شرح الشمائل المحمدية 14

الدرس في شرح الشمائل المحمدية 14، تابع : باب ما جاء في لباس رسول الله صلى الله عليه وسلم . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أقوال العلماء في لباس النبي وحكم الثوب الأحمر والأخضر

استعرض المقطع أقوال أهل العلم السبعة في حكم لبس الثوب الأحمر التي تراوحت بين الجواز والمنع والكراهة، ورجح الشافعي وابن القيم والشوكاني الجواز المطلق مستدلين بحديث أبي جحيفة. كما ذكر حديث أبي رمثة في البردين الأخضرين مبيناً أن الخضرة من لباس أهل الجنة وأجمل الألوان للناظرين.

أحكام ألوان الثياب: استحباب البياض وجواز الأخضر وضعف حديث التزعفر

تناول المقطع أحكام لبس ألوان الثياب المختلفة مستنداً إلى الأحاديث النبوية، مبيناً جواز لبس الأخضر والبرود اليمانية المخططة وضعف حديث قيلة في التزعفر. وأكد صحة الأحاديث الواردة في الترغيب بلبس البياض والتكفين فيه لكونه أطهر وأطيب، وأن الأمر فيه للاستحباب المؤكد لا للوجوب.

أحكام اللباس: استحباب البياض وجواز السواد والجبة الضيقة في السفر

يستعرض المقطع أحاديث استحباب لبس البياض وجواز لبس السواد كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً مع قصة المغيرة بن شعبة. ويوضح تعليق الحافظ ابن حجر على ترجمة البخاري لحديث الجبة الرومية ضيقة الكمين بأنها كانت لحال السفر وما يغتفر فيه من اللباس المخالف للعادة.

ختم باب اللباس والتمهيد لباب عيش النبي صلى الله عليه وسلم

أعلن المحاضر الانتهاء من باب اللباس الحالي، وأشار إلى الباب القادم المتعلق بعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يحتوي على حديث أو حديثين في سنن الترمذي. وختم الدرس بالدعاء والتسبيح على أن يُستكمل في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أخذنا في كتاب الشمائل النبوية للإمام الترمذي رحمه الله تعالى، باب ما جاء في لباس رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وذكرنا أنه كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القميص، فيستحب لبس القميص. وأيضًا جاء في حديث قرة بن إياس رضي الله عنه أن قميص النبي عليه الصلاة والسلام لما جاءه قرة مع أبيه، إنه كان مطلق الأزرار. وأيضًا لبس النبي صلى الله عليه وسلم ثوبًا قطريًا. وكذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا استجدى ثوبًا سماه باسمه، ثم يقول: «اللهم لك الحمد كما كسوتنيه، أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له». وأيضًا حديث أنس رضي الله عنه: كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحبرة. وحديث أبي جحيفة رضي الله عنه أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام وعليه حلة حمراء. وذكرنا مسألة لبس الأحمر، وأن أهل العلم اختلفوا في جواز ذلك، أي الأحمر الخالص. وذكرنا كلام العلامة الشوكاني وابن القيم رحمهم الله تعالى. وتبقى في المسألة كلام الحافظ رحمه الله تعالى، وقد لخص الأقوال وذكر منها سبعة أقوال. قال رحمه الله تعالى في الفتح: «وقد تلخص لنا من الأقوال أقوال السلف في لبس الثوب الأحمر سبعة أقوال». القول الأول: الجواز مطلقًا، جواز لبس الثوب الأحمر مطلقًا. جاء عن علي وطلحة وعبد الله بن جعفر والبراء، وغير واحد من الصحابة، وعن سعيد بن المسيب والنخعي والشعبي وأبي قلابة وأبي وائل، وطائفة من التابعين، الجواز مطلقًا. جاء عن هؤلاء من الصحابة والتابعين ممن سمعتم. القول الثاني: المنع مطلقًا، المنع مطلقًا. ولم يذكر من الذي منع مطلقًا، وقد جاء في بعض كلام أهل العلم أنهم الحنفية، والعلم عند الله. القول الثالث: يكره لبس الثوب المشبع بالحمرة، يكره لبس الثوب المشبع بالحمرة دون ما كان صبغه خفيفًا. يعني يكره الأحمر القاني القاتم، وأما الأحمر الخفيف فلا يكره. جاء ذلك عن عطاء وطاوس ومجاهد. القول الرابع: يكره لبس الأحمر مطلقًا لقصد الزينة والشهرة، لقصد الزينة والشهرة. يعني إذا قصد به التزين والاشتهار فهذا هو المكروه، ويجوز في البيوت والمهنة، ويجوز لبسه في حال المهنة أي الشغل، ولبسه في البيت. وهذا جاء عن ابن عباس ومالك، وهو الذي يعني يميل إليه الحافظ، يرجحه بعد ذلك. القول الخامس: يجوز لبس ما كان صبغ غزله ثم نُسج. يجوز لبس الأحمر إذا كان غزله مصبوغًا ثم نُسج، يعني الغزل هو الذي صبغ ثم بعد ذلك نُسج إلى ثوب، ويمنع ما صبغ بعد النسج. وجنح إليه الخطابي، ويمنع ما صبغ بعد النسج، يعني بعد أن يكون ثوبًا ويصبغ، هذا ممنوع. وهذا مال إليه الخطابي. القول السادس: اختصاص النهي بما يصبغ بالمعصفر لورود النهي عنه دون ما صبغ بغيره من الأصباغ. القول السادس هو ماذا؟ المنهي عنه الثوب المعصفر، والثوب المعصفر هذا قلنا خارج الخلاف، واضح لأن الثوب المعصفر قد جاء النهي عنه في البخاري من حديث عبد الله بن عمر، قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم عليّ ثوبين، وأيضًا جاء في مسلم: ثوبين معصفرين، فقال: «لا تلبسهما، إنهما من لباس الكفار». لا تلبسهما، إنهما من لباس الكفار. وفي رواية لمسلم: قلت: أغسلهما؟ قال: «لا، بل أحرقهما». قال: بل أحرقهما. فهذا النهي بما يصبغ بالمعصفر، وهو نبت من النبات يكون لونه أحمر. القول السابع: تخصيص المنع بالثوب الذي يصبغ كله، وأما ما فيه لون آخر غير الأحمر من بياض وسواد وغيرهما فلا. إذن الممنوع هو المصبوغ كله أحمر خالص، وأما إذا خلط، إذا خلط بالبياض أو بالسواد فيه خطوط، فهذا لا بأس. وهذا القول تقدم أنه مال إليه ابن القيم رحمه الله تعالى. والراجح والله أعلم هو جواز لبس الثوب الأحمر مطلقًا، كما هو قول جماعة كثير من الصحابة والتابعين، وهذا الذي أيده الشوكاني، لأن الصحابي من أعرف الناس باللسان العربي، فهو يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه حلة حمراء، حلة حمراء. وقد رد الشوكاني ردًا طيبًا وتقدم ذكره كما في النيل، من شاء يرجع إليه في المجلد الثاني، صفحة ٩٨ إلى ٩٩، والزاد المجلد الأول صفحة ١٣٢ إلى ١٣٤. وهذه مسألة قد يذهب ذاهب إلى غير هذا القول، إما بالمنع، وإما ما كان قاتمًا، وإما ما كان يعني خالصًا دون ما كان مخلوطًا، والعلم عند الله. قال الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن بشار، وتقدم معنا أن لقبه بندار، ومعنى بندار بالفارسية يعني الجامع للعلم. قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري، وهو إمام من أئمة الجرح والتعديل. قال: حدثنا عبيد الله بن إياد عن أبيه إياد عن أبي رمثة رضي الله تعالى عنه، وقد تقدم الاختلاف في اسمه، وأقرب الأقوال منه أتذكرونه؟ أبو رمثة الصحابي، من يذكره؟ فلو جائزة لا أحد، إذن الجائزة لي أنا. اسمه رفاع بن يثربي، وقيل العكس: يثربي بن رفاع، وقيل العكس. وذكرنا أيضًا أن من أسمائه خشخاش، هذه ذكرنا من أسمائه. قال عن أبي رمثة رضي الله تعالى عنه: قال رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليه بردان أخضران، وعليه بردان أخضران. قال شمس الحق: أي مصبوغين بلون الخضرة، وهو أكثر لباس أهل الجنة كما وردت به الأخبار، كما وردت به الأخبار. هل هذا صحيح؟ لباس أهل الجنة خضر، يلبسون ثياب الخضر، يلبسون خضر، ولا ما يلبسون خضر؟ يبقى يا صالح أحسن. والدليل، من يذكر الآية؟ ﴿عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾، الرفرف خضر، متكئين. لكن نحن نريد أنهم يلبسونها، عاليهم كذلك: ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٍ﴾، ثيابهم خضر، لباس أهل الجنة. قال: وهو أيضًا من أنفع الألوان للأبصار، ومن أجملها في أعين الناظرين، عن الخضرة ترتاح لها النفوس، من أجمل الألوان في أعين الناظرين. والظاهر أنهما كانا أخضرين بحتين، يقول: الظاهر من قول الصحابي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عليه بردان أخضران، الظاهر أنهما بحتين، الله أعلم. وقال القارئ: قارئ مل علي، ويحتمل أنهما كانا مفطوطين بخطوط خضر، لأن البرود، لأنه قال بردان، والبرود هي من لباس أهل اليمن، قال: تكون غالبا ذوات الخطوط. حتى في الحديث السابق الذي استشكله ابن القيم رحمه الله تعالى وقال: غلط من ظن أن الحلة، أن الحلة بحتة حمراء، والحلة لا تكون إلا ماذا؟ إلا من البرود اليمانية، والبرود تأتي اليمانية غالبا مخططة. لهذا ذهب ابن القيم إلى أنه يلبس الأحمر المخطط، أما الأحمر الصافي فلا. وانتهى كلام شمس الحق من عون المعبود، المجلد الحادي عشر. إذن في هذا جواز لبس الثوب الأخضر، جواز لبس الثوب الأخضر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لبس البردة الخضراء. قال الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا عبد بن حميد، وعبد بن حميد الذي يقال له الكسي، ثقة حافظ. قال: حدثنا عفان بن مسلم، وهو الصفار، كان يأخذ الأجرة على التحديث، وكان الإمام أحمد يجله، وهو ذو عيال. ليش يأخذ الأجرة على الحديث؟ يحدث ويأخذ فلوسه لأنه كان صاحب عيال. قال: في بيتي ثلاثة عشر نفس، ثلاثة عشر نفس، من ينقوتهم ومن يعولهم؟ إما أن نحدث وتعطونا، ولا نشتغل، ولا حدثنا. أيه ما أحسن، يقول للناس هكذا: ولا اشتغلنا وتركنا الحديث. كان من أثبت الناس ثقة، ثبت في الحديث، الناس يريدون حديثه، كان حديث النبي عليه الصلاة والسلام مرغوبًا ويريده المحدثون، قالوا له: اجلس ونحن ننفق عليك، لا تشتغل، نحن نعطيك من ماذا؟ مما عندنا، وأن تجلس تعلمنا وتحدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. حتى أنه كان إذا شك في حرف ترك الحديث، حرف واحد شك فيه في الحديث، ما هو متأكد منه يترك الحديث ولا يحدث به، لأنه ثقة ثبت. الثقة ثبت لا يحدث إلا بماذا؟ إلا بإتقان. فلهذا عفان بن مسلم من مشايخ الإمام أحمد رحمه الله تعالى. قال: حدثنا عبد الله بن حسان، ولقبه عتريس، وهو مقبول العنبري. قال: عن جدتيه دحيبة وعليبة، هكذا عندكم صح؟ دحيبة وعليبة. أما دحيبة فثابت وهي مقبولة، وأختها ليست عليبة، وإنما أختها صفية، وهي دحيبة بنت عليبة، أختها صفية بنت عليبة. وهنا وقع في الإسناد خطأ، خطأ مطبعي. فلو راجعتم الترمذي في الأصل ستجدون: عن دحيبة بنت عليبة وصفية بنت عليبة، واضح. عن قيلة بنت مفرمة رضي الله عنها قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه أسمال، والأسمال جمع سمل، وهو الثوب الخلق، وهو الثوب الخلق، يعني الثوب الذي ليس بجديد، قد بلي. والملية جمع ملاءة، وهي الإزار والريطة كما في النهاية وفي الصحاح. الملحفة كانتا بزعفران، يعني مصبوغتين بزعفران. قال: وقد نفطته، نفطته، وفي بعض النسخ: وقد نفطتها، نفطتها. قال في النهاية: أي نصل لون صبغهما، ولم يبق إلا الأثر. يعني أنها نفضت هذا الزعفران فذهب ذلك اللون، ما بقي إلا منه الأثر. هذا معنى الحديث. وأنتم ترون أن في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لبس ثوبين فيهما زعفران، وهو قد نهى الرجل عن التزعفر في الصحيح، نهى أن يتزعفر الرجل. ولكن هذا الحديث لا يعارض ذاك، لأن هذا الحديث ضعيف، هذا الحديث ضعيف، وذاك أصح منه، فهو الذي ينهى عليه الصلاة والسلام عن أن يتزعفر الرجل، أن يصبغ بالزعفران. فالحديث فيه قصة، كما قال، وفي الحديث قصة طويلة قد ذكرها الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في السنن، لكن هذا الحديث ضعيف، ضعفه العلامة الألباني رحمه الله في الشمائل، برقم ثلاثة وخمسين. قال الترمذي: حدثنا قتيبة بن سعيد. وعندكم ابن سعد، ابن عندكم ابن سعد أنتم، ابن سعيد، لكن في نسختنا هذا ابن سعد، وصوابه ابن سعيد. أبو رجاء الثقفي البغلاني، ما اسمه عندك يا مبارك؟ الله المستعان. أقول لك: قتيبة بن سعيد، تقول لي: ما تدري أنت، مبارك ابن فلان، صح ولا لا؟ إذا قيل ما اسمك ستقول له: مبارك. طيب، أنا أقول لك: قتيبة بن سعيد. الآن عند إبراهيم اسمه قتيبة، شوفوا. قد تقدم معنا هذا الاسم، ها عند من أدعم يا صالح؟ اسمه يحيى. قال: حدثنا بشير بن المفضل الرقاشي، وهو ثقة. قال: عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، وهو أيضًا كذلك. عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالبياض من الثياب، ليلبسها أحياؤكم، أو ليلبسها أحياؤكم، وكفنوا فيها موتاكم، فإنها من خيار ثيابكم». الحديث صححه الألباني في الشمائل. هذا فيه ترغيب النبي عليه الصلاة والسلام في لبس الثوب الأبيض. عليكم بالبياض من الثياب، ماذا يقول عليه الصلاة والسلام؟ البسوا الثوب الأبيض، قال: من خيار الثياب، الثوب الأبيض. ولهذا كان يقول في دعائه: «كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس». من خيار الثياب، قال: البسوها لأحيائكم، وكفنوا فيها موتاكم. قال الشوكاني رحمه الله: والحديث يدل على مشروعية لبس البياض وتكفين الموتى به، لعلة كونه أطهر من غيره وأطيب. أما كونه أطيب فظاهر، لبس البياض طيب. وأما كونه أطهر فلأن أدنى شيء يقع عليه يظهر فيغسل، إذا كان من جنس النجاسة فيكون نقيًا. كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في دعائه أنه قال: «ونقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس». ثم قال الشوكاني رحمه الله تعالى: أن الأمر في هذا الحديث ليس للوجوب، وإنما هو للاستحباب، فيستحب لبس البياض. هذا لأمره صلى الله عليه وسلم، والأمر فيه للاستحباب، فيستحبوا استحبابًا شديدًا، لأنه قال: عليكم، ولفظة عليكم على ماذا تدل؟ يعني الزموا، لأن معنى كلمة عليكم: أنفسكم الزموا. عليكم هذه من صيغ ماذا؟ من صيغ الأمر، من صيغ الأمر، وهي ليست فعل أمر، وإنما هي ذا اسم فعل أمر، لأنها تدل على الأمر ولم تقبل يا المخاطبة حتى تكون فعل أمر، فهي اسم فعل أمر تدل على الأمر. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: عليكم بالبياض. قال الترمذي رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، عن عبد الرحمن، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، وهو الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، ووثقه، فقيه جليل، حبيب ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس. قال: عن ميمون بن أبي شبيب، ووصفه كثير الإرسال، عن سمر بن جندب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البسوا البياض، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم». والحديث صححه الألباني رحمه الله. فهذا أيضًا مع ذاك، الحديثان يدلان على استحباب لبس البياض لترغيبه صلى الله عليه وسلم، وقوله: فإنها أطهر وأطيب. فيا حبذا أن المسلم يعمل بمثل هذه الأحاديث المباركة، فيها خير وبركة. قال الترمذي: وحدثنا أحمد بن منيع، تقدم أنه ثقة. قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو ثقة متقن. قال: حدثنا أبي، وهو زكريا بن أبي زائدة، ثقة، وكان يدلس. عن مصعب بن شيبة، وهو لي الحديث، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة، ذات غداة، وعليه مرط من شعر أسود، يعني لبس عليه الصلاة والسلام شيئًا فيه سواد، وكان لباسهم إنما هو أيضًا من الجلود والشعر، يلبسون هذه. والحديث، قال الشوكاني: فيه يدل على أنه لا كراهة في لبس السواد، ولكن ينبغي أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يكثر من لباسه السواد، وإنما أحيانًا، فإذا احتاج إلى لبسه لبسه. ودخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة وعليه عمامة سوداء، عليه عمامة سوداء، ففيه جواز ارتداء الأسود، سواء كان عمامة أو كان ثوبًا ونحوه. والمرط، يقول في شرحه: هو جمع مروط، والكساء جمعه مروط، وهو الكساء من الصوف، ويكون من خز وغيره. قال رحمه الله تعالى: الحديث صحيح، أو الألباني، هذا الذي هو حديث عائشة. قال: حدثنا يوسف بن عيسى، ثقة فاضل. قال: حدثنا وكيع، وهو ابن الجراح. قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، تقدم أنه صدوق يهم قليلًا، عن أبيه أبي إسحاق السبيعي، عمر بن عبد الله، عن الشعبي، هو عامر بن شراحيل الشعبي، تابعي جليل، وكان حافظًا كبيرًا، ويقول: ما كتبت سوداء على بيضاء، ما كتبت سوداء على بيضاء، بمعنى أنه كان يحفظ ولا يكتب، كان قويًا في الحفظ، آتاه الله عز وجل تلك النعمة، نعمة الحفظ، فالشعبي من الحفاظ والكبار، ما يكتب لكنه كان يحفظ، وهو إمام من الأئمة له أقوال كثيرة في الفقه. قال: عن عروة بن المغيرة بن شعبة، وكنيته عروة أبو يعفور، وهو ثقة. قال: عن أبيه، وهو المغيرة بن شعبة، صحابي جليل، ومن دهاة العرب، من دهاة العرب، المغيرة بن شعبة يوصف بأنه من دهاة العرب، أي ذوو العقول الراجحة، تاهية كما يقال عندنا. وأيضًا مثل عمرو بن العاص أيضًا من دهاة العرب. وقد بعثه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مع النعمان بن مقرن في غزوات كثيرة في الفتوحات، وأرسله النعمان بن مقرن إلى ملك الفرس رسولًا، وقصته في البخاري، قصة المغيرة طيبة، إذا قرأتموها في البخاري كيف دخل على ذلك الملك، ملك الفرس، الملك، بشجاع وإقدام وعدم خوف، ودخل ومعه الحرب ويخزق بها بساط الملك، كأنه أعرابي جاء، كأنه أعرابي ما يعرف شيء، دخل ويخزق البساط، بشجاعة وتكلم مع ذلك بدون مهابة: أنتم معشر العرب قوم تأكلون الجلود، تأكلون الميتة، تأكلون كذا وكذا، تقتلون الأنفس، وأتى بالمساوئ. قال: نعم، نعم أيها الملك، نحن كنا هكذا في الجاهلية، كنا نأكل الميتة، ونأكل الوحوش، ونأكل، ونأكل، ونفعل، ونفعل، حتى بعث الله إلينا رسولًا نعرف نسبه وصدقه وأمانته، وذكر له مآثر الرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف هداهم الله به. ثم قال له: وقد وعدنا الرسول صلى الله عليه وسلم أننا سنملك هذا الملك، حقك من يقول أمام هذا الطاق، يربو ما يذبحه. قال: وقد وعدنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أننا سنملك هذا المكان، يقول لمن؟ لملك الفرس. قال: ثم قفز قفزة حتى جلس بجانبه، من هناك قفزة، قفزة إلى جنب ملك الفرس، الذي قال له الهرمزان أو نحوه، جلس بجانبه، فتشام، كيف هذا وصل إلى هذا المكان، وبهذه الجرأة والشجاعة؟ حتى قال له: ارجع، ارجع إلى، أنتم تحتاجون إلى طعام وتحتاجون إلى كسوة. قال: نعم، نحن نحتاج إلى طعام، إلى كسوة، ما عندك، وإلا فنحن نواعدكم أيامًا، إما أن تسلموا، وإما أن تدفعوا الجزية، وإما أن ندخل إليكم ونجتاحكم. فعرف شجاعة هؤلاء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، الذين وهبهم الله عز وجل الإيمان العظيم، فما كانوا يخافون أحدًا من البشر، عندهم إيمان بالقضاء والقدر، كيف وصلوا إلى ملوك الفرس، وحقق الله سبحانه وتعالى دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما وعد به المؤمنين، فملكوا كسرى وقيصر، وجاءت الكنوز العظيمة إلى عمر رضي الله تعالى عنه وهو بالمدينة جالس، يا سبحان الله، ما هذه الوعود العظيمة؟ لكن المؤمنون في هذا الزمان، أو المسلمون في هذا الزمان، بحاجة إلى التسلح، سلاح عظيم، ألا وهو التوحيد والعقيدة، سلاح التوحيد والعقيدة، فإذا تسلحوا بهذا ونبذوا الشرك والخرافات والبدع والمعاصي، أعزهم الله بهذا الدين العظيم. قال: عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعليه وسلم لبس جبة رومية ضيقة الكمين، جبة رومية ضيقة الكمين. هذا الحديث في البخاري، وقد ترجم له البخاري في كتاب اللباس، قال: باب، قال: باب من لبس جبة ضيقة الكمين في السفر، ضيقة الكمين في السفر. تقييد الإمام البخاري رحمه الله تعالى بالسفر فيه فائدة. من لبس جبة ضيقة الكمين في السفر، وترجم له في كتاب الصلاة، هذا الحديث أيضًا، قال: باب في الجبة الشامية، يعني أنها من الشام، لأنها قال رومية، والروم كانوا يسكنون الشام. وترجم له أيضًا في كتاب الجهاد، فقال: باب الجبة في السفر والحرب، باب الجبة في السفر والحرب. ثم ذكر هذا الحديث. قال الحافظ في الترجمة: وكأنه، أي البخاري رحمه الله، يشير إلى أن لبس النبي صلى الله عليه وسلم الجبة الضيقة إنما كان لحال السفر، إنما كان لحال السفر، لاحتياج المسافر إلى ذلك، وأن السفر يغتفر فيه لبس غير المعتاد في الحضر، يعني إنسان احتاج إلى لباس معين في السفر، لباس أن يلبسه، ولو خالف العادة، ولو خالف ما كان معتادًا في الحضر، لأن السفر فيه مشقة، وربما يحتاج إلى هذا اللبس في حر أو في برد يلبسه. فالنبي صلى الله عليه وسلم لبس هذه الجبة في السفر، وهي ضيقة الكمين، وما كان عليه الصلاة والسلام يعتاد له، باسم ماذا؟ الضيق من الثياب. هذا ما قاله الحافظ، ملخصًا لتراجم البخاري رحمه الله تعالى. طيب، انتهينا من هذا الباب، وبعده باب ما جاء في عيش رسول الله صلى الله عليه وعلى الله وسلم، وذكر الترمذي فيه حديثًا واحدًا أو حديثين، إن شاء الله تعالى نأخذه ما في درس قادم. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.