التعليق على تقريب التدمرية 90

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 90، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مقدمة في توحيد الربوبية

أقر المشركون بربوبية الله تعالى، لكنهم لم يستفيدوا من ذلك لإنكارهم ألوهيته. استدل المؤلف على ذلك بالآيات القرآنية.

أدلة توحيد الربوبية والرد على المخالفين

ناقش المؤلف أدلة توحيد الربوبية ورد على المخالفين مثل الثنوية والمانوية، وبين أن تعدد الآلهة يؤدي إلى التناقض. استدل بالقرآن على وحدانية الله.

الرد على اعتقاد تعدد الخالقين

أكد المؤلف عدم وجود اعتقاد بوجود خالقين متكافئين، وأن فرق الضلال لم تثبت ذلك. بين أن بعض الفرق عطلت ربوبية الله أو جعلت المخلوق خالقًا.

ختام الفصل بالدعاء

اختتم الفصل بالصلاة على النبي وآله وصحبه، مما يظهر التزامًا بالتفاؤل والبركة. أنهى المؤلف الفصل بهذه العبارة الدينية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال مؤلف كتاب "التوحيد" رحمه الله تعالى: وهذا قد أقر به المشركون الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الموضع، بعد أن ذكر أن القسم، توحيد الربوبية، بيّن رحمه الله أن هذا القسم وهذا النوع من أنواع التوحيد، وهو توحيد الربوبية، لم يجحده المشركون، بل أقر به. أقر بأن الله جل وعلا هو الذي خلق السماوات، وهو الذي خلق الأرض، وأقر كذلك بأن الله جل وعلا هو الذي يدبر الأمر، وأن الأمور بتدبيره جل وعلا. وهكذا يقرون بأن الله جل وعلا هو الذي خلقهم، وهو الذي رزقهم سبحانه وتعالى، وهو الذي أحياهم، وهو الذي يميتهم. فهذا يدلنا على إقرارهم بالملك لله جل وعلا، والخلق، والتدبير، والرزق، والإحياء، والإماتة، وكل هذا من أفعال الله جل وعلا، الذي هو من أفراد ربوبيته جل وعلا. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الآيات في كتاب الله جل وعلا التي فيها بيان هذا الإقرار من المشركين بربوبية الله جل وعلا. فالآية الأولى فيها بيان أن هؤلاء المشركين إذا سئلوا: من خلقهم؟ يقولون: الله. ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وهكذا إذا سئلوا: من خلق السماوات؟ ومن خلق الأرض؟ يقولون: الله، كما قال جل وعلا: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. وهكذا إذا سئلوا: من يرزقهم من السماء والأرض؟ ومن يملك السمع والأبصار؟ ومن يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي؟ ويدبر الأمر؟ يجيبون ويقولون: الله، كما قال جل وعلا: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾. وهذا دليل واضح على إقرار المشركين بهذا النوع من الربوبية. فالمشركون في الجملة أقروا بربوبية الله جل وعلا، وإن كان هناك من ضل في باب الربوبية من المشركين، وهم الذين أنكروا البعث. وإنكار البعث هو قدح في توحيد الربوبية، قال جل وعلا: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا﴾، قل: بلى وربي لتبعثن. فهذا الإنكار للبعث فيه قدح في باب الربوبية، في ربوبية الله جل وعلا. ولكن كما سمعتم أن المشركين من حيث الخلق والرزق والتدبير والملك، فقد أقروا لله جل وعلا به، وأنه جل وعلا الخالق، الرازق، المالك، المدبر، المحيي، المميت سبحانه وتعالى. ومع هذا لم ينفعهم الإقرار بالربوبية، لأن من لازم الإقرار بالربوبية الإقرار بالألوهية، وهم لم يقروا بألوهية الله جل وعلا، وإنما أنكروا ذلك، ولم يستسلموا لذلك. قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. ولذلك لم ينفعهم الإقرار بالربوبية، وكما سيأتي الكلام في توحيد الألوهية، في إنكار المشركين بهذا النوع من أنواع التوحيد. ولذلك استحل النبي عليه الصلاة والسلام دماءهم وأموالهم، وقاتلهم عليه الصلاة والسلام بأمر الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: ولم يكن أحد من هؤلاء المشركين، ولا غيرهم ممن يقر بالخالق، يعتقد أن أحدا من الخلق شارك الله تعالى في خلق السماوات والأرض، أو غيرهما. ولم ينقل أرباب المقالات الذين جمعوا ما قيل في الملل والنحل والآراء والديانات عن أحد من الناس أنه قال بذلك. وهذا فيه بيان أن المشركين وغير المشركين ممن أقر بأن الله جل وعلا هو الخالق، لم يعتقد أن أحدا من الخلق شارك الله تعالى. لا يوجد أحد يقول بأن هناك مشاركا لله جل وعلا في الخلق، وأن هناك من يماثل الرب جل وعلا في أفعاله وصفاته. فلم يفت أحد مشاركا لله جل وعلا في الخلق والرزق والتدبير. وهكذا كذلك لم يجعل أحد مثيلا لله جل وعلا في صفاته وأفعاله. وإن وجد أحد ممن أنكر ربوبية الله جل وعلا، وادعى الخلق وادعى التدبير، إنما هو عن جحود ومكابرة. وإلا فالخلق فطروا على هذا النوع من أنواع التوحيد، وهو توحيد الربوبية، إلا من كابر في هذا، وجحد ما استيقنته نفسه، وهي الفطرة التي فطر عليها. فبين رحمه الله تعالى أنه لا يوجد من ادعى المشاركة لله جل وعلا في خلق السماوات والأرض، والمثيل لصفاته جل وعلا وأفعاله. أي من يوجد ويماثل الرب جل وعلا في أفعاله وصفاته؟ ولا أن للعالم صانعين، ولا أن للعالم صانعين متكافئين في الصفات والأفعال. هل هناك أحد قال: يوجد مثل الله مثيل لرب العالمين جل وعلا يفعل مثل ما يفعل الله جل وعلا؟ أفعاله كأفعال الله في خلقه ورزقه وإحيائه وإماتته وتدبيره؟ أبدا لم يوجد أحد ادعى أن للعالم صانعين. وما نقل عن من كتب في الملل والنحل التي مضت، ومن كتب عن أهل المقالات التي نقلت مقالاتهم. نعم، لم يوجد شيء نقل عن أحد من أهل الملل والنحل أنه يقول بوجود خالقين متكافئين. حتى المجوس الثنوية نقل عنهم القول بوجود خالقين، وأن للعالم خالقين. لكن هل جعلوا هذين الخالقين متكافئين ومتساويين؟ لا. فلذلك قال رحمه الله: ولم ينقل أرباب المقالات الذين جمعوا ما قيل في الملل والنحل والآراء والديانات عن أحد من الناس أنه قال بذلك. وغاية ما نقل قول الثنوية القائلين بالأصلين: النور والظلمة، وأن النور خلق الخير، والظلمة خلقت الشر. لكنهم لا يقولون بتساويهما وتكافئهما. فالنور مضيء موافق للفطرة، خلاف الظلمة. والنور قديم. ولهم في الظلمة قولان: أحدهما أنها محدثة مخلوقة للنور، فيكون النور أكمل منها. الثاني أنها قديمة، لكنها لا تخلق إلا الشر، فصارت الظلمة ناقصة عن النور في مفعولاتها، كما أنها ناقصة عنه في وجودها وصفاتها. هذا الذي نقل عن الثنوية، والثنوية هم المجوس الذين يقولون بوجود خالقين للكون: إله الخير وإله الشر، وإله النور وإله الظلمة. ويدعون أن النور خلق الخير، وإله النور خلق الخير، وإله الشر وإله الظلام خلق الشر. ولذلك يقولون: إله النور أفضل من إله الشر، لأن إله النور خلق الخير، وإله الشر خلق الشر. ومنهم من يقول: إله الشر هو الشيطان الذي خلق الشر. فجعلوا الله جل وعلا خلق الخير، والشيطان خلق الشر. هذا الذي نقل عن المجوس وعن الثنوية. ومنهم كذلك المانوية، والمجوس أصلهم من النجوس بالنون، وهم أصلهم من بلاد فارس، وسموا بالنجوس لأنهم يتعبدون الله جل وعلا بالنجاسات. فهؤلاء المجوس يقال لهم: الثنوية، ومنهم المانوية، وهم أتباع مانئ بن فاتك، الذي نسبت إليه المانوية القائلين بهذا القول، وهو وجود خالقين وإله النور وإله الظلام. قال رحمه الله تعالى: والنور قديم. قالوا: لهم في الظلمة قولان: أحدهما أنها محدثة مخلوقة للنور، فيكون النور أكمل منها. الثاني أنها قديمة، لكنها لا تخلق إلا الشر. وهذا تقدم الكلام فيه. يعني اختلفوا حتى في هذين الإلهين: أيهما أسبق؟ وأيهما الحادث؟ وأيهما المحدث؟ فجعلوا الظلام محدثا، والنور هو الذي أحدث هذا الإله إله الشر، وهو إله الظلام. وهكذا فضلوا إله النور على إله الظلام، قال: لأن النور مضيء موافق للفطرة، فهو محبوب للفطرة، خلاف الشر والظلام. وهذا كله الكلام يدلنا على ضلال هؤلاء، وأنهم مع إثباتهم لوجود خالقين، إلا أنهم لم يثبتوا خالقين متساويين متكافئين. فإذا لم ينقل أحد، وما نقل عن أحد القول بوجود خالق مع الله جل وعلا مكافئ مماثل مساوي لله جل وعلا في صفاته وأفعاله، كما ذكر المؤلف أنه لم ينقل حتى ما نقل عن المجوس، وعن الثنوية، وعن المانوية. هؤلاء إنما هو قول لوجود إلهين غير متساويين، غير متكافئين. وهذا يدلنا على أنه لا يمكن أن يكون للكون إلا إله واحد، وخالق واحد، ومدبر واحد، ورازق واحد، ومحيي واحد، ومميت واحد. وهو الذي يجير ولا يجار عليه. وكما قال جل وعلا: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. وهذا من الأدلة التي استدل بها دليل شرعي على ذلك. والدليل عقلي، ودليل شرعي في كتاب الله أيضا يذكر لمن أراد دليلا عقليا، وأنه لا يمكن أن يوجد للكون خالقان. نعم، أو خالقان، لأنه لا يمكن أن يستقر الأمر على ذلك. إما أن يغلب أحدهما الآخر، فتثبت الألوهية والربوبية لمن غلب. وإما أن يعجز أحدهما عن الآخر، فتزول الألوهية والربوبية منهما، لأن العاجز لا يصلح أن يكون ربا وإلها. وهذا دليل عقلي يدل على ما دلت عليه الفطرة، فضلا عن الكتاب والسنة، بأن الخلق إنما هو لواحد، والرزق والإحياء والإماتة والتدبير، وهو الله جل وعلا. ولم يخالف في ذلك أحد، حتى من كابر وقال بوجود خالقين، لم يقل بتساوي وتكافئ هذين الخالقين، كما سمعتم. وهؤلاء كذلك المانوية، ومنها فرقة يقال لها: المزدكية. والمزدكية أتباع رجل يقال له: مزدك. وهم أيضا يقولون بهذا من اعتقاداتهم: وجود خالقين للكون. والمزدكية هذه صاحبها مزدك هذا له اعتقادات، له اعتقادات. فهو يقول بالإباحية، يبيح كل شيء. ما شيء حرام عنده. نعم، حتى إتيان النساء المحارم أباح كل شيء. فهو داع إلى الإباحية. قال رحمه الله تعالى: وأما قول فرعون لقومه حين جمعهم فنادى: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وقوله: ﴿وَمَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، فمكابرة لم يصدر عن عقيدة، بل كان يعتقد في قرارة نفسه أن الله هو رب السماوات والأرض. ولهذا لم يكذب موسى حين قال له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾، وقرأ قوله تعالى عن فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. فرعون ظل في توحيد الربوبية، أنكر ربوبية الله جل وعلا حين ادعى الربوبية لنفسه. قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وقال: ﴿وَمَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. ادعى أنه الخالق والرازق والمدبر. هل هذه الدعوة من فرعون دعوة عن عقيدة وعن يقين؟ لا، وإنما عن مكابرة وجحود. كما تقدم موسى عليه الصلاة والسلام لما قاله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾. ما قال: لم أعلم. فيقول له: لقد علمت. هذا شيء محقق، علم محقق عندك. علم محقق عندك أنك لست أنت الذي تنزل من السماء ما تنزل، ومن الأرض ما تنزل. ولكنك معاند. وإني لأظنك يا فرعون مثبورا. معاندا ومتعنتا. وإلا فعندك العلم بأنك لست أنت الذي أنزل. ومن ذلك التسع الآيات التي أنزلها الله جل وعلا على موسى، وهي من الآيات والبراهين الدالة على صدق رسالته عليه الصلاة والسلام. أي موسى. ففرعون ما قال: ما أنكر. وما رد. ما قال: لا، أنا ما عندي علم بذلك. وهذا دليل سكوت فرعون وعدم الرد على موسى، دليل على أنه يقر بذلك، وقد علم ذلك في قرارة نفسه. لكن لماذا إذن يدعي وقد علم في قرارة نفسه أنه ليس هو الخالق، وليس هو الذي ينزل من السماء وينزل من الأرض؟ السبب الجحود والمكابرة، كما بيّن الله جل وعلا: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. وجحدوا بها، أي أنكروا هذا وجحدوه. وإلا فأنفسهم قد استيقنت، لكن بسبب ظلمهم وعنادهم، استكبارهم وجحودهم، أنكروا ذلك الذي قد استقر في نفوسهم. إذن حتى فرعون، وهو الذي دعا الربوبية. نعم، لم يكن ذلك عن استيقان لما في نفسه، وإنما عن مخالفة لما استيقنت به نفسه، وإنما عن مكابرة وجحود. وإن فرعون هلك. وهذه آية كونية جعلها الله سبحانه وتعالى دالة على كذبه. نجاه ببدنه ليكون عبرة لمن أراد أن يعتبر. هل هناك أطغى من فرعون الداعي الربوبية؟ فانظروا إلى حاله. أهلكه الله وأغرقه جل وعلا. فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية، أي عبرة وعظة. وهذا يدلنا على أن من نازع الله جل وعلا في ربوبيته عوقب في العاجل قبل الآجل. مثلما ادعى النبوة، وهلك المسيح الدجال. سيخرج في آخر الزمان، وسيدعي الربوبية، وسيهلك. نعم، فلا خالق إلا هو جل وعلا، ولا مدبرا، ولا رازق إلا هو سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: وأما قول من قال من الناس: إن بعض الحوادث مخلوقة لغير الله، كالقدرية الذين يقولون: إن العباد خالق أفعالهم. فإنهم يقرون بأن العباد مخلوقون، والله تعالى هو خالقهم وخالق قدرتهم. القدرية الذين كما تقدم معنا يقولون: العبد يخلق فعل نفسه. هؤلاء جعلوا شريكا لله جل وعلا في الخلق، وهم العباد، وأنهم يخلقون أفعالهم. لكن هل هذه الدعوة منهم، وهذا الاعتقاد منهم، يعتقدون أن العباد شركاء لله جل وعلا في الخلق والرزق؟ أبدا. وإنما استثنوا خلق أفعال العباد، فأخرجوها من جملة خلق الله جل وعلا، لشبهة عندهم. حتى بزعمهم ينزهون الله جل وعلا عن المعاصي التي يفعلها العباد. بزعمهم أنها إذا كانت مخلوقة لله، فكأن المعنى أن الله يرضاها، وأنه يكون من الظلم معاقبة العباد على هذه الذنوب والمعاصي إذا فعلوها. إذا كان الله جل وعلا هو خالقها. فجعل العبد هو الذي يخلق فعل نفسه. فهذه الدعوة ليست معناها أنهم قد جعلوا شريكا لله جل وعلا في الخلق، بل هم يعلمون أن العباد مخلوقون عندهم. العباد يعلمون العباد مخلوقين لله جل وعلا. نعم، العبد مخلوق لله جل وعلا. فكيف يكون العبد مخلوقا لله جل وعلا، وفعله غير مخلوق لله؟ هذا تناقض. فدل هذا حتى فدل هذا على أن هؤلاء الذين قالوا بهذا، فليس معنى ذلك أنهم اعتقدوا أن لله مشاركا في الخلق، في خلق السماوات، وفي خلق الأرض، وفي خلق النبات، وغير ذلك. وإنما ظلوا في هذا الباب، فجعل العبد يخلق فعل نفسه، مع الإقرار بأن العبد مخلوق لله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم، الذين يجعلون بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور، يعتقدون أن هذه الفاعلات مخلوقة حادثة. وبهذا يتقرر أنه لم يكن أحد من الناس يدعي أن للعالم صانعين متكافئين. هؤلاء أهل الفلسفة والطبع، والطبع هم الذين يقولون: الأمور تتفاعل بطبيعتها، فتخلق ذاتها. يعني الأمور هي تفاعلت بطبيعتها، تفاعل بعضها مع بعض، حصل تفاعل بين هذه الأمور. فلما حصل هذا التفاعل، ماذا وجدت؟ وخلقت ذواتها. الأمور بطبعها تفاعلت، ثم أحدثت ذاتها. وهذا كلام باطل. كيف أمور موجودة، ثم هي التي أوجدت نفسها؟ هي موجودة أصلا. فإذا كانت موجودة وتفاعلت مع بعضها، ثم أحدثت نفسها. كيف ذلك؟ من أحدثها؟ هل أحدثت نفسها؟ أبدا. أم خلقوا من غير شيء؟ أم هم الخالقون؟ لابد لكل محدث من محدث. لابد لكل محدث من محدث. لا يمكن هل يمكن أن يوجد عمل من غير عامل؟ أبدا. هل يمكن أن يوجد خلق من غير وجود خالق؟ أبدا. وهل يمكن أن يوجد محدث من غير محدث؟ أبدا. فإذا هؤلاء أهل الطبائع، طبائعيون الذين يجعلون الخلق للطبيعة، وأن نفسها باطل عقلا وحسا، فضلا عن الدليل الشرعي من الكتاب والسنة. وهكذا الذين يجعلون النجوم لها الأثر في الحوادث، وأنها التي تبدع هذه المخلوقات. فمثلا الريح إذا هبت، يقولون: هذا النجم الفلاني أحدث هذه الريح. وإذا نزل المطر، قالوا: النجم الفلاني أحدث هذا المطر. وما يحصل كذلك من حوادث، نسبوها إلى النجوم، وأن النجوم التي أحدثتها. هذا شرك في الربوبية، وهو أيضا من الشرك الذي كان عليه الصابئة قوم إبراهيم، الذين أرسل إليهم إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، والذين يقولون بروحانية الكواكب، وأن الكواكب روحانية في الحوادث، ولها الأثر في وجودها، وغير ذلك. وهذا من الشرك في الربوبية. المؤلف يريد ماذا يريد؟ حتى أن هؤلاء أهل الطبيعة، وأهل الفلسفة، وأهل النجوم، الذين يدعون بأن النجوم لها أثر في هذه الحوادث، ولها تأثير في الخلق. نعم، لم يقولوا بخالقين، لم يقولوا بخالقين، ولم يعتقدوا بوجود خالقين متكافئين متساويين لله جل وعلا في كامل خلقه، وفي تمام خلقه. وإنما جعلوا شيئا من الخلق، وشيئا من التأثير لهذه النجوم في هذه الحوادث التي تحدث في ملكوت الله جل وعلا، وأنها مما أبدعته النجوم وأحدثته في هذا الملكوت. لكن ليس معنى ذلك: قالوا النجوم التي خلقت السماوات، وخلقت الأراضين، وخلقت الجن والإنس. أبدا. ولم يقولوا: النجوم مثل رب العالمين في الخلق والرزق والتدبير إلى آخر ذلك. فإذا لا يوجد هناك من يقول بوجود خالقين متكافئين متساويين، وصانعين متكافئين. وأيضا من ضل في هذا الباب: الدهرية الذين يقولون: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾. فنسبوا الإهلاك والإماتة للدهر، والحياة، وأنه الذي يهلكهم. وهذا في تعطيل لشيء من أفراد ربوبية الله جل وعلا، أنه جل وعلا هو الذي يحيي ويميت، وهو الذي يهلك سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. فجعل الدهر يهلك. نعم، ويوجد في مشاركة لرب العالمين. لكن هل هؤلاء الدهرية حين قالوا: الدهر هو الذي يهلكنا؟ هل معنى ذلك أنهم جعلوا الدهر مثل رب العالمين جل وعلا، وساووا الدهر بالله جل وعلا، وأنه مثل رب العالمين في الخلق والرزق والإحياء والإماتة؟ لا. وإنما نسب ذلك إلى الدهر، وأن الدهر هو الذي يتصرف فيهم، ويدبر أمورهم. وتعطيل لربوبية الله جل وعلا. وليس فيه إثبات خالقين، ليس فيه إثبات منهم خالقين لله جل وعلا متكافئين متساويين. لأنهم لم يقولوا: الدهر الذي خلق السماوات والأرض. ولم يقولوا: الدهر كذا وكذا. يعني جعلوا للدهر ما هو لله جل وعلا. فلم يجعلوا الدهر مثيلا مساويا مكافئا. وإنما جعلوا للدهر أنه الذي يهلكهم. فعطلوا الله جل وعلا عن شيء من ربوبيته، حيث جعلوا الدهر شريكا لله جل وعلا في هذا الأمر بخصوصه، وهو الإهلاك. لكن لم يجعلوا الدهر مثل رب العالمين جل وعلا في أفعاله كلها. وهذا مراد مؤلف كتاب "التوحيد" رحمه الله تعالى. وأيضا من ضل في هذا الباب: مثلثة النصارى. مثلثة النصارى كذلك ضلوا في باب الربوبية، قالوا بثلاثة: إن الله ثالث الأب والابن وروح القدس. الأب والابن وروح القدس. فجعلوا عيسى عليه السلام ابنا لله. لكن هل جعلوا عيسى شريكا لله جل وعلا؟ هل قالوا: عيسى يخلق؟ هل قالوا: عيسى يرزق؟ لا. وإنما جعلوا ابنا لله جل وعلا. ضلوا في الربوبية في هذا الباب، وعطلوا الله جل وعلا عن ربوبيته، بنسبة الولد إليه. لكن مع هذا لم يقولوا: إن عيسى هو الله جل وعلا، وأنه يفعل مثل فعل الله جل وعلا، من خلق ورزق وحياة وإماتة. وكذلك ممن ضل في هذا: أهل وحدة الوجود، وأهل الحلول، وأتباع ابن عربي. أثبتوا ربوبية الله جل وعلا، لأنهم جعلوا المخلوق هو عين الخالق. فيجعلون كل ما هو موجود في الوجود، أنه الخالق: السماوات والأرض والأراضون والبشر والحيوانات وكل شيء عندهم موجود، فهو الخالق جل وعلا. وتعطيل لربوبية الله سبحانه وتعالى. وكابروا في ذلك. ويجعلون العبد هو الرب، والرب هو العبد، شيء واحد. العبد والرب شيء واحد. العبد هو عين الرب، والرب هو عين العبد. كما قال ابن عربي: "العبد رب والرب عبد، يا ليت شعري من المكلف؟ إن قلت عبد فذاك رب، وإن قلت رب فأنا يكلف". يعني يقول: العبد والرب شيء واحد. لأنهم يجعلون ما في الوجود هو عين وجود الخالق. بل حتى الخنزير والكلب عندهم هو الله سبحانه وتعالى، لأنه حل فيه واتحد به. كما قال ابن عربي: "وما الكلب والخنزير إلا إلهنا، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا". وذلك لضلالهم في هذا الباب، فاعتقدوا أن الخالق اتحد بالمخلوق، وحل في المخلوق. وهذه فرقة ضالة، قال لها أهل الحلول والاتحاد. وهم من ضل في باب الربوبية، لكن ضلالهم مكابرة، كما تقدم. الخلاصة: أنه لا يوجد هناك من يقول بأن للكون خالقين متساويين متكافئين. ومن قال بشيء من هذا، إنما قال بوجود خالق أو وجود خالقين غير متكافئين، كالمجوس. أو ادعى الربوبية جحودا ومكابرة، كفرعون. أو كذلك غير هؤلاء ممن عطلوا الله ربوبيته، لكن ليس معنى ذلك أنهم قالوا بوجود خالق مع الله، ورازق، وله أفعال مثل أفعال الله، ومثيل الله، ومساوي ومكافئ. فيريد المؤلف رحمه الله تعالى أنه لم يثبت قول عن أحد قال بوجود خالق مع الله جل وعلا مثيل له. وبهذا ينتهي الفصل. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.