التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 24

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 24

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 24، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تقسيم ابن تيمية للاختلاف في القرآن إلى مذموم وممدوح

يشرح شيخ الإسلام ابن تيمية أن الاختلاف في القرآن ينقسم إلى قسم مذموم يجمع الطائفتين على الذم كاختلاف أهل الكتاب، وقسم ممدوح تمدح فيه طائفة وتذم الأخرى. وتدل الآيات على ذم الاختلاف المفضي إلى الفرقة والعداوة، كما جاء في حديث افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة.

أسباب الاختلاف المذموم وفرقة الناجين

يبيّن المقطع أن الاختلاف الحق هو ما كان مع جماعة أهل السنة، وأن عامة المختلفين هالكون إلا الفرقة الناجية. وتتمثل أسباب الاختلاف المذموم في فساد النية كالحسد والبغي، والميول الشخصية كنصرة النسب أو المذهب، إضافة إلى الجهل بحقيقة النزاع أو الدليل الشرعي.

أصل الاختلاف في الجهل والظلم وتقسيمه إلى تنوع وتضاد

يؤكد المقطع أن الجهل والظلم هما أصل كل شر مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. ويقسم الاختلاف المذموم إلى نوعين: اختلاف تنوع واختلاف تضاد، بينما يكون الاختلاف ممدوحاً عند مفارقة أهل الحق لأهل الباطل بعد قيام الحجة.

إشارة إلى تفصيل أنواع الاختلاف: التنوع والتضاد

يشير المقطع إلى أن الحديث سيتناول لاحقاً نوعين رئيسيين من الاختلاف هما اختلاف التنوع واختلاف التضاد. وسيتم شرح كل منهما وبيان حقيقتهما في سياق لاحق من الدرس.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: قال: والاختلاف على ما ذكره الله في القرآن قسمان، أحدهما يذم الطائفتين جميعًا. قال: الاختلاف الذي ذكره الله في القرآن على قسمين: قسم يذم فيه ربنا جل وعلا الطائفتين جميعًا. قال: الاختلاف مذموم كله. قال: في هذا القسم يذم الطائفتين جميعًا، والقسم الثاني أنه يمدح طائفة ويذم أخرى كما سيتم. وأما هذا الأول فهو يذم الطائفتين، قال: كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ﴾، فجعل أهل الرحمة مستثنين من الاختلاف. هذا يدل على أن الاختلاف مذموم، هذا الاختلاف هنا مذموم كله؛ لأنه اختلاف على الحق، فلهذا ينتج أمر باطل، بخلاف اختلاف أهل الحق مع أهل الباطل كما سيأتي وهو القسم الثاني. فلهذا جعل أهل الرحمة استثناهم الله عز وجل من هذا الاختلاف. قالوا: كذلك قوله جل وعلا: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾، وكذلك قوله: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾. وهذا كله ما حصل من الاختلاف عند اليهود والنصارى، وكذلك ما يحصل أيضًا من الاختلاف في هذه الأمة. قالوا: كذلك وقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾، وقوله: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾، وقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾. وكذلك وصف اختلاف النصارى بقوله: ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾، ووصف اختلاف اليهود بقوله: ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ﴾، وقال: ﴿ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾. فهذا كله من الاختلاف المذموم الذي حصل عند اليهود والنصارى. قالوا: كذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما وصف أن الأمة تفترق على ثلاثة وسبعين فرقة، قال: «كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة». والمراد اختلاف أولئك كله باطل، والاختلاف الحق هو ما كان مع الجماعة الذين فارقوا أهل الباطل وفارقوا أهل الاختلاف. قالوا: في الرواية الأخرى: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي». وقلنا: إن رواية الجماعة هي الصحيحة، وأما رواية «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» فهي من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي. قال: فبين أن عامة المختلفين هالكون من جانبين إلا فرقة واحدة، وهم أهل السنة والجماعة. وهذا الاختلاف المذموم من الطرفين يكون سببه تارة فساد النية، لما في النفوس من البغي والحسد وإرادة العلو في الأرض ونحو ذلك، فيحب لذلك أن يذم قول غيره، أن يذم قول غيره، معنى بسبب الحسد أو البغي أو فساد النية، لما يوجد في النفوس من البغي والحسد وإرادة العلو في الأرض، إرادة الوجاهة والرئاسة أو الرفعة. وكل ذلك يجعل المرء يختلف مع من كان من إخوانه ويبغي عليه ويحسده. قال: فيحب لذلك أن يذم قول غيره، أن يذم قول غيره بسبب هذه، أو بسبب فساد النية، قاله فعله أو غلبته ليتميز عليه، أو يحب قول من يوافقه في نسب أو مذهب أو بلد أو صداقة ونحو ذلك. وقد بيّن الإمام ابن القيم رحمه الله في «التنكيل» أن بعض النفوس تقبل على القول به بسبب الموافقة، أن تقبل على هذا القول بسبب الموافقة مما يوافقه في مذهب، أو يوافقه في نسب، أو يوافقه في بلد، أو صداقة، أو غير ذلك. وحتى ذكر أن المرأة قد تنتصر للمرأة بسبب أنها امرأة، وأيضًا كذلك الرجل قد ينتصر للرجل بسبب أنه رجل. قد ذكر رحمه الله أمثلة على ذلك. قال: وما أكثر هذا من بني آدم. وهذا ظلم أن يوافقه لأجل هذا، أو يخالفه لأجل أنه لم يتفق معه في نسب، أو لم يتفق معه في شيء من هذه الأمور، فيبغي عليه أو يحسده أو يريد أن يكون أرفع منه. وهذا أحيانًا يحصل حتى بين أهل العلم. قال: ويكون سببه تارة جهل المختلفين بحقيقة الأمر الذي يتنازعان فيه، أو الجهل بالدليل الذي يرشد به أحدهما مع الآخر، أو جهل أحدهما بما مع الآخر من الحق. أن أحيانًا تجد الأمر يرجع إلى النفوس: لماذا لم تستشرني في ذلك؟ لماذا لم يخبرني بذلك؟ أو لماذا أكون أنا آخر الناس يعلم؟ أو غيرها من هذه الأمور التي تحصل بين الإخوان. بل أحيانًا يحصل بين بعض أهل العلم. لكن هذا الأصل أنه جهل، وإلا لو رجع إلى الحق وعرف أن هذا لا ينبغي أن يختلف فيه، ممكن أنه يعالج بغير هذه الطريقة من الاختلاف. قال: أو جهل أحدهما بما مع الآخر من الحق في الحكم أو في الدليل، وإن كان عالمًا بما مع نفسه من الحق حكمًا ودليلًا. قال: والجهل والظلم هما أصل كل شر، كما قال سبحانه: ﴿ وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾. أن الجهل والظلم هو أصل كل الشر. ولهذا وصف الله عز وجل الإنسان أنه كان ظلوما جهولا. وأعدل العدل هو العلم والعدل، وهو توحيد الله جل وعلا. أعدل العدل توحيد الله، فالعدل والعلم قامت بهما السماوات والأرض، وقام بهما الحق. فكل خير يقوم بالعدل والعلم، وكل شر يكون بالجهل والظلم. ﴿ وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾. قال: أما أنواعه فهو في الأصل قسمان، أي هذا النوع من الاختلاف الذي يذم فيه طائفتين هو يقسم لقسمين: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد، الذي يكون فيه اختلاف الطائفتين. قال: واختلاف التنوع على وجوه. هذا الاختلاف يقسم لقسمين: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد. طيب، إن شاء الله وتعالى نذكر هذا الاختلاف في درس لاحق. لكن خلاصة ما يذكر في هذا القسم، وسيأتي القسم الثاني، هو أن القسم من الاختلاف في القرآن هو يذم الطائفتين معًا، وقسم آخر وهو الذي سيأتي إن شاء الله وتعالى يمدح أحد الطائفتين ويذم الأخرى. بمعنى آخر: أن الاختلاف الذي هو يذم الطائفتين هو الاختلاف في الحق، والاختلاف الآخر الذي يمدح فيه طائفة ويذم أخرى هو اختلاف أهل الحق عن أهل الباطل. اختلاف أهل الحق عن أهل الباطل أنهم يأتون بالحق، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾. فلما جاء العلم وجاء الحق اختلف، فطائفة صارت هم أهل الحق، ففارقوا أهل الباطل وفارقوا الشرك بالله جل وعلا. فهذا المراد وهو الاختلاف الممدوح: أن يفارق الشخص أهل الباطل. وأما الاختلاف المذموم فهو أن يختلفوا على الحق، كل واحدة من الطائفتين تدعي الحق وتبغي على الأخرى. هذا إن شاء الله سيأتي: اختلاف التنوع، اختلاف التضاد.