الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 68، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتناول هذا الفصل الرد على شبهة المعتزلة حول إثبات الصفات لله تعالى، ويوضح أن إثبات الصفات لا يقتضي التشبيه أو تعدد الذات الإلهية. يُبين أن الصفات تابعة للذات وليست منفصلة عنها.
يفسر هذا الفصل الفرق بين الصفة والموصوف في إثبات صفات الله تعالى، ويوضح أن إثبات الصفات يعني إثبات صفات قائمة بذات الله على ما يليق به. يُبين أن نفي التشبيه لا يجب أن يكون سبباً لإنكار الصفات.
يناقش هذا الفصل الفرق بين إثبات الصفات لله تعالى والتشبيه، ويبرز أن القرآن نفى المثلية والكفاءة وليس الصفات. يُظهر أن الأدلة تثبت صفات الكمال لله تعالى.
يتضمن هذا الفصل الدعاء للنبي محمد بالصلاة والسلام والبركة، ويشمل الدعاء أيضًا آله وصحبه أجمعين، ويُعد ختاماً للمواضيع السابقة.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. ومن بعد، ذكرنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف، ورحمه الله تعالى، في أنه لا يجوز ولا يصح الاعتماد على مجرد نفي التشبيه فيما ينفى عن الله جل وعلا. ورد المؤلف رحمه الله تعالى على هذا بوجهين. الوجه الأول: أن المعتزلة عندهم إثبات الصفات تشبيه، فلأجل اختلاف الناس في معنى التشبيه، فعند المعتزلة إثبات الصفات تشبيه. فإذن الاعتماد على مجرد نفي التشبيه في ضابط ما ينفى عن الله يقتضي نفي الصفات. وذلك لأن المعتزلة عندهم من أثبت صفة لله جل وعلا قديمة كالقدم أو العلم والقدرة، فإنه أثبت مثيلا لله جل وعلا. لأنه خص وصف عندهم للإله والقدم. ورد المؤلف على هذا بوجهين: المنع والتسليم. فالمنع يقال لهم: ليس أخص وصف لله جل وعلا القدم، وإنما خص وصف لله جل وعلا كونه رب العالمين، وكونه على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم. هذا خص وصف للإله. أما القدم، فإنه لم يثبت على النبي صلى الله عليه وسلم وصف الله جل وعلا بالقدم، وأن من صفاته القدم. وإنما ثبت وصف سلطانه بالقدم، كما في استعاذته عليه الصلاة والسلام: «أعوذ بالله العظيم بوجه الكريم وسلطانه القديم». فالوصف للقدم إنما هو لسلطان الله جل وعلا. إثبات الصفات لله جل وعلا لا يقتضي إثبات إله مع الله جل وعلا، لأن هذه الصفات الثابتة لله جل وعلا صفات تابعة للذات. صفات تابعة للذات، فذات الرب جل وعلا موصوفة بصفات. فالله جل وعلا ذاته واحدة، هذه ذات موصوفة بصفات: صفة العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، وغير ذلك من الصفات الثابتة لله جل وعلا. وتعدد الصفات لا يقتضي تعدد الذات. الإنسان موصوف بصفات، ولا يقتضي ذلك تعدد ذاته، فهو يسمع ويبصر ويتكلم، وطويل وكذا، إلى آخر ذلك من الصفات، وله ذات واحدة. ولله المثل الأعلى، فإثبات الصفات لله جل وعلا هي تابعة للذات. فذات الله جل وعلا تسمت بأسماء حسنة، واتصفت بصفات عليا. فغلطهم من هذا الوجه، حيث ظنوا أن إثبات الصفات لله جل وعلا يقتضي تعدد ذات الرب جل وعلا. ولذلك يقولون: إثبات الصفات يقتضي تعدد القدمة، ويريدون بهذا الذات القديمة. إذا أثبتت صفات لله جل وعلا قديمة، وذات الله جل وعلا قديمة، إذن هذا فيه تعدد للذوات. ما صارت ذات واحدة، وإنما صارت ذوات. وهذا لغفلتهم من هذا الباب، غلطوا وظنوا أن الصفات ماذا؟ شيء منفصل عن الذات. أن الصفات شيء منفصل وبائن عن ذات الله جل وعلا. والأمر ليس كذلك، بل الصفات تابعة للذات. فالصفات للموصوف الذي وصف بها، كما أن الأسماء للمسمى. فالله جل وعلا تسمى بالرحيم والرحمن والعزيز والقدير والملك، إلى آخر الأسماء. هذه الأسماء للمسمى، وهو الله جل وعلا الذي له ذات واحدة، لكن هذه الذات تسمت بهذه الأسماء. وهكذا فيما يتعلق بالصفات، فهي ليست بائنة، كما أن صفات المخلوق التي وصف بها فهي صفات لازمة لذاته، ليست منفصلة عنه، ولم يقتض ذلك تعدد ذات المخلوق. ولله المثل الأعلى، فإثبات الصفات لله جل وعلا هو إثبات صفات قائمة بذات الرب جل وعلا، على ما يليق به سبحانه وتعالى. فالصفة غير الموصوف، فليست الصفة هي عين الموصوف، وليست هي ذات الموصوف، وإنما الصفة للموصوف. وكذلك الاسم ليس هو عين الذات، نعم، وليس هو الذات، وإنما الاسم للمسمى، أي لتلك الذات التي تسمت بهذا الاسم، وهي ذات الرب جل وعلا المتصلة بالأسماء الحسنى والصفات العلى. فدل هذا على أن الاعتماد فيما ينفى عن الله جل وعلا على مجرد نفي التشبيه لا يصح، يؤدي إلى تعطيل الصفات. لأن معنى التشبيه عند المعتزلة ماذا؟ إثبات الصفات. فمن أثبت الصفات فقد شبه، فعليه أن ينفي ذلك عن الله جل وعلا. فإذا جعلت ضابطك نفي التشبيه، ألزمك المعتزلة بنفي الصفات عن الرب جل وعلا، لأنهم لا يفهمون من التشبيه إلا هذا المعنى، وأنه من أثبت الصفات فقد وقع في التشبيه. ولذلك عطلوا صفات الرب سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك يلزمك الأشاعرة بنفي كذلك الصفات التي نفوها، بحجة أن العقل لا يدل عليها. قال رحمه الله تعالى: كما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثلا يوصف بالحدوث، وتوصف صفاته بالحدوث، ولا يقتضي ذلك أن تكون صفاته نبيا. النبي عليه الصلاة والسلام وصف بصفات كثيرة، هو رسول الله، وهو نبي رب العالمين جل وعلا. فهل الصفات الثابتة للنبي عليه الصلاة والسلام هي نبي الله؟ نعم، لا. نبي الله هو رسول الله عليه الصلاة والسلام. هذا النبي موصوف بالصفات، نعم، من العلم والرحمة والرأفة، نعم، وغير ذلك من الصفات. فليست هذه الصفات هي رسول الله، وليست هي ذات رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإنما الذات واحدة، وهي ذاته عليه الصلاة والسلام موصوفة بهذه الصفات. وهكذا له أسماء، اسمه الحاشر والعاقب والمقفي ونبي الرحمة ونبي الملحمة ومحمد وأحمد. هذه أسماء ثابتة للنبي عليه الصلاة والسلام. هل هذه الأسماء تسمى بها النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهذه الصفات التي اتصف بها يقتضي تعدد ذاته عليه الصلاة والسلام، وأن له ذوات؟ لا، هو ذاته واحدة، وله ذات واحدة، لكنها متصفة بهذه الصفات، وكذلك تسمى بهذه الأسماء. وهكذا كذلك المخلوقات، فما من مخلوق إلا وله اسم، وله كذلك صفات، وله ذات واحدة. ولله المثل الأعلى، ذاته واحدة جل وعلا، وهو له الأسماء الحسنى التي تطلق على تلك الذات، وله الصفات العليا التي توصف بها ذات رب العالمين سبحانه وتعالى. فلم يفرق بين الصفة والموصوف، فلما جعلوا الصفة هي عين الموصوف، وجعلوا الصفة هي الذات، هنا قالوا: إثبات الصفات يستلزم تعدد ذات الرب جل وعلا، وتعدد القدمة، يعني ما صارت ذات واحدة قديمة، وإنما صارت ذوات متعددة. وهذا غلط وضلال واضح بين. قال رحمه الله تعالى: وعلى هذا فلا يكون إثبات الصفات القديمة لله تعالى مثيلا ولا تشبيها. قالوا: أما التسليم، فيقولون: نحن وإن سلمنا أن هذا المعنى قد يسمى في صلاح بعض الناس تشبيها أو تمثيلا، فإنه لم ينفيه عقل ولا سمع. وحينئذ فلا مانع من إثباته. فالقرآن إنما نفى مسمى المثل والكفء والند ونحو ذلك. والصدر لغة العرب التي نزل بها القرآن ليست مثل الموصوف، ولا كفءا له، ولا ندا. فلا تدخل فيما نفاه القرآن. فالواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية فقط. ذكر هنا رحمه الله تعالى على القول بالتسليم، على قول هؤلاء الذين سموا إثبات الصفات تشبيها. فهذا الذي أثبتوه، ومن أن إثبات الصفات يقضي التشبيه، ويسمى تشبيها في صلاحهم. فهذا لم ينفى إثبات الصفات لله جل وعلا، لم ينفى لا شرعا ولا عقلا. هل الشرع نفى الصفات عن الله جل وعلا؟ نعم، لا. الأدلة كثيرة في كتاب الله، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، التي فيها إثبات الصفات لله سبحانه وتعالى. وهكذا العقل دال على إثبات صفات الكمال لله سبحانه وتعالى. أليس الذي خلق هذا الملكوت يتصف بصفة الخلق عقلا؟ بلى. من هذا الذي عقله يستحيل ذلك؟ إذا قيل له: من خلق هذا الملكوت؟ ألا يتصف بصفة الخلق؟ إذا قال لا، هذا خلل في عقله، مجنون. نعم، بل حتى المجنون لا يقول ذلك. إذا قلت له: الذي يخلق هل يستحق أن يتصف بصفة الخلق؟ يقول لك نعم. فالأدلة الشرعية والعقلية لم تنفي الصفات، لم تنفي الصفات عن الله جل وعلا، أي صفات الكمال. بل أثبتتها. وإن سماها الناس تشبيها خطأ عندهم. الخطأ عندهم حين سموا هذا الأمر تشبيها. نعم، لأنهم سموا ما لا يصح أن يسمى بهذا الاسم. فإثبات الصفات لا يسمى تشبيها، وإنما يسمى إثباتا. يسمى إثبات لله جل وعلا ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام. أما أنتم من تسمون تسمون إثبات الصفات تشبيها؟ فالخلل عندكم. أنتم الذين تحتاجون أن تنبهوا، ويقال لكم: يا أيها الناس، لا تسموا هذا تشبيها. هذا ليس بتشبيه، هذا إثبات ما أثبت في الكتاب والسنة. فدل هذا على أن المنفي إنما هو المثلية للصفات والكفو لهذه الصفات. فالواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية. كذلك دال على نفي ماذا؟ التمثيل لصفات الرب العالمين جل وعلا. فالله سبحانه وتعالى هو الخالق وحده، وهو الرازق وحده، وهو جل وعلا الذي يحيي ويميت وحده، وهو مالك الملك وحده. فهذا يقتضي أن تثبت له الصفات، لا يشاركه فيها أحد. إلا إذا كان هناك مثله، من كان يخلق؟ ومن كان يرزق؟ ومن كان يحيي ويميت؟ ومن كان على كل شيء قدير؟ ومن كان رب العالمين؟ ومن كان لا يعجزه شيء؟ فمن اتصف بهذه الأوصاف استحق أن تكون له صفات مثل صفات رب العالمين جل وعلا. ولا وجود لخالق غير الله جل وعلا، ولا محيي ولا مميت، ولا على كل شيء قدير، ولا بكل شيء عليم إلا الله جل وعلا. فهذا يقتضي عقلا أن ينفرد بصفات لا يشاركه فيها أحد. فهذا هو المنفي عن الله جل وعلا، والواجب نفي هذا الذي نفته الأدلة الشرعية والأدلة العقلية. وذكر مثالا آخر مع الأشاعرة. هذا إن شاء الله تعالى سيكون في الدرس اللاحق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.