الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 81، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
الدرس يتناول ضلال الفرق الثلاثة في فهم الأسباب والمسببات وتأثيرها، حيث يبين أن الصواب هو أن الأسباب لها تأثير بإذن الله. يُقارن هذا المفهوم مع آراء القدرية المعتزلة والأشاعرة والماتريدية.
يشرح المقطع مفهوم تأثير الأسباب في المسببات وفقًا لرؤية أهل السنة والجماعة، ويبين أن الأسباب لها تأثير ولكن ليس استقلالًا، بل بإذن الله تعالى.
الاحتجاج بالقدر على مخالفة الشرع لا يصح، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والنظر، حيث أبطل الله حجج المشركين الذين احتجوا بالقدر على شركهم.
الحديث يدور حول أن كل شخص ميسر لما خلق له، فأهل السعادة ييسرون لعمل أهل السعادة وأهل الشقاوة ييسرون لعمل أهل الشقاوة، واستدلال ذلك بآيات من القرآن الكريم.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فقد ذكرنا في الدرس الماضي من ضل في الأسباب، وهم الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة. الأشاعرة والماتريدية مفرطون في نفي تأثير الأسباب في مسبباتها، والقدرية المعتزلة غلاة في الأسباب، حيث جعلوا الأسباب هي التي توجد المسببات وتستقل في إيجادها. وهؤلاء كلهم على ضلال، فالأسباب لها تأثير في حصول المسببات، والأسباب لا تستقل في حصول هذه المسببات، وإنما هي سبب في حصول المسببات لا استقلالا، وإنما بإذن الله، لأن الأسباب جعل الله جل وعلا فيها قوة، فإذا أذن بحصول المسبب حصل، لأن الأسباب والمسببات من خلق الله جل وعلا. فالقدرية المعتدلة بهذا يجعلون موجدا مع الله جل وعلا، حيث يجعلون الأسباب التي توجد المسببات، يجعلون الأسباب توجد المسببات. ومعلوم أنه لا يوجد شيء إلا بإيجاد الله جل وعلا، فالموجد للأشياء هو الله، فلا مشاركة لله جل وعلا في إيجاد شيء. والقدرية المعتدلة جعلوا الأسباب هي التي توجد المسببات، وهذا غلو قابل به أهل التفريط من الأشاعرة والماتريدية الذين نفوا تأثير الأسباب. فالأشاعرة والماتريدية نفوا تأثير الأسباب، وهؤلاء غلوا، وقالوا الأسباب هي التي توجد المسببات، فوقعوا في الشرك، حيث جعلوا الأسباب مشاركة لله جل وعلا في إيجاد المسببات. لماذا؟ لأن عندهم أن السبب إذا وجد فلابد من وجود المسبب، إذا وجد السبب فلابد من وجود المسبب، لأن السبب يوجد المسبب، ولا شك عندهم في ذلك، ولا تعلق له بإذن الله ولا بمشيئة الله. ولذلك كما تقدم معنا قول ذلك الذي اشترط عبور الشاطئ، لما قيل له قل إن شاء الله، قال شاء أو لم يشاء، أنا سأعبر، سأعبر، عندي السبب وعندي قدرة على السبب، فلابد من حصول العبور، يعني لا تعلق لذلك بمشيئة الله، شاء أم لم يشاء، فابتلعته الأرض. ولذلك أيضا لا يجعلون فعل العبد ومشيئة العبد وفعل السبب الذي به يوجد المسبب بإذن الله، لا يقولون بذلك. وفي الطريف الذي يذكر في هذا قول ذلك الرجل الذي معه مال ويريد أن يشتري شاة من السوق، عنده مال ويريد أن يشتري شاة من السوق، فعارضه رجل، قال أين أنت تذهب؟ قال أنا أريد أن أذهب إلى السوق، ماذا تفعل؟ قال أشتري شاة، معي مال أريد أن أشتري شاة من السوق، قال أقول إن شاء الله، قل إن شاء الله، قال لماذا إن شاء الله؟ الفلوس بيدي والسوق أمامي والغنم نعم كثيرة في السوق، فتركه وذهب، فضاعت فلوسه، ضاعت النقود عليه، فذهب ورجع، لقيه ذلك الرجل، قال يا فلان أين الشاة التي اشتريتها؟ قال ضاعت، إن شاء الله، ضاعت، إن شاء الله، سبحان الله، الآن أي شيء فائدة من إن شاء الله هنا؟ ضاعت، إن شاء الله، قبل قل إن شاء الله، قال ما يحتاج، الفلوس معي، لماذا؟ لأن عندهم أن السبب ما دام وجد فلابد من وجود المسبب، لا أنت تفعل السبب من حصول المسبب، هذا بإذن الله، هذا بإذن الله، لا ليس السبب هو الذي يوجد المسبب، نعم، وإنما السبب له تأثير في حصول المسبب، خلافا للأشاعرة والماتريدية، والسبب لا يستقل بوجود المسبب، خلافا للقدرية المعتزلة. بل الحق هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة. ولذلك ذكر مثال المؤلف رحمه الله تعالى في تخلف السبب، لأنه قد يوجد السبب ولا يوجد المسبب، قد يوجد السبب ولا يوجد المسبب. النار سببا للإحراق، النار سبب الإحراق بإذن الله، لا تستقل النار بوجود الإحراق، لا، وإنما سبب الإحراق بإذن الله جل وعلا. أما استقلالا فلا، فعند القدرية والمعتزلة أن النار ماذا؟ هي التي توجد الإحراق، ما دام وجدت النار فلابد من وجود الإحراق وحصول الإحراق، لأن النار سبب للإحراق، والنار هي التي توجد الإحراق حتما، وهذا باطل. والذي ذكر المؤلف رحمه الله تعالى تخلف هذا السبب في النار التي أدخل فيها إبراهيم عليه الصلاة والسلام، النار سبب الإحراق، أدخل إبراهيم هذه النار، لو كانت الأسباب توجد المسبب لحصل الإحراق حتما ولم يتخلف، لكن ما حصل الإحراق لإبراهيم في النار، ولم يحترق، لو كان على قول القدرية المعتزلة أن النار وهي السبب توجد الإحراق لو وجد الإحراق حتما ولم يتخلف، لكن لما تخلف هنا علمنا من الذي عطل الله جل وعلا، لأن المسبب إنما يوجد بإذن الله وبمشيئة الله جل وعلا، لا بالسبب، المسبب لا يوجد بالسبب، وإنما يوجد بإذن الله، والسبب له أثر في حصول المسبب، لكن ليس معناه أن السبب هو الذي يوجد المسبب، فلا هذا ولا هذا، وهذا واضح بإذن الله. قال رحمه الله تعالى: وأما الوسط فهم الذين هدوا إلى الحق وتوسطوا بين الفريقين وأخذوا مع كل واحد منهما من الحق، فأثبتوا للأسباب تأثيرا في مسبباتها، لكن لا بذاتها بل بما أدعه الله تعالى فيها من القوى الموجبة. وهؤلاء هم الطائفة الوسط الذين وفقوا للصواب وجمعوا بين المنقول والمعقول والمحسوس. وإذا كان القدر لا ينافي الأسباب الكونية والشرعية، فهو لا ينافي أن يكون للعبد إرادة وقدرة يكون بهما فعله، فهم مريد قادر فاعل، لقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾، وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾. لكن غير مستقل بإرادته وقدرته وفعله كما لا تستقل الأسباب بالتأثير في مسبباتها، لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ولأن إرادته وقدرته وفعله من صفاته، وهو مخلوق، فتكون هذه الصفات مخلوقة أيضا، لأن الصفات تابعة للموصوف، فخالق الأعيان خالق لأوصافها. ذكر رحمه الله تعالى أهل الحق، وهم الوسط الذين توسطوا بين قول المفرطين وبين قول الغالين في الأسباب، وهم أهل السنة والجماعة، هداهم الله جل وعلا، وفقهم للصواب في هذا، فأخذوا بما مع كل واحد منهما من الحق. فالأشاعرة والماتريدية نفوا تأثير الأسباب، وهذا باطل، نعم، وهم يقولون الأسباب لا توجد المسببات، وهذا حق، الأسباب لا توجد المسببات، لكن الغلط عندهم أنهم قالوا كذلك ولا أثر، لا توجد المسببات ولا تأثير للأسباب في المسببات عندهم. والحق الذي عندهم أنهم أثبتوا نفي كون الأسباب توجد المسببات، وهذا حق، لكن الباطل أنهم نفوا حتى تأثير الأسباب. والقدرية المعتزلة الحق الذي عندهم أنهم أثبتوا تأثير الأسباب، وأن الأسباب لها تأثير في المسببات، لكن الباطل عندهم أنهم جعلوها مؤثرة بذاتها، أي أنها التي توجد المسببات، وهذا باطل. فأهل السنة والجماعة آخذوا الحق الذي عند هؤلاء وعند هؤلاء، فقالوا الأسباب لها تأثير في المسببات، لكن لا تستقل بالتأثير بذاتها، بمعنى أنها توجد المسببات، وإنما بإذن الله. فإذن الخلاصة الأسباب لها تأثير في المسببات بإذن الله، الأسباب لها تأثير في حصول المسببات بإذن الله، لا نفي تأثير الأسباب ولا إثبات تأثيرها بذاتها، وهذا هو الحق والصواب في هذا. قال رحمه الله تعالى: ولأن إرادته وقدرته وفعله من صفاته، وهو مخلوق، فتكون هذه الصفات مخلوقة أيضا، لأن الصفات تابعة للموصوف، فخالق الأعيان خالق لأوصافها. كما قال جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. أفلا يصح على هذا التقرير أن يحتج بالقدر من خالف الشرع؟ فالجواب أن الاحتجاج بالقدر على مخالفة الشرع لا يصح، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والنظر. أما الكتاب، فمن أدلته قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾، فأبطل الله حجتهم هذه بقوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾. ومنها قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. فبين الله تعالى أن القدر فبين الله تعالى أن الحجة قامت على الناس بإرسال الرسل، ولا حجة لهم على الله بعد ذلك. ولو كان القدر حجة منتفية بإرسال الرسل. وأما السنة، فمن أدلتها ما ثبت في الصحيحين عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة»، قال: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: «لا، اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فيسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فيسر لعمل أهل الشقاوة»، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.