شرح الشمائل المحمدية 46

الدرس في شرح الشمائل المحمدية 46، باب ما جاء في صفة شراب رسول الله صلى الله عليه وسلم . ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

باب صفة شراب النبي وإسناد حديث عائشة

يستعرض هذا المحور باب صفة شراب رسول الله من الشمائل الترمذية متضمناً حديث عائشة في حب النبي للحلو البارد. كما يفصل رجال الإسناد ومناقبهم العلمية مع قصة الزهري في الصدع بالحق.

هدي النبي في شرب الحلو البارد وفوائده

يبين المحور حرص النبي على شرب الماء العذب البارد والمنقوع فيه التمر أو العسل أو الزبيب. ويشير إلى قول ابن القيم في نفع اجتماع الحلاوة والبرودة للبدن مع التنبيه على حال المرضى.

أدب الشرب باليمين ومواقف ابن المبارك وابن عباس

يسرد المحور قصة ابن المبارك مع ابن عليا ونصيحته الشعرية التي أدت لاستقالته، ثم يعود للإنفاق عليه. كما يوضح آداب الشرب بالبداءة باليمين من خلال حديث ابن عباس وخالد مع النبي وتأليفه للأعرابي.

توجيه النبي في الأيمن والأيمنون وخاتمة الدرس

يذكر المحور توجيه النبي بالأيمن فالأيمن وتكرار الأيمنون في العطية والشرب. ويختتم بالإشارة لتفصيل الحديث في الدرس القادم مع الدعاء بالتوفيق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا في الباب الذي هو في الشمائل المحمدية للإمام الترمذي رحمه الله: باب ما جاء في صفة فاكهة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخذنا فيه حديث عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل البطيخ بالرطب. وحديث أبي هريرة: أن الناس كانوا إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيدعو فيه عليه الصلاة والسلام بالبركة. وأخذنا أيضًا حديث الربيع بنت معوذ، وأنها بعثت إلى النبي عليه الصلاة والسلام بشيء من الرطب، وعليه أيضًا القثاء، فأخذه صلى الله عليه وسلم لما تعلم من حبه لذلك، وبعد ذلك أهدى لها شيئًا من الحلي. وهذا الحديث قلنا إن الألباني رحمه الله قد ضعفه. قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: باب ما جاء في صفة شراب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: ماذا كان يشرب عليه الصلاة والسلام من الأشربة؟ سيذكر الترمذي رحمه الله تعالى في هذا الباب حديثين. الحديث الأول: قال: حدثنا ابن أبي عمر. ابن أبي عمر هو محمد بن يحيى العدني، وهو صدوق، وقد وثقه ابن معين. نحن نذكر عبارة الحافظ في التقريب: يقول: صدوق. وابن أبي عمر لازم سفيان بن عيينة ثمانية عشر عامًا، كما ذكر الحافظ ذلك في التهذيب. قال: حدثنا سفيان. سفيان هو ابن عيينة، أبو محمد الهلالي الكوفي، وهو أيضًا ممن سكن مكة ومات بها، وعمر رحمه الله تعالى كثيرًا. وهو رحمه الله ثقة، حافظ، إمام، قدوة، حجة. سفيان بن عيينة من الحفاظ الكبار من حفاظ الأحاديث. وأيضًا كما ذكر في ترجمته أنه حجة، أكثر من سبعين حجة. سبعون حجة ربما لا يبلغ بعضهم هذا العمر، فضلًا عن أن يحج هذا الحج. يعني بعضهم ربما ثمانين سنة ما يحج إلا حجة، أو ما يحج بتاتًا. وابن عيينة حجة أكثر من سبعين حجة، حتى قال لبعض أصحابه في آخر حجة، حجة وكان في المزدلفة: لقد وقفت في هذا المكان اثنين وسبعين مرة، يعني اثنين وسبعين حجة. وإني كلما أحج أو أجلس في هذا المكان أدعو الله عز وجل أن لا يكون آخر العهد. وإني استحييت من ربي، يعني في ذلك في تلك الحجة الأخيرة، وإني استحييت من ربي فما سأل الله عز وجل بعدها، فمات في ذلك العام. مات في ذلك العام لأنه كل سنة يقول: اللهم لا تجعل هذا المكان آخر العهد، يعني يرغب في أن يأتي العام المقبل، لا تجعله آخر شيء، آخر العهد بهذا المكان. فكان الله عز وجل استجاب دعاء هذا الرجل الصالح، فيحج ويحج ويحج إلى أن بلغ اثنين وسبعين حجة. آخر مرة قال: إني استحييت من ربي من كثرة ما سألته. وسفيان قلنا إمام كبير من أئمة الحديث. قال: عن معمر. وثقة، ثبت، فاضل. معمر بن راشد، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، نزل إلى اليمن وتزوج بها فمكث فيها. قال: عن الزهري. والزهري هو محمد بن مسلم بن تدرس، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، وهو إمام حافظ كبير، إمام حافظ كبير، حتى قال: ما استودعت قلبي شيئًا فنسيه قط، فنسيه قط. وكان أيضًا شغوفًا بالكتابة، كان يكتب كل ما يسمع من الأحاديث، ونبل بذلك وصار من العلماء الحفاظ الكبار. وقد سمع من أنس بن مالك بضعة أحاديث، وسماعه مشهور وثابت. وقيل أنه لم يسمع من ابن عمر، بعض الحفاظ قالوا: لم يسمع من ابن عمر، وبعضهم قال: سمع منه حديثين، والراجح أنه لم يسمع من ابن عمر رضي الله عنهما. والزهري كان أيضًا قوالًا بالحق، كان يصدع بالحق، ويدخل على الأمراء، وكان ينكر عليهم ويناصحهم. حتى قال بعضهم: في سؤال سأله بعض الأمراء، سأله وكان ابن شهاب حاضرا، ويريد أن يعرف، وكان هذا الأمير عنده شيء الظاهر من النصب. قال: سؤالي يا فلان، من الذي تولى كبره؟ قال: الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي بن سلول. قال: بل كذبت، الذي تولى كبره هو علي بن أبي طالب. والآية معروفة أنها في المنافقين، والذي تولى كبره منهم له عذاب أليم. قال: أمير المؤمنين أعلم، وسكت. وهكذا كلما سأل يريد يقرر هذا الشيء، حتى وصل إلى ابن شهاب، وكلهم كانوا يخافون من هذا الأمير أن يسجنهم أو يقتلهم أو نحو ذلك، فيقولون: أمير المؤمنين أعلم، ويقولهم: كذابين أنتم، الذي تولى كبره هو فلان الصحابي ذلك، حتى وصل إلى ابن شهاب. قال: يا يا ابن شهاب، من الذي تولى كبره؟ قال: عبد الله بن أبي بن سلول، رأس المنافقين. قال: لبل هو فلان، كذبت، بل هو فلان، يعني علي بن أبي طالب، الظاهر يقول له ذلك. فقال له ابن شهاب: بل كذبت أنت، هنا صدع بالحق، يقول للأمير: بل كذبت أنت، وكذب أبوك من قبل. حدثني فلان عن فلان عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وساق الإسناد إلى عائشة رضي الله عنها بإسناد قوي، قالت: الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول. فلما رأى أن ابن شهاب قوي الحجة، وكذب الأمير، وما سكت، قال: لعلنا أغضبنا الشيخ، لعلنا أغضبنا الشيخ. هنا خاف من ابن شهاب رحمه الله تعالى. فابن هذا حافظ كبير وإمام كبير، وسانيده إسناد عالي، وسانيده مخرجة في الكتب الستة وغيرها. قال: عن عروة، وهو ابن الزبير، وتقدم شيء من ترجمته في الأحاديث الماضية. قال: عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلو والبارد. كان عليه الصلاة والسلام يحب من الشراب الحلو البارد، يشرب الحلو وفي نفس الوقت يكون ماذا؟ باردًا. إذن جمع هذا الشراب جمع صفتين: الصفة الأولى أن يكون حلو الحلاوة، والصفة الثانية هي إيش؟ البرودة. هل في ذلك نفع للبدن عندما يكون الشراب الذي تشربه باردًا حلوًا؟ نعم، سيذكر أهل العلم أن هذا أيضًا فيه فوائد عظيمة للبدن عندما تشرب الشراب الحلو البارد، سواء كان لبنًا، عسلًا، تمرًا منقوعًا كله في ماء، ويجعل طبعًا ما كانت عندهم ثلاجات، ها زي ما عندنا الآن، لكن عندهم أشياء تبرد مثل الأشنان والقرب. هذه القرب كانوا يحطون فيها الماء وينقعون فيها الثمر، وربما جعلوا في شيء من هذه التي نسميها نحن الأزيار، الزير، الكوز، ها وغير ذلك. هذه كانت أشياء تبرد لأن فيها مسامات، وعندما يأتي إليها الهوى تبرد ما بداخلها. فكان عليه الصلاة والسلام يشرب الحلو البارد. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى كما في الزاد: وأما الشراب إذا جمع وصفي الحلاوة والبرودة، فمن أنفع شيء للبدن، ومن أكبر أسباب حفظ الصحة، وللأرواح والقوى والكبد والقلب. كفى ابن القيم هذا، ابن القيم عنده خبرة عظيمة في الطب. وأنت إذا أردت تعرف من هو ابن القيم، اقرأ من كتاب زاد المعاد الذي يسمى الطب النبوي، وهو في المجلد الرابع، تقرأ وتتعجب من هذا الإمام، يذكر أشياء وكلها يذكرها أغلبها عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يذكر من كلام الأطباء. قال: ومن أكبر أسباب حفظ الصحة وللأرواح والقوى والكبد والقلب، عشق شديد له واستمداد منه. وإذا كان فيه الوصفان حصلت به التغذية، وتنفيذ الطعام إلى الأعضاء وإيصاله إليها أتم تنفيذ، وأسهل شيء على المعدة والأمعاء امتصاصه هو الحلاوة، وخاصة عندما يكون الشيء باردًا تمتصه بسرعة. لهذا كان الصائم حينما يفطر يفطر على ماذا؟ التمر أو الرطب، لأنها حلو، وبعد ذلك يشرب معه ماذا؟ الماء، فيه يكون أسهل شيء مباشر يدخل فيه في العروق ويتقوى به البدن. وقال أيضًا رحمه الله: والمقصود أنه إذا كان باردًا وخالطه ما يحليه كالعسل أو الزبيب أو التمر أو السكر، كان من أنفع ما يدخل البدن، وحفظ عليه صحته. فلهذا كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم البارد الحلو. وقال أيضًا يعني في شرح هذا الحديث: لماذا كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلو البارد؟ قال: وهذا يحتمل أن يريد به الماء العذب، ماذا يريد بالحلو البارد؟ قال: يحتمل أن يريد به الماء العذب، كمياه العيون والآبار الحلوة، فإنه أي صلى الله عليه وسلم كان يستعذب له الماء، كان يستعذب له الماء، يعني إذا رأى بئرًا حلوة طيبة الماء كان عليه الصلاة والسلام يشرب منها، ما يشرب من المالح، ما يشرب من المالح، بل يستعذب الماء، يطلب الماء العذب الزلال الصافي. الله عز وجل قال في وصف ماء الجنة: ﴿ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ﴾، يعني غير متغير، ماء حلو صافي زلال. ماء الجنة لا فيه شيء من هذه الآن الملوحات. نحن نشرب الآن في هذه من هذه الآبار التي هي في بلادنا هذه، وفيها نسبة كبيرة من الملوحة، حتى قالوا أن نسبة الملوحة تزيد على الثلاثين، ثلاثين في المئة ملوحة، وكثرت بعد ذلك الأمراض عند الناس من رواسب وغيرها. فالشخص لا ينبغي له أن يتجنب هذه المياه التي تضره، ويفعل كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعذب الماء، يطلب الماء العذب، ولو أن يشتريه بشيء من المال. قال: ويحتمل أي في الحديث أن يريد به الماء الممزوج بالعسل، أو الذي نقع فيه التمر أو الزبيب. وقد يقال وهو الأظهر: يعمهما جميعًا. كان عليه الصلاة والسلام يحب الحلو البارد، فيحتمل أنه يحب الماء الحلو، ويحتمل أنه يقول لأهله: اجعلوا شيئًا فيه من التمر، يعني ينقعوا التمر مع ماء فيصير الماء حلوًا، أو ينقع له فيه العسل، أي في الماء ينقع فيه العسل، والعسل حلو، أو غيرها من ماذا؟ من الأشياء الحلوة كالزبيب كذلك حلو، فينقع له صلى الله عليه وسلم ثم يشربه. حتى قيل أنه كان يشربه في الصباح، أول ما شيء يدخل بطن، الحلو البارد في الصباح، فينقع في الليل ثم يشربه في الصباح، فأول ما يدخل إلى البدن هذا الحلو البارد، فيتغذى به البدن ويتقوى، يتقوى به ذلك البدن، ويصير البدن نشيطًا. فالمسلم يحافظ على ما كان عليه الصلاة والسلام يحافظ به من الأطعمة أو المشروبات. وأيضًا تقدم معنا في الأبواب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الحلوة والعسل، يحب الحلوة والعسل، هذه فيه طاقة كبيرة، لكن من كان عنده مرض كالسكر ومنعه الأطباء من ذلك، فلا يستخدم شيئًا فيه حلو ويضرب به ماذا؟ نفسه. وإنما هذا لمن كان سليمًا معافى من الأمراض، عنده كل شيء تمام، يمشي. إذا كانت هذه الأعضاء الداخلية التي في البطن تمشي سليمة، فإنه يستخدم له مثل هذه الأشياء الطيبة نافعة له البدن. قال رحمه الله: وحدثنا أحمد بن منيع، واثقة، حافظ. قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم. ما لقبه؟ من يقول إسماعيل بن إبراهيم ماذا يلقب؟ ابنه ما أحد عنده شيء، يلقب بابن عليا. وقد مر معنا هذا في عدة أسانيد. إسماعيل بن إبراهيم الملقب بابن عليا، وقيل: عليا جده، وكان يقول: لا أستحل أحدًا، أو قال: من قال علي بن عليا فقد اغتابني. ألست أنت فلان يقول لك: لا تقل لي ابن فلان، أو لا تلقبني بلقب الفلان، فإنك إن لقبتني فأنا لا أستحل ذلك، وتعتبر قد اغتبتني. فأنت لا تلقبه بذلك ولا تذكره بذلك لأنه ما يرضى وما يحب أن يلقب بذلك. وإسماعيل بن إبراهيم هذا الملقب بابن عليا، هذا ثقة، حافظ كبير من الحفاظ المتقنين، ثقة، حافظ كبير، إلا أنه قال في مسألة القول بخلق القرآن في الفتنة التي حصلت في عهد الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وتصدى لها إمام السنة، إمام أهل السنة، الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، فقد قال بهذا القول. وإلا كان عالمًا جليلًا، حافظًا، لكنه سقط من أعين العلماء، مع أنه محدث كبير وحديثه فيه الصحيح، إلا أنه لما قال بهذا القول سقط من أعينهم، لأنها بدعة منكرة، بدعة كفرية. من قال القرآن مخلوق فهو جهمي، فهو جهمي، بل قال بعض: فهو كافر، لأن القرآن كلام الله تعالى. لكنه تاب، ومن تاب تاب الله عليه. هذا ابن عليا تاب من ذلك. وقال بعض: لم يقل بالقول بخلق القرآن، وإنما جاءت عنه بعض العبارات التي اشتبه فيها حتى قيل أنه قال بخلق القرآن، والله تعالى أعلم في ذلك. فذكر في ترجمته أشياء، وكان ابن المبارك يجله. ابن المبارك هذا ينفق على هذا، يعني كان ينفق على طلبة العلم، ومعروف الإمام ابن المبارك رحمه الله تعالى كان ينفق على كثير من طلبة العلم، حتى قال: لولا خمسة ما اتجرته. لولا خمسة، خمسة نفر من طلاب الحديث ما اتجرته، أي ما تركته تاجرًا، فهو كان يتاجر رحمه الله مع أنه محدث كبير وحافظ خراسان، الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، ومع ذلك يقول: لولا خمسة ما اتجرته. السفيانان وفضيل وابن السماك وابن عليا، هؤلاء الخمسة. السفيان: الثوري وابن عيينة، والفضيل، وابن عياض، وابن السماك، وهذا خامسهم. يقول: لولا هؤلاء أنا ما اتجرته، كان يحب طلبة العلم فكان ينفق على طلبة العلم. لما سمع أن ابن عليا تولى القضاء، وقيل صار على بيت المال، فهجره ابن المبارك، وما صار بعد ذلك ينفق عليه، يعني ما صار يعطيه شيئًا من الدنانير، ما أعطاه شيئًا. حتى لما جاء، قيل له: إن ابن عليا كان في البصرة، وعبد الله بن المبارك من علماء خراسان، جاء مرة إلى البصرة، فقيل: إن ابن عليا تولى بيت المال، أو قيل له: تولى القضاء، فلم يزره وجفاه ومشى. فجاء إليه ابن عليا، فما بال به؟ فما بال به ابن المبارك رحمه الله؟ فكتب إليه كتابًا، وقال له: يا جاعل العلم له بازية يصطاد به أموال المساكين، احتلت للدنيا ولذاتها بحيلة تذهب بالدين، فصرت مجنونًا بها بعدما كنت دواء للمجانين، أين رواياتك فيما مضى عن ابن عون وابن سيرين؟ أين رواياتك في سردها في ترك أبواب الصلاة؟ إن قلت أكرهت فذا باطل، زل حمار العلم في الطين. قال: فلما قرأ هذه الأبيات ذهب إلى الوالي وقال: لا أتحمل، أرجوك اعفيني من القضاء، اعفيني من القضاء، وقال: من بيت المال، على روايتين عند أهل العلم. قال: أرجوك اعفيني، خلاص. هذه كانت له نصيحة من ابن المبارك في ترك هذا الأمر الذي وقع فيه، فلما تركه قيل أن ابن المبارك بعد ذلك أرجع إليه النفقة، فصار ينفق عليه. قال: أنبأ علي بن زيد، وهو ابن جدعان، وهو ضعيف. قال: عن عمر، وهو ابن أبي حرملة، وهو مجهول. عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: دخلت مع رسول الله صلى الله، أنا وخالد بن الوليد، على ميمونة، فجاءتنا بإناء من لبن، فشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا على يمينه، وخالد عن شماله. فقال لي: الشربة لك، الشربة لك، يعني لابن عباس لأنه عن يمينه. قال: فإن شئت أثرت بها خالدًا، لأنه أكبر سنًا، وكان في منزلة أبيه العباس. خالد كان في سن العباس بن عبد المطلب، حتى أن في بعض الروايات عند الإمام أحمد قال له: إن شئت أثرت بها عمك، وهو ليس بعمه لكن في المنزلة. وإن شئت أثرت بها عمك، فخالد ليس عم ابن عباس، وإنما هو ابن خالته. قال: فقلت: ما كنت لأوثر على سؤرك أحدًا. ابن عباس قال: ما كنت لأوثر إيش؟ قال: من سؤرك أحدًا، يريد تبركًا من ذلك المكان الذي شرب منه النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من طعمه الله طعامًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرًا منه. ومن سقاه الله لبنًا، هذا في اللبن خاصة، فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس شيء يجزي مكان الطعام والشراب غير اللبن. والحديث حسنه الألباني، وإن كان الإسناد ضعيفًا لكن له طرق يتقوى بها، وقد حسنه برقم مائة وستة وسبعين. هذا الحديث فيه البداءة باليمين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ باليمين، وكان ابن عباس أصغر من خالد، أصغر من خالد بن الوليد، ومع ذلك لما كان على اليمين قال ماذا؟ الشربة لك. إن شئت أثرت بها خالدًا لأنه أكبر منك. فابن عباس قال: لا، أنا أريد أن أشرب بعدك يا رسول الله، ما كنت لأوثر بنصيب أحدًا. وفي حديث سهل بن سعد أيضًا أنه وهو في البخاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عن يمينه غلام، وهذا الحديث أصله في البخاري، الذي قرأناه في الترمذي أصله في البخاري. كان عن يمينه غلام، وكان عن يساره الأشياخ، يعني الأشياخ الكبار، كأبي بكر وعمر ونحوهم، كانوا موجودين. فقال لابن عباس بعدما شرب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: قال له: أتأذن أن أعطيه من على يساري عن الكبار الأشياخ؟ فقال ذلك الغلام: ما كنت لأوثر بنصيب أحدًا بعدك يا رسول الله. قال: فأعطاه إياه، مع أنه مفضول، وهناك في المجلس وفي الحلقة من هو أعلم منه وأكبر منه وأسن منه وأجل منه. لكن انظروا البداءة باليمين، النبي صلى الله عليه وسلم بدأ باليمين وأعطى ابن عباس، مع وجود أبي بكر، مع وجود عمر، مع وجود الأشياخ. ولماذا استأذنه ابن عباس رضي الله عنه؟ لأنه ابن عمه، وهو صغير، ابن عمه وهو صغير. وأيضًا الأشياخ الموجودين كانوا هم أيضًا من أقربائه، من عمومته أو من أبناء عمه، فلذلك استأذنه. فأنت كذلك مثلًا إذا كنت في المجلس، لك أن تستأذن من هو أقرب منك، لأنه ما سيكون في نفسه شيء. وقد جاء في حديث أنس في البخاري أن أعرابيًا كان عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عن يساره أبو بكر رضي الله تعالى عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم يشرب، ثم قال للأعرابي: عندك، ما استأذنه، قال: الشربة عندك، وأعطاه، وقال: الأيمن فالأيمن. ما استأذن الأعرابي، بينما استأذن من ابن عباس، لماذا؟ قالوا: لأن الأعرابي كان حديث عهد ببيئة الإسلام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يستوطف هؤلاء ويقوي إيمان هؤلاء. فهذا الأعرابي يقول: انظروا إلى سماحة الإسلام، وانظروا إلى عظمة الإسلام، هذا النبي، هذا النبي الكريم أعطاني، مع أن عن يساره من؟ أبو بكر، السابق بالإسلام وصاحبه، ما أعطى صاحبه؟ هذا هو الدين، هذا هو الدين، يقوي إيمان هؤلاء. فالنبي عليه الصلاة والسلام ما استأذن الأعرابي، قال: الأيمن، اشرب مباشرة. قال لي الأعرابي، ولم يعطها أبا بكر، لأنه يعلم من هو أبو بكر، أبو بكر قوي الإيمان وراسخ الإيمان، ومن السابقين، هل سيكون في نفسه شيء على صاحبه إذا ما أعطاه إياه؟ الجواب: لا، لأنه يعلم ماذا؟ يعلم السنة. لكن الأعرابي هذا، أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوي إيمانه، وكذلك أن يستلطفه ويتألف قلبه، فأعطاه مباشرة. بينما ابن عباس من أهل البيت، وهو غلام صغير، فقال: يا غلام، تأذن لي أن أعطيه من هو أكبر منك سنًا؟ ابن عباس قال: لا يا رسول الله، لا أذر بنصيبي أحدًا. فأعطاه إياه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: الأيمن فالأيمن، الأيمنون، الأيمنون. هكذا يفعل نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وسياتي إن شاء الله بيان مزيد لهذا الحديث في الدرس القادم. وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضى، والحمد لله رب العالمين.