تسير الأحلام، ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ﴾، أي بتسيرها، بتسيرها. فمعنى التأويل والتأويل يطلق ويراد به التفسير. وهذا آخذ في دعاء النبي عليه الصلاة والسلام لابن عباس رضي الله عنهما: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»، وعلمه التأويل أي علمه التفسير، علمه التفسير. وكما قال ابن عباس: «أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله»، أي تفسيره، أي تفسيره. فكان رضي الله تعالى عنهما، أي ابن عباس، من العلماء البارزين في التفسير، حتى ذكر عنه أنه فسر سورة النور، فسر سورة النور، قال الصحابي: «لو سمع بها الترك والعجم لأسلموا من شدة تفسيره لسورة النور، ببيان ما ذكر فيها من الأحكام وغير ذلك». فهو من الذين فقههم الله جل وعلا في دينه وفي تفسير كتابه، وذلك ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم له، فكان حبر الأمة وترجمان القرآن، ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. ومن قول ابن جرير رحمه الله وغيره من المفسرين: يقولون تأويل قوله تعالى كذا وكذا، ويريدون تفسير قوله تعالى كذا وكذا. يذكرون الآية ويريدون تأويل قوله تعالى كذا وكذا، يعني تفسير هذا الكلام المذكور في هذه الآية، تفسير هذه الآيات، وتأويل هذه الآيات أي تفسيرها. فإذا هذا المعنى الأول للتأويل، وأن التأويل يطلق على هذا المعنى وهو التفسير. وذكر المعنى الثاني رحمه الله تعالى للتأويل: قال مآل الكلام إلى حقيقته. فإن كان خبراً فتأويله نفس حقيقة المخبر عنه، وذلك بحق الله تعالى كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره. ما أخبرنا الله جل وعلا به عن نفسه في كتابه: أن له صفة الوجه، صفة اليدين، والصفات الأخرى، وأن له ذاتاً تليق به جل وعلا. هذه الأخبار التي أخبرنا الله جل وعلا بها في كتابه، وأخبرنا بها النبي عليه الصلاة والسلام في سنته، تأويلها الحقيقة التي تكون عليها: حقيقة صفة الوجه وكيفيتها، وحقيقة صفة اليدين وكيفيتها، نعم وصفة السمع والبصر، حقائق هذه الصفات والكيفيات التي هي عليها، هذه تأويلها حقيقتها اللائقة بالله جل وعلا، وهي الكيفية التي تليق بالله جل وعلا، تأويل هذه الصفات. نعم بمعنى الحقيقة التي هي عليها والكيفية التي عليها، والكيفية التي عليها هذه الصفات، كيف هي هذه؟ لا تعلم. هذا مما اصطفى الله جل وعلا به نفسه، لا يعلم ذلك لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، لا يعلم أحد حقيقة كيفيات الصفات، وإنما العباد يعلمون ثبوت هذه الصفات لله جل وعلا ومعناها بأنها سميت بأسماء بلغة العرب، هذه الصفات فهي معلومة المعنى ومجهولة الكيفية. فالحقيقة التي تؤول إليها صفات رب العالمين جل وعلا هي الكيفية التي عليها الله جل وعلا في صفاته، وهذه مجهولة، وهذه مجهولة لا يعلمها أحد. ولذلك قال رحمه الله تعالى: المعنى الثاني: مآل الكلام إلى حقيقته. فإن كان خبراً فتأويله نفس حقيقة المخبر عنه، وذلك بحق الله كنه ذاته وصفاته، أي كيفيتها التي لا يعلمها غيره. وإن كان طلباً فتأويله امتثال المطلوب. وكذلك كذلك كما تقدم ما يتعلق بالحقائق التي تكون عليها تلك الأخبار التي أخبرنا بها في القرآن والسنة من أمور الغيبية لتقع يوم القيامة: من الصراط والحشر والميزان والجنة والنار والعذاب والنعيم، كيف هو الكيفية التي عليها الجنة والنار والعذاب والصراط؟ حقيقة الكيفية هذه كذلك مجهولة، كيفياتها مجهولة، وإنما يوم القيامة تدرك، تدرك هذه واقعاً، تدرك هذه واقعاً، وذلك في يوم القيامة نعرف كيفية الصراط لأننا سنرى الصراط، وسنرى الجنة، نعم بإذن الله ورحمته وفضله، نجعلنا من أهلها. نعم، وسيرى أهل الشقاء والعياذ بالله النار، والحقيقة التي هي عليها، يعلمون نار جهنم، نار معروفة، نار جهنم معروفة، كل عربي يعرف معنى النار، لكن الكيفية، كيف كيف هذه النار؟ نار جهنم، من يقول هي كذا؟ ما أحد يستطيع. لكن متى تعلم هذه الكيفية؟ حين تدرك، والعياذ بالله، وسيدرك ذلك الكفار والمشركون والمنافقون حين يعذبون بتلك النار، فيدركون حقيقتها وكيفيتها. وأهل النعيم والجنة، وأهل الجنة يدركون النعيم في الجنة على حقيقته وكيفيته، وإلا الآن ما ندري، لأن ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. إذن كيف نقول؟ حتى ما مهما خطر على قلوبنا ما خطر من خواطر، ومهما حاولنا نعرف قدر هذا النعيم كيف هو، مهما خطر على قلوبنا من خواطر لا يمكن نصل لحقيقة ذلك النعيم وكيفية ذلك النعيم في الجنة، لأنه لا يخطر على قلب بشر، ولا أذن سمعت، ولا كذلك خطر على قلب بشر، ولا عين رأت. إذن كيف تعرف الكيفية؟ لا يمكن. فإذن تأويل هذه الحقائق، نعم كيفيتها التي عليها، وهذه تدرك يوم القيامة، وهذه تدرك يوم القيامة، تدرك النار والعياذ بالله، ويدرك جحيمها وعذابها، وتدرك الجنة كيفيتها ونعيمها وما فيها من الحور العين وغير ذلك. فهذا أيضاً معنى آخر للتأويل وهو مآل الكلام إلى حقيقته في الأخبار: حصول تلك الأمور على الكيفية التي هي عليها، وإدراك تلك الأمور واقعاً على الكيفية التي عليها. فإذا حصل ذلك سمي ذلك تأويلاً، بهذه الأخبار أدركت واقعاً فكان تأويلاً لها. والتأويل قال كذلك يأتي بمعنى في هذا المعنى بامتثال الطلب: ذلك كان خبراً حصوله ووقوعه على الكيفية التي هو عليه، وإذا كان طلباً فتأويله امتثال المطلوب، تأويله امتثال المطلوب. قال: مثال الخبر قوله تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ﴾، أي: ما ينظر هؤلاء المكذبون إلا وقوع حقيقة ما أخبر به من البعث والجزاء. المكذبون للبعث ينكرون البعث، ينكرون البعث ويستبعدون ذلك، كما جاء ذلك إلى النبي عليه الصلاة والسلام بعض الأعراب، وائل، وقال المعسلم: «أ يحيي هذا ربك بعدما أرم؟» قال المعسلم: «نعم يحييه، ثم يميتك، نعم، ثم يدخلك نار جهنم». ونزل في هذا قول الله جل وعلا: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾. هؤلاء الذين استبعدوا البعث وأنكروا البعث، فحين يعاينونه يوم القيامة حقيقة ويدركونه واقعاً، نعم يعلمون ذلك ويتحسرون ويتندمون: ﴿ يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ﴾، عاينوا البعث الآن، فتولولوا، خرجوا من قبورهم على هذا الحال: ﴿ يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ﴾، كان ينكروا البعث، وظنوا أنهم لن يبعثوا: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ﴾، ﴿ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ﴾. فإذا أدرك المكذبون للبعث البعث وعاينوه، وعاينوا الجزاء والعذاب، فهذا تأويل ذلك الذي أخبروا به ولكن لم يصدقوا ولم يؤمنوا به. نعم. وكما أن أهل النعيم سيدركون ذلك النعيم الذي صدقوا، صدقوا ما وعدهم الله جل وعلا به، ولذلك حين يدركون ذلك واقعاً في قبورهم، حين يتنعمون وحين يبعثون، يقولون: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَنَا الرَّحْمَانُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴾. انظروا الفرق بين القولين: قول المنكر للبعث حين يعاينون ذلك ويدركون ذلك واقعاً وهو تأويل هذا الخبر، كيف يكون حالهم، وحال المصدقين الذين صدقوا وعد الله وما أخبر رسوله عليه الصلاة والسلام: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَنَا الرَّحْمَانُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴾. فهذه الأخبار حين تقع من البعث يوم القيامة والجزاء: حصول النعيم، حصول العذاب، أو المر على الصراط، أو الموقف بين يدي الله عز وجل، ودنو الشمس. أخبرنا نحن بأن الشمس ستدنو يوم القيامة، قد رميل، ويصيب الناس من حرها الغم الشديد. أخبرنا بذلك. تأويل هذا الخبر، تأويل هذا الخبر ما هو؟ حصوله حين يحصل يوم القيامة، هذا سندركه واقعاً، هذا سندركه واقعاً. سنقف بين يدي الله جل وعلا، وتدنو الشمس من رؤوس الخلائق، قد رميل، ويصيب الناس الكرب الحر، منهم من يصيبهم إلى أنصاف آذانهم، ومنهم إلى حقويهم، ومنهم إلى تراقيهم، إلى آخر ما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فحقيقة ذلك ووقوع ذلك يوم القيامة هو تأويل، تأويل لهذا الخبر الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. وكل ما جاء الخبر عنه والخبر به في الكتاب والسنة، فإذا حصل يوم القيامة فذلك تأويل، تأويل لهذا المخبر عنه في الكتاب أو السنة أنه حق. فالله جل وعلا قوله الحق، ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ﴾، وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام، بل جاء بالحق وصدق المرسلين. قال: ومنه قوله تعالى عن يوسف: ﴿ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ﴾. قال: هذا يوسف لما حصل، لما حصلت تلك الرؤية على حقيقتها، هو رأى الرؤية كما تقدم، التي رآها من سجد الشمس والقمر، أحد عشر كوكباً سجدوا له، رأى ذلك في المنام، أخبر أباه بذلك، نعم، إلى آخر ما جاء في سورة يوسف. لما حصل ذلك، تولى ملك مصر، نعم، وحصل السجود من أبويه، خر أبوه على العرش، قال لأبيه: هذا تأويل رؤياي، كان يقول له تلك الرؤية التي قصها عليه، هل تأويلها يعني وقعت؟ وقعت، وقعت، وقعت صارت واقعة. وهذا ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يراه في المنام من الرؤى، ما يراه في المنام من الرؤى، كما قالت عائشة: «ما رأى رؤية إلا جاءت مثل فلق الصبح»، إلا جاءت مثل فلق الصبح. فحصول هذه الرؤية مثل فلق الصبح هو تأويلها، تأويل تلك الرؤية التي رآها، فهذا من أمثلة إتيان التأويل بمعنى ما يكون في الخبر بحصول تلك الحقيقة التي هي عليها. قالوا: مثال الطلب: قول عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن»، أي: يمتثل ما أمره الله به في قوله: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾. الرسول لما نزلت عليه هذه السورة، هذه السورة فيها نعي النبي عليه الصلاة والسلام، وهي علامة على قرب رحيله، نعم، هذا الذي دل عليه الدليل. ولذلك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، لما كان عمر يدخله مع الشيوخ ومع الكبار، أخذ بعض الصحابة في أنفسهم، لماذا يدخل عمر ابن عباس ولهم أولاد في سن ابن عباس؟ لماذا خص ابن عباس الدخول؟ فأراد عمر أن يبين لهم لماذا يدخل ابن عباس مع مشيخة بدر، ومع هؤلاء أهل الحل والعقد، نعم. فجاء ذات يوم يسألهم، يسألهم هذا السؤال: ماذا تعلمون عن قول الله جل وعلا: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾؟ فأجاب بعض الصحابة بأن هذا فيه ذكر الفتح، فتح مكة، نعم، وما من الله جل وعلا به على أهل الإسلام. فقال عمر: ماذا تقول يا ابن عباس؟ ما تقول بهذا يا ابن عباس؟ فقال ابن عباس: هذه السورة فيها الإخبار بقرب رحيل النبي عليه الصلاة السلام، ففيها نعي رسول الله عليه الصلاة السلام، وبيان قرب أجله، وفيها ذكر أجل النبي عليه الصلاة السلام أنه سيلحق بالرفيق الأعلى. قال: «ما أعلم منها إلا هذا، يا ابن عباس، ما أعلم منها إلا ما علمت». فعلم بعد ذلك الصحابة، ظهر عن الكبار لماذا كان عمر يدخل ابن عباس، لأنه قد فقه الله جل وعلا في دينه، نعم، وذلك كان من يستحق أن يدخل مع هؤلاء، لأن العبرة بالعلم. فالشاهد من هذا: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما نزلت عليه هذه السورة، كما قالت عائشة، كان يكثر في ركوعه، يعني حين يركع في الصلاة، يقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، وهكذا في السجود. فلحظت منه ذلك عائشة رضي الله تعالى عنها، فقالت: يتأول القرآن، يتأول القرآن، يعني يمتثل القرآن، ويمتثل هذا الأمر الذي جاء في القرآن: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ﴾، فيه الأمر بالتسبيح والتحميد، فكان عليه الصلاة يسبح ربه ويحمده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن، أي يمتثل ما أمره الله جل وعلا به. فالتأويل إذا كان طلباً، نعم، فتأويله امتثاله، تأويله امتثاله، وفي الخبر وقوعه. وقال رحمه الله تعالى: وتقول: فلان لا يتعامل بالربا، يتأول قول الله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾. يعني: فلان لا يتعامل، لا يضع ماله في البنك، ولا يتعامل بمعاملات الربوية، ولا غير ذلك، يتأول القرآن، يعني يمتثل القرآن، أن القرآن جاء فيه أنه، يعني الربا، ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾. فالذي يبتعد عن الربا ويترك التعامل بالربا، هذا يتأول القرآن، يعني يمتثل ما جاء في القرآن. وهكذا الذي يترك شرب الخمر، وهكذا الذي لا يتعامل بالرشاوى، يتأول السنة، ما جاء عن النهي عن الرشوة، ولا عن المرتشي والرائش والمرتشي، نعم، والراشي، وهكذا. فكل من ابتعد عن الحرام فهو يتأول ما جاء في كتاب ربه أو في سنة نبيه عليه الصلاة والسلام، أن يمتثل. فالتأويل بمعنى الامتثال في الفعل: في الأمر بالفعل، وفي النهي بالترك. الامتثال يكون في الأمر بالفعل يعني بفعله، وفي النهي بالترك. إذا كان أمراً تفعله تمتثل وتتأول الأوامر في ذلك في الكتاب أو السنة، وإن كان نهيا فأنت تتأول ذلك بتركه، سوى كان حراماً أو مكروهاً، سوى كان حراماً أو مكروهاً. وفي الأمر إذا كان واجباً أو كان مستحباً فامتثالك، نعم، تأويل منك لذلك الأمر. ولذلك أنه قال رحمه الله تعالى: والتأويل بهذا المعنى مجهول حتى يقع فيدرك واقعاً. يعني تأويل بمعنى حصول ووقوع حقيقة ذلك المخبر عنه، ووقوع حقيقة ذلك المخبر عنه، ما يتعلق بالأمور الغيبية التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة كما تقدم، نعم، وما في الجنة أو في النار وغير ذلك، فهذه مجهولة حتى تدرك واقعاً، وكما تقدم تدرك واقعاً يوم القيامة، تدرك واقعاً يوم القيامة. رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة تقع، أخبرنا في كتاب ربنا أننا سنرى ربنا عز وجل يوم القيامة، وأخبرنا في سنة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام بذلك. ما هو تأويل هذا الخبر؟ تأويله وقوعه، ووقوعه وحدوثه في ذلكم اليوم، الذي نسأل الله جل وعلا أن يمتعنا بلذة النظر إلى وجهه الكريم. فذلك تأويل هذه الأخبار. كيفية تلك الرؤية، نعم، هي تلك الكيفية التي تقع يوم القيامة: رؤية من غير إحاطة، رؤية من غير إحاطة، لأن الله جل وعلا لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، لكن تقع رؤية، ولها حقيقة، ولها كيفية، سنعلمها، سنعلم تلك الكيفية على ما هي عليه حقيقة وواقعاً يوم القيامة، حين يمتعنا ربنا عز وجل بالنظر إلى وجهه الكريم. وأما في الدنيا مجهولة لأنها لم تدرك، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا». والآيات في القرآن: ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾، قال لموسى: ﴿ لَنْ تَرَانِي ﴾، أي في الدنيا، ولكن تكون يوم القيامة: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾، ناظرة، ما معنى يومئذ؟ يوم القيامة. أما في الدنيا فلا تقع. فللأخبار التي جاءت في القرآن: معلومة المعنى، مجهولة الكيفية، هي مجهولة ولا تدرك، ولا تدرك في الدنيا، وإنما تدرك يوم القيامة، وإدراكها واقعاً يوم القيامة على الحقيقة التي هي عليها، يقال فيها تأويل تلك الأخبار. نواصل إن شاء الله فيما تبقى في درس لاحق. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.