الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 52، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يستعرض المقطع الأدلة الشرعية من القرآن الكريم على أن كيفيات صفات الله مجهولة للبشر، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ونهي الله عن القفو. ويذكر موقف الإمام مالك رضي الله عنه وغضبه حين سُئل عن كيفية الاستواء، مؤكداً أن الخوض في كيفيات الصفات قول على الله بغير علم وتمثيل للخالق بالمخلوق.
يبيّن المقطع أن القول على الله بغير علم كتعيين كيفية صفاته من أعظم الموبقات الموصلة للشرك، مستدلاً بآية الأعراف وكلام ابن القيم. ويقرر عقلياً أن إدراك الكيفية لا يكون إلا بالمشاهدة أو النظير أو الخبر الصادق، وكلها منتفية في حق الله.
يبيّن المقطع أن معرفة كيفية صفات الله متعذرة على البشر لانعدام المشاهدة، وانتفاء النظير والمثيل، وخلو الوحي من بيان الكيفية. ويؤكد أن العقل يعجز عن إدراكها، فالواجب الوقوف عند حد النص والكف عن التمثيل والتخيل.
يؤكد المقطع أن أي محاولة لتخيل صفات الله أو تقديرها بالعقل البشري هي كذب على الله بلا علم، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. ويختتم الدرس بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فذكرنا في الدرس الماضي هذا الفصل، أو قرأنا في الدرس الماضي الفصل الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في بيان أن ما أخبرنا الله جل وعلا به عن نفسه مجهول لنا من جهة الكيفية، بعد أن ذكر رحمه الله تعالى أن ما أخبرنا الله جل وعلا به عن نفسه من جهة المعنى معلوم لنا. هنا ذكر في هذا الفصل الأدلة السمعية والعقلية، والمراد بالأدلة السمعية أدلة الكتاب والسنة. فذكر رحمه الله تعالى هذا الفصل لبيان هذا الأمر، وأن ما أخبرنا الله جل وعلا به عن نفسه مجهول لنا من جهة الكيفية. ذكر دلالة السمع: كتاب وسنة. ذكر أدلة من كتاب الله جل وعلا، الآية الأولى: قال رحمه الله: «فأما دلالة السمع فمن وجهين: الأول: قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾». قال: «فإن نفي الإحاطة بالله علما شامل للإحاطة بذاته وصفاته، فلا يعلم حقيقة ذاته وكنهها إلا هو سبحانه وتعالى، وكذلك صفاته». وهذا واضح: الله جل وعلا نفى الإحاطة به علما، فلا أحد يحاط بالله جل وعلا علما، ومن هذا المنفي علم كيفية صفات الله جل وعلا، فلا يعلم أحد كيفية صفات الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله جل وعلا لم يخبرنا بذلك، لم يخبرنا بكيفية صفاته، أخبرنا بأنهم متصفون بهذه الصفات التي أخبر عنها في كتابه، وبلغها رسول الله عليه الصلاة والسلام في سنته. وأما الكيفية فلم يأتِ خبر في كتاب الله، لا آية، وهكذا في سنة النبي عليه الصلاة والسلام لم يأتِ حديث فيه بيان كيفية صفة الوجه مثلا، وصفة اليدين، أو الصفات الأخرى. فهذا يدلنا على أن هذا مجهول لنا، العلم بكيفية الصفات مجهول لنا، وهذه الآية أحد هذه الأدلة الدالة على أن العلم بكيفية صفات الله جل وعلا هو أمر مجهول؛ لعدم إخبار الله جل وعلا، لعدم إخبارنا جل وعلا في كتابه أو على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام بعلم ذلك، بل نفى الله جل وعلا ذلك، فلا يعلم أحد ذات الله جل وعلا، كيفية ذات الله، ولا كيفية صفات الله سبحانه وتعالى إلا هو، لم يطلع على ذلك ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، لا الملائكة يعلمون كيفية صفات الله جل وعلا ولا الأنبياء، هذا مما استأثر الله جل وعلا به في علمه، لا يعلم ذلك أحد. ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»، وفسر بعض العلم أن من ذلك كيفية صفاته جل وعلا، فلا يستطيع النبي عليه الصلاة والسلام أن يحصيها عددا، ولا كذلك أن يعلمها كيفية من باب أولى. قال رحمه الله تعالى: «الثاني: أن الله أخبرنا عن ذاته وصفاته، ولم يخبرنا عن كيفيتها، وعقولنا لا تدرك ذلك، فتكون الكيفية مجهولة لنا، لا يحل لنا أن نتكلم فيها أو نقدرها بأذهاننا، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾». هذا أيضا نص واضح بيّن في كتاب الله جل وعلا، فيه نهي عن قفو ما ليس للإنسان به علم، فأمر ليس للإنسان عنده فيه علم فهو منهي عن تجاوز ذلك، بل عليه أن يقف ولا يتجاوز ذلك. ليس عندك علم، كيف تتكلم في أمر لا علم لك به؟ إذا قال شخص: كيفية صفة الوجه كذا، من أين هذا العلم؟ هل عنده علم؟ حين قال هذا ليس عنده علم، إذن قال على الله جل وعلا قولا بغير علم، قف ما ليس له به علم، قف ما ليس له به علم، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وهذا لا علم لك ولا علم عندك به، فالواجب عليك أن لا تتكلم في ذلك، تقف ولا تذكر إلا شيئا علمته نصا في كتاب الله أو نصا في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وكيفيات الصفات لا علم لأحد بها، فكيف بعد ذلك يريد الإنسان أن يعرف كيفيات هذه الصفات أو يسأل: يقول كيف صفة كذا؟ لا تسأل عن كيفية صفة كذا؛ لأن سؤالك يحتاج إلى جواب، والجواب يحتاج إلى دليل. ولذلك إمام مالك رحمه الله لما سئل عن الاستواء، نعم، غضب رحمه الله، وعلاه الرحضاء من الغضب، من شدة وقع هذا السؤال. هذا السؤال يسأل يريد أن يعرف كيفية الاستواء، الرب جل وعلا كيف الاستواء؟ هل عند أحد علم في هذا؟ لا، ليس لأحد علم في هذا، والقول في هذا قول على الله جل وعلا بغير علم؛ لأنه لا دليل، لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، يدل على كيفية استواء الرب جل وعلا، وهكذا كيفية الصفات الأخرى. فمن تكلم في هذا فقد قال على الله جل وعلا بغير علم، أي: من أثبت كيفية لصفة من صفات الله جل وعلا، سواء كان قال ذلك بلسانه، أو قدر ذلك بذهنه، أو قدر ذلك بذهنه وظن أن هذه هي الكيفية لصفة الله جل وعلا، لصفة الوجه أو لصفة اليدين، وإن لم يقل ذلك بلسانه، قدرها بذهنه، فقد قال على الله جل وعلا بغير علم، وقال قولا شنيعا، بل وقع في تمثيل صفات الخالق جل وعلا الذي ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وهكذا الآية الأخرى، وهكذا الآية الأخرى فيها تحريم القول على الله جل وعلا بغير علم. بل ربنا عز وجل ذكر القول عليه بغير علم بعد نهي عن الشرك، سبحانه وتعالى، فجعل القول على الله جل وعلا بغير علم من الموبقات ومن العظائم، بل قدم النهي عن الشرك به جل وعلا على النهي عن القول عليه بغير علم. قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. حتى قال الإمام ابن القيم رحمة الله تعالى عليه: «ما سبب وقوع الناس في هذه الأمور وفي هذه العظائم إلا بسبب القول على الله جل وعلا بغير علم». ولذلك رتب هذا الترتيب في مثل هذا النص: ما وقع الناس في الشرك بالله جل وعلا إلا لأنهم قالوا على الله جل وعلا بغير علم، فوقعوا في الشرك، ووقعوا في الكفر، ووقعوا في الفواحش، ووقعوا في الظلم، كل ذلك بسبب القول على الله جل وعلا بغير علم. فهذا الترتيب مقصود لهذا المعنى، كما نبه على ذلك رحمه الله تعالى. والشاهد الذي يريده المؤلف رحمه الله تعالى واضح في أن من قال على الله جل وعلا بغير علم فقد وقع في أمر عظيم، ومن ذلك أن يقول: كيفية صفة الله جل وعلا كذا أو كذا، أو يقدر ذلك بذهنه. فهذه بعض الأدلة التي ذكرها. ومنها كذلك قوله جل وعلا: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾. فكل من قال: كيفية صفة رب العالمين كذا، بلسانه، أو قدر ذلك بذهنه، فقد ضرب لله مثلا، فقد ضرب لله مثلا، والله جل وعلا يقول: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السُّوءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، والله جل وعلا يقول: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾. فالذي يجعل مثيلا لصفة من صفات الله جل وعلا وكيفية، قالها بلسانه وقدرها بذهنه، فقد ضرب لله مثيلا، وقد جعل الله ندا. إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول لذلك الرجل السائل الذي قال: «ما شاء الله وشئت يا رسول الله»، قال: «ما شاء الله وشئت»، قال: «أجعلت لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده». فكيف إذا قال شخص: كيفية صفة وجه الله جل وعلا كصفة وجه المخلوق؟ أليس قد جعل الله ندا؟ بل هذا الأمر أوضح وأوضح. إذا جعل كيفية مماثلة لصفة من صفات الله جل وعلا، فقد جعل لله ندا، قد جعل الله مثيلا، قد جعل الله نظيرا، حيث جعل ذلك الذي اتصف بتلك الصفة التي هي كصفة الله جل وعلا مثيلا لرب العالمين، شارك الله جل وعلا في هذه الصفة. ومن جعل الله جل وعلا شريكا في أي شيء، إن كان فقد جعل الله جل وعلا ندا ومثيلا ونظيرا، وإن لم يقصد ذلك، لكن الحقيقة كما سمعتم: النبي عليه الصلاة والسلام قال لذلك: «أجعلتني لله ندا؟» مع أن القائل ما قصد أن مشيئة الرسول عليه الصلاة والسلام كمشيئة الله، وأن له المشيئة المطلقة كمشيئة الله، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لا، ولكن أخطأ لفظا حيث قال ذلك. فكيف بمن لم يقل ذلك لفظا وإنما اعتقد ذلك بجنانه؟ نسأل الله العافية والسلامة. فهذا لشك أنه من الأمر العظيم، ومن التجني العظيم الذي يتنزه عنه ربنا سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «وأما دلالة العقل على ذلك، فلأن الشيء لا تدرك كيفيته إلا بمشاهدته، أو بمشاهدة نظيره المساوي، أو بالخبر الصادق عنه، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية ذات الله تعالى وصفاته، فتكون كيفية ذات الله وصفاته مجهولة لنا». وهذا واضح: الإنسان لا يعلم الشيء إلا إذا شاهده، أو شاهده نظيرا له، فيقيس على هذا النظير، على هذا النظير لذلك الشيء، فيستخدم القياس، أو يأتيه الخبر الصادق. فلا يمكن إنسانا يثبت شيئا وأنه كذا إلا إذا شاهده. على سبيل المثال: إذا لم يعرف الإنسان الأسد ولم يشاهد الأسد، هل يمكن أن يقول: وجه الأسد كذا، أو يد الأسد كذا؟ لا يستطيع، ما يستطيع أن يثبت كيفية صفة وجه الأسد إلا إذا شاهد الأسد. وهكذا الفيل، وهكذا الحمار، وهكذا الأرنب، وهكذا سائر المخلوقات، لا يستطيع أن يثبت كيفية صفة لها إلا إذا شاهدها. فلأنه شاهدها فيقول: وصفها كذا وكيفيتها كذا. أما إذا لم يعلم ذلك، فمن أين له يثبت صفة كيفية صفة وهو لم يشاهد تلك الصفة على الواقع؟ ما يستطيع، ما يستطيع. وكذلك إذا لم يعلم نظيرا، ربما لا يعلم مثلا الأسد أو الفيل أو الحمار مثلا، لكنه مثلا رأى مثلا الذئب، يعرف الذئب، نعم، شاهد الذئب، أو شاهد الفهد مثلا. فإذا قيل له: أتعرف وجه الأسد؟ كيف صفة وجه الأسد؟ وما رأى الأسد. إذا قال: هل هو مثل الذئب؟ هل هو مثل الذئب؟ لماذا يقول هنا: هل هو مثل الذئب أو مثل الفهد؟ ليقيس، يعني يدرك، نعم، يقول: خلاص أعرفها. عرف من أين؟ من مشاهدة النظير لذلك الذي لم يشاهده. هو لم يشاهد ذلك لكن شاهد نظيرا له. وعندنا مثل عند العوام يقولون: نعم، فتح وشاف ديك، يقولون هكذا: «فتح وشاف ديك»، يعني ما رأى إلا ديكا فقط، يعني هو أعمى، نعم، وفتح مرة على صورة الديك، فقد البصر مرة أخرى، صار لا يرى. فإذا قيل له: يا فلان، تعرف الجمل؟ قال: هو مثل الديك، هو مثل الديك. ليش يقول مثل الديك؟ يعني يقول له: أي، يعرف، خلاص معروف. ليش؟ لأن هنا عنده الصورة، صورة الديك، وجه الديك، ويد الديك، ورجل الديك، صار يقيس كل ما قال: لا تعرف كذا، قال: هو مثل الديك. فصار يضرب به المثل، يقولون: «فتح وشاف ديك»، يعني صار يريد أن يقيس كل شيء على هذا، لماذا؟ لأنه إذا علم أن ذلك الذي لم يره ولم يشاهده، نعم، هو يقارب هذا النظير، أو هذا النظير يعني مثله، فيعلم، يعلم من أين؟ من ذلك المساوي، ومن ذلك النظير. أو يخبره أحد بالكيفية، يخبره أحد بالكيفية، يقول له: كيفيتها كذا. وهذه الأمور منتفية، هذه الأمور منتفية في صفات الله سبحانه وتعالى. فنحن لم نشاهد كيفية صفات ربنا جل وعلا. هل نحن رأينا وجه الله؟ هل نحن رأينا يدي رب العالمين جل وعلا؟ أبداً، ما رأينا صفات ربنا سبحانه وتعالى؛ لأنه لا يرى أحد ربه في الدنيا، لا يرى أحد ربه في الدنيا، ولا النبي عليه الصلاة والسلام، نعم، وإنما كانت رؤية بالفؤاد وبالقلب، وليست رؤية بالبصيرة، وليست رؤية بالبصر، وإنما رؤية بالبصيرة. ولذلك لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام: هل رأيت ربك؟ قال عليه الصلاة والسلام: «نور، أنى أراه»، وفي حديث: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه». فلا أحد رأى الله جل وعلا. موسى طلب رؤية رب العالمين جل وعلا، قال له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، أي في الدنيا، ما يستطاع أحد أن تحمل رؤية رب العالمين، الجبل العظيم دك، الجبل العظيم دك، ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا، وخر موسى صعقا. فلذلك لم يشاهد أحد صفات رب العالمين جل وعلا، وكيفيات صفات الله جل وعلا. فإذا انتفت، انتفت المشاهدة. إذا لم نشاهد صفات ربنا سبحانه وتعالى، من أين نعلم؟ ومن أين لنا أن نقول: إن صفة الوجه كذا، أو نتخيلها بأذهاننا على صورة معينة؟ من أين لذلك؟ هل شاهدنا ذلك؟ هل شاهدنا صفات الله؟ أبداً، إذن هذا منتفٍ. طيب، هل رأينا نظيرا لصفات الله سبحانه وتعالى حتى نقيس عليها ونعلم كيفية صفات الله جل وعلا بذلك النظير الذي رأيناه؟ لا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فالأحد يماثل صفات الله، يشارك الله جل وعلا؟ ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، والمراد: لا سمي له، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. فإذن لا نظير، ولا مثيل، ولا كفو، ولا مماثل، ولا سمي. فإذن انتفى النظير، نعم، الذي به ربما يعلم الإنسان شيئا لم يشاهده لكن قياسا على ذلك النظير الذي رآه وهو يماثل ذلك الذي لم يره، وهذا منتفٍ في صفات الله جل وعلا؛ لأنه واحد أحد جل وعلا في ذاته وأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى. بقي الخبر، والخبر منتفٍ، الخبر منتفٍ. والخبر لا بد أن يكون في الكتاب والسنة. ما هو خبر أهل العقول الذي يتكلم بعقله ويقول: كيفية صفة كذا، صفة ربنا جل وعلا كذا؟ لا، خبر من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيه بيان أن صفة كذا من صفات رب العالمين كيفيتها كذا. هل هذا موجود؟ انظروا في كتاب الله جل وعلا، أين تجدون آية فيها الإخبار عن كيفية صفة من صفات الله جل وعلا؟ وانظروا في أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، هل هناك حديث فيه بيّن النبي عليه الصلاة والسلام كيفية صفة من صفات الله جل وعلا؟ فعلم بهذا أن العلم بكيفية صفات الله سبحانه وتعالى بالنسبة لنا مجهول، ولا يعلم ذلك أحد إلا الله سبحانه وتعالى، بدلالة السمع كما سمعتم في الأدلة، وبدلالة العقل التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «وأيضا فإننا نقول: ما هي الكيفية التي تقدرها لذات الله تعالى وصفاته؟ إن أي كيفية تقدرها في ذهنك أو تنطق بها بلسانك، فالله أعظم وأجل من ذلك، وأن أي كيفية تقدرها في ذهنك أو تنطق بها بلسانك فستكون كاذبا فيها؛ لأنه ليس لك دليل عليها». والواجب إذن على الإنسان أن ينقطع، أن ينقطع كما ينقطع بلسانه، فلا يقول: كيفية صفة الوجه كذا، أو صفة اليدين كذا، وعليه أن ينقطع ذهنه، أن ينقطع ذهنه عن التخيلات، فلن تصل إلى حق في هذا أبدا، مهما تصورت ومهما تخيلت في ذهنك كيفية لصفة من صفات الله جل وعلا، فإنك لن تصل. ولماذا؟ لأن العقول لا تدرك ذلك، العقول عاجزة، العقول عاجزة أن تصل إلى هذا العلم، عاجزة. العقول ربما لا تدرك بعض الحكم، بعض الحكم لا تدركها. إذا قلنا: لماذا صلاة الفجر ركعتين؟ ولماذا صلاة العصر أربع؟ نعم، ولماذا صلاة المغرب ثلاث؟ ولماذا؟ نعم، فكر بعقلك، خذ لك شهرا، شهرين، سنة، سنتين، وهذا الجواب بعد ثلاث سنين، بعد أربع، بعد عشر، أقضي حياتك كلها، فكر في هذا السؤال، لن تصل، لن تصل إلى معرفة الحكمة من ذلك، عقلك ما يستطيع أن يصل إلى شيء. هذا أمر يجهله الناس وتعجز عقولهم عن إدراكه، يدركون بعض الحكم لأن الله جل وعلا يخبر عنها في كتابه، ويخبر عنها النبي عليه الصلاة والسلام، وأمور كثيرة يعجزون عن إدراكها، ما يتوصلون فيها إلى شيء. نعم، واعتبر بحال أهل الكلام من أهل الكلام الذين قضوا أعمارهم في هذه المتاهات، وآخر الشيء يتمنون يكون على عقائد العجائز، كما قال الجوزي رحمه الله، وكما قال الشهرستاني، وكما قال الفخر الرازي: لماذا أقحموا عقولهم في أمور لا توصلهم عقولهم إلى سبيل الصواب فيها وسبيل الحق فيها؟ قضوا عمرا وسنين عديدة، وفي الآخر اعترفوا أنهم ما وصلوا إلا إلى مكان، نعم، عقّلت فيها عقولهم، عقّلت فيها عقولهم، نهاية إقدام العقول، عقّلوا، صارت معقولة، خلاص ما يستطيعون، عجزوا ورجعوا. الواحد يعتبر، يكفيك إذن الخوض في أمور قطعك الشرع عن الدخول فيها، فأنت في سلامة من أمرك، وفي فسحة من أمرك إذا وقفت عند حدك. وأما إذا جعلت نفسك كما يقال: أبا زيد الهلالي، وأنا فلان وفلان، وأنا صاحب عقل، وكذا وكذا، يكفيك هؤلاء، لن تصل، لن يصل عقلك. نعم، مثل هؤلاء الأئمة. فإذن، بارك الله فيكم، أي كيفية لصفات الله يقدر الإنسان بذهنه أو يتخيلها، فلم يصل في ذلك إلى مجمل، ويكون كاذبا في ذلك؛ لأنه قال على الله عز وجل بلا علم، والله جل وعلا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. شكرا لكم.