الدرس في الاقبال على الله 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُشدد على أهمية التدبر في القرآن لفهم معانيه، وحث الله عليه في آياته، وذم من لم يتدبر كتاب الله. يُبين أن التدبر سبيل للاستفادة من القرآن.
يؤكد على أهمية العلماء في فهم وتفسير القرآن، حيث يستنبطون المعاني من القرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعين ولغة العرب. الله أنزل القرآن ليدبر وليتذكر أولي الألباب.
يؤكد على أهمية التفكر والتدبر في فهم القرآن، ويحذر من قراءته دون تفهم معانيه. يُشير إلى أن الصحابة كانوا يتجاوزون عشر آيات حتى يفهموها جيدا، وأن مجرد حفظه دون تفهم قد يؤدي للضلال.
يختتم الشيخ درسه بعد تقديم جزء من الموضوع، ويعد الجمهور باستكماله لاحقًا، ويشكر الله على ما أنعم به. يُظهر الاستمرارية في الموضوع.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا بالعزم أن من الأسباب المعينة على الإقبال على الله جل وعلا كتاب الله سبحانه وتعالى، تلاوة وحفظا وتدبرا وتفهما، فهو الموصل إلى الله جل وعلا، وهو حبل الله المتين. وكما جاء في حديث أسامة: "إن الله عز وجل مد حبلا طرفه عند الله، وطرفه الآخر بأيديكم، وهو كتاب الله". فهو الموصل إلى الله جل وعلا، فلهذا يحتاج السالك إلى الله جل وعلا إلى هذا الكتاب العظيم. وقلنا: أعظم ما فيه هو التدبر والتفهم لمعانيه، من أعظم الأشياء التي ينبغي للمسلم، وأيضا ينبغي للمقبل على الله أن يهتم بها، وهو التدبر والتفهم. ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله في "مفتاح دار السعادة"، بعدما ذكر الثمار والنتائج العظيمة من التفكر في كتاب الله جل وعلا: "فبالجملة، فأنفع شيء لصلاح القلب وكماله قراءة القرآن بالتفهم والتدبر، وهو كمال منازل السائرين عن منازل السائرين التي يسيرون فيها إلى الله جل وعلا، فيحتاجون إلى هذه المنازل، وشيء يعينهم، وهو كتاب الله، أن يتدبروا هذا القرآن". وقلنا: إن أعظم ما يعين السالك هو التدبر، ولهذا نتكلم عن تدبر القرآن بشيء مما جاء فيه، بأهمية هذا التدبر، وكذلك بأنواعه، وغيره مما إن شاء الله نذكره. نتكلم اليوم إن شاء الله في أنواع أو أهمية التدبر. معلوم أن التدبر المراد به هو التفهم والتفكر للعواقب والمبادئ، أنه يتفهم ويتفكر في هذا القرآن، ويتفهم معانيه، وأيضا كذلك عواقبه وتأويل هذه الأشياء، وأن عواقبها عظيمة. مثلا يقرأ يتفهم الآيات التي فيها التعبد والطاعة، وأن ذلك له ثواب عند الله وجزاء، وأيضا كذلك يتفهم ما نهى الله عز وجل عنه في القرآن، وأن الواجب الابتعاد عنه، لأنه يوصل إلى النار. وهكذا، فالمراد بالتدبر هو التفهم والتفكر في آيات الله جل وعلا، وفي مبادئها وعواقبها. وأيضا كذلك هذا التدبر له أهمية عظيمة في الإسلام، فربنا جل وعلا قد ذكر هذا التدبر في عدة آيات، وحث عليه، وذم من لم يتدبر كتاب الله جل وعلا. وقد ذكر العلماء أنها أربع آيات ذكر الله عز وجل فيها التدبر: آيات في سورة النساء "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا"، وآيات أيضا في سورة محمد، قوله جل وعلا: "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها"، على الذي لا يتدبر القرآن فقلبه غافل. وأيضا قول الله جل وعلا: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، هذه ثلاثة آيات. والرابعة فيها أيضا آية رابعة بالتدبر في سورة المؤمنون، قوله جل وعلا: ﴿أَفَلَمْ يَتَدَبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾، أفلم يتدبروا القول أي القرآن، ما تدبروه وإنما أعرضوا عنه، فأورثهم ذلك الكفر بالله جل وعلا، ولو أنهم تدبروا كتاب الله لآمنوا بالله جل وعلا. فهذه الآيات التي ذكرها ربنا جل وعلا فيها أن التدبر له أهمية عظيمة، ومن لم يتدبر فإنه لا يفلح، وأنه من الغافلين. ولهذا تكمن أهمية هذا التدبر في أمور كثيرة، من ذلك ما ذكر في هذه الآيات أن مقصود إنزال القرآن هو التدبر، كما قال جل وعلا: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، لأن الإنسان إذا لم يتدبر كتاب الله ويتفهمه، ليس هذا على الإنسان نفسه فردا، وإنما على الأمة. فقد يقوم بهذا بعض الأمة من العلماء وغيرهم، يفهمون الناس كتاب الله جل وعلا، فلهذا جعل الله عز وجل العلماء هم السبب الذي يتوصل بهم إلى فهم كتاب الله جل وعلا. ولهذا حرص السلف أن يكون هذا القرآن مأخوذا عن الصحابة، أي تفسيره مأخوذا عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فإن لم يوجد عن الصحابة يؤخذ عن التابعين وأتباعهم من الأئمة، فإن لم يوجد ذلك فيؤخذ من لغة العرب. كما ذكر ابن جرير عن ابن عباس، وذكر أيضا ذلك الحافظ ابن كثير في مقدمة تفسيره، أن القرآن يفسر بأربعة أمور: إما بكتاب الله، يفسر بالآية بالآية، أو يفسر بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يفسر بأقوال الصحابة والتابعين، أو إذا لم يوجد بلغة العرب يفسر بلغة العرب، يؤخذ ممن عرف هذه اللغة فيؤخذ منه هذا التفسير. فهذه الأربعة الأشياء التي يفسر بها كتاب الله جل وعلا، فلهذا جعل الله عز وجل العلماء هم الذين يستنبطون هذه الأشياء ويفسرون ويفهمون الناس كتاب الله جل وعلا. وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، استنبطوه أي من كتاب الله، لو رجع إلى الرسول، فإذا لم يوجد الرسول يرجع إلى العلماء أولي الأمر، أي أولي الأمر في العلم هم العلماء. ولو أنهم ردوا الأمر إلى أهله، لكان خيرا لهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، قال عمر: "أنا من الذين يستنبطونه"، أي أنه يعلم ما جاء في كتاب الله ويتفهمه. فلهذا يحتاج الناس إلى العلماء لفهم كتاب الله جل وعلا، والمقبل على الله عز وجل يحتاج إلى فهم هذه المعاني. كيف يفهم؟ يقرأ كلام الله، ويعرف العلم في التفسير، لأنه كما سيأتي إن شاء الله تعالى، لابد لمن يريد أن يتدبر أن يعرف المعاني، أن يفهم المعاني. ولو لم يفهم المضمون، فلا يشترط أن يفهم كل المعاني أو كل معنى الآية، لو عرف المضمون، مضمون الآية يكفي. فيحيانا مضمون الآية يكون واضحا، يعرفه كل قارئ، يعرفه كل قارئ أن هذا مثلا فيه أن من عمل الصالحات كان جزاؤه الجنة، وأيضا من يعمل سوءا يجزى به، من يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه، هذه كلها مفهومة، يستطيع أن يفهمها كل أحد يقرأها، فيتدبر مثل هذه المعاني، ويتفهم مثل هذه المعاني التي تعينه على السلوك. فمن أهمية التدبر العظيمة أن الله عز وجل قصد بإنزال القرآن التدبر، كتاب أنزلناه إليك ليدبر آياته وليتذكر أولي الألباب. أيضا من أهمية التدبر أن الله عز وجل أنكر على من لم يتدبر القرآن، أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها، معناه أنه قلوب غافلة الذي لا يتدبر القرآن. ولهذا يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "اقرأوا القرآن وتفكروا فيه وتعظوا به، ولا تقرأوا هذا كهذ الشعر، ولا يكون هم أحدكم آخر السورة". والمراد من كلام عبد الله بن مسعود أنه لا يكون فقط الإنسان يقرأ لأجل أن يختم السورة، يقرأ لأجل أن يأتي إلى آخر السورة ويختم، فهذا يكون فيه قراءة فيها غفلة، فهمه كله أن يقرأ إلى آخر السورة، ليس أنه يريد التفكر والتفهم لهذه الآيات. ولهذا لما قال رجل لعبد الله بن عباس: "إني أقرأ القرآن في ليلة". قال: "لأن أقرأ سورة من القرآن أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله، أو قال: لأن أقرأ سورة أتفكر فيها وأتفهم أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله". فلهذا فالتفكر أنكر الله عز وجل على من لم يتفكر في كتاب الله جل وعلا، فلا بد من التفكر. لهذا قال الله عز وجل، وقال الرسول: "يا رب، إن قوما اتخذوا هذا القرآن مهجورا". ومن أعظم الهجر كما ذكر الإمام ابن القيم عدم تدبر وتفهم آيات الله جل وعلا. لو كان الإنسان فقط يتلو القرآن دون أن يتدبر معانيه ويتفهمها، ليس فقط أن يأخذ بما ظهر له أو ما فهمه هو نفسه، لا المراد أنه يتفهم المعاني بما جاء في ما ذكرنا من كلام الصحابة وغيرهم من كلام النبي عليه الصلاة والسلام. وإلا سيضل، وإلا لو فهم القرآن بفهمه الغالب أنه يضل، مثل الخوارج، الخوارج فهموا القرآن بأفهامهم، ما عندهم فهم من كتاب الله ولا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، ما يتفهمون القرآن ولا يتدبرون، يأخذون فقط بالمعاني التي فهموها من القرآن فيقولون بها، وهذا الذي أوردهم تلك الموارد الباطلة. ولهذا ليس الهدف حفظ القرآن فقط، وإلا فحفظ القرآن قد يحفظه هؤلاء، كانوا حفظة قرآن هؤلاء الخوارج، لكنهم لم يتفهموا كتاب الله ولم يأتوا بالطريقة الصحيحة التي يفهمون فيها كتاب الله، فضلوا وأضلوا، فكانوا خوارج خرجوا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالسيء. فلهذا كان عبد الله بن عباس عند عمر في يوم من الأيام، فجاءه رجل من عماله، فقال لعمر: "قد قرئ عندنا القرآن كذا وكذا من الأولاد ومن الشباب قرأوا القرآن يحفظوه". فقال عبد الله بن عباس: "ما أراهم أن يعجلوا هذا التعجيل". فقال عمر: "ما يعني يسأل ابن عباس عن هذا الكلام، ليش تقول هذا الكلام؟". فقال: "ما قال، فأخذ شيء في نفسي فخرجت". قال: "ثم أرسل إلي عمر، فقال: أرسل إلي حتى جئته، فقال: ما حملك على أن تقول هذا الكلام؟ إيش الذي حملك أن تقول: ما أرى أن تعجلوا هذا التعجيل؟". فقال: "يا أمير المؤمنين، إنهم إذا حفظوا القرآن أو أتموا حفظ القرآن خفروا، وإذا خفروا تكبروا، وإذا تكبروا ضلوا". أن المراد خفروا أي حصل لهم شيء من العجب، لأنهم لم يتفهموا معاني هذا القرآن، لو تفهموا معانيه لتعظوا، وكذلك خرج من أنفسهم هذا العجب. فقال عمر رضي الله عنه: "والله كان هذا في نفسي، لكن لم أستطع أن أقوله". فالمهم أن الواجب على العبد أنه يحاول أن يفهم ويقرأ في تفسير القرآن، خاصة طالب العلم والمقبل على الله جل وعلا يحتاج إلى فهم كتاب الله جل وعلا. فإنه لو فهمه أو ما جاء في نفسه ولم يرجع إلى كلام أهل العلم فإنه كما قلنا قد يضل. ولكن طالب العلم يتدرج والمقبل على الله عز وجل يتدرج، فيكون يتلو كتاب الله ويكثر منه ويحفظ ويتفهم. فقد كان الصحابة رضي الله عنهم كما قال عبد الله بن عمر: "ما كنا نتجاوز عشر آيات حتى نقرأها ونفهمها". وقال أيضا أبو عبد الرحمن السلمي عبد الله بن حبيب: "كان الذين يقرؤوننا كتاب الله، علي بن أبي طالب، عبد الله بن مسعود، أنهم ما كانوا يتجاوزون عشر آيات حتى يقرؤوها ويتفهموها". فهذا إن شاء الله شيء مما يذكر في هذا المقام، وإن شاء الله نكمل في درس لاحق، والحمد لله رب العالمين.