الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 180، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ المقطع بتوضيح أهمية الدعاء وأثره في حياة المسلم، ويشرح حديث سيد الاستغفار وأهمية هذا الدعاء في طلب المغفرة من الله.
يتناول هذا الجزء شروط قبول الدعاء وأهمية الإخلاص لله عز وجل، حيث يشدد على ضرورة أن يكون الدعاء مصحوبا بالاعتقاد الصادق والإخلاص لله.
يشرح هذا الفصل شروط التوبة الصادقة، ويبين أهمية الإقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم على عدم العودة إليه، مع بيان كيفية التعامل مع الذنوب المتعلقة بحقوق الآخرين.
يناقش هذا الجزء أهمية الدعاء في الصباح والمساء، ويشدد على ضرورة استحضار القلب وتصديق ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام لتحقيق الثواب العظيم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا أبو معمر، وهو إسماعيل بن إبراهيم القطيعي، قال: حدثنا عبد الوارث وابن سعيد، قال: حدثنا حسين، وابن أبي الحميري العدوي، قال: حدثنا عبد الله بن بريدة، قال: حدثني بشير بن كعب العدوي، قال: حدثني شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سيد الاستغفار أن يقول: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قال: من قالها من النهار موقنا بها، فمات من يومه قبل أن يمسي، فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل، وهو موقن بها، فمات قبل أن يصبح، فهو من أهل الجنة. والحديث صحيح، وقد أخرجه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، وقد ذكره في أول الباب، وذكره في هذا الموضع بتمامه. ومر الكلام عليه فيما مضى، وذكر شيء من فوائد هذا الحديث، وما تضمنه من معاني عظيمة، حتى سماه النبي عليه الصلاة والسلام بسيد الاستغفار. ومن ذلك اعتراف العبد بربوبية الله سبحانه وتعالى، وألوهيته، وهكذا أيضا بعبوديته لله عز وجل، وقيامه بما أوجب الله عز وجل عليه من أوامر وواجبات. وهكذا استعاذته من شر ما يصدر منه، واعترافه بالنعم التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليه، وأن هذه النعم من عند الله سبحانه وتعالى. وهكذا اعترافه بذنبه، وأنه هو الذي يفعل الذنب، وهو الذي يخطئ، ويحتاج إلى مغفرة الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يغفر الذنوب إلا الله سبحانه وتعالى. وفي هذه الرواية زيادة عما قد مر في الرواية الأولى، قوله: من قالها من النهار موقنا بها، فمات من يومه قبل أن يمسي، ومن قالها من الليل، وهو موقن بها، فمات قبل أن يصبح، فهو من أهل الجنة. وهو تقييد هذا الأجر والثواب، وهو دخول الجنة، إذا قالها في الصباح فمات قبل أن يمسي، أو قالها في المساء فمات قبل أن يصبح، أن يقول هذا الدعاء وهو موقن. ومعنى موقن، أي مخلص، يقول وهو مخلص من قلبه، ومصدق بهذا الثواب الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. فلابد في هذا الدعاء من الإخلاص والصدق، ليس مجرد كلمات يقولها بلسانه. فلو أتى بهذا الدعاء وهو يعتقد أن هناك من الخلق من يتصرف في هذا الكون مع الله عز وجل، أو من له من صفات الرب سبحانه وتعالى من خلق أو تدبير أو ملك للنفع أو الضر أو غير ذلك مما هو لله سبحانه وتعالى، فهذا لم يكن مخلصا؛ لأنه نقض ما يقوله بأفعاله واعتقاده. أو كذلك أيضا صرف العبادة لغير الله سبحانه وتعالى، سواء كانت من عبادات قولية أو فعلية أو اعتقادية، فإن هذا لم يكن مخلصا؛ لأنك تقول: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، لا إله يستحق العبادة إلا الله سبحانه وتعالى، فكيف تنقض ذلك بأقوالك وأفعالك، فتدعو غير الله سبحانه وتعالى، وتستغيث بغير الله عز وجل، وتطلب المدد أو الولد من غير الله سبحانه وتعالى، أو تذبح لغير الله، وغير ذلك من العبادات والطاعات تصرفها لغير الله سبحانه وتعالى. إذن أنت ما أخلصت في هذا الدعاء، فناقض قولك وفعلك ما تقول. فإذا قلت: لا إله إلا أنت، فمعنى ذلك أنه لا يستحق العبادة إلا الله سبحانه وتعالى، فلا تصرف شيء من العبادات لغير الله عز وجل. وأن المساجد لله، فلا تدعو مع الله أحدا. وهكذا أيضا اعترافك بذنبك، أو اعترافك بأن النعم من الله سبحانه وتعالى، فذلك يقتضي أن تشكر نعم الله عز وجل، أن تشكر الله عز وجل على ما أنعم عليك به من النعم. ومن شكر النعم أن تسخرها في طاعة الله عز وجل، أن تعتقد أن هذه النعمة من الله، ليست منك ولا من أحد من الخلق، ثم تسخر هذه النعمة فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، سواء كانت نعمة من نعم الجوارح أو نعمة المال أو غير ذلك من النعم، فلا تستخدمها إلا في طاعة الله سبحانه وتعالى. فإن ذلك من تمام شكرك لنعم الله عز وجل. وأنت تعترف أن هذه النعمة من الله، فالواجب أن تشكر نعم الله عز وجل، وأن تستحضر ذلك عند إتيانك بهذا الدعاء. وهكذا كذلك أيضا عند طلبك المغفرة من الله سبحانه وتعالى، تقولها وأنت صادق في التوبة، وصادق في طلب المغفرة من الله عز وجل، ليس مجرد قول باللسان: أبوء لك بذنبي، فاغفر لي، ثم أنت تصر على الذنب، ولا تقلع عنه أو تتركه، وأن تعازم على أن تعود إلى فعله. فإنك بهذا لم تصدق في توبتك واستغفارك. لا بد أن تتوفر شروط التوبة عند توبتك، من الإقلاع عن الذنب، وعدم الإصرار، وكذلك أيضا الندم مما قد حصل وصدر منك، والعزم على عدم العودة، أنك ما تعود لفعل هذا الذنب. وهكذا أيضا تتحلل إذا كان هذا الذنب يتعلق بحقوق الآدميين، فعليك أن تتحلل منه. فإن كان مالا فترجع إلى أصحابه، أو كان مما يتعلق بالأعراض فتطلب من أصحابها العفو، سواء كان غيبة أو نميمة، فإنك ينبغي أن تطلب منهم العفو، وتستسمحهم فيما صدر منك من غيبة. وكذلك أن تحسن ذكرهم في المجالس كما قمت بغيبتهم، أو كذلك أيضا إذا كان اعتداء بقذف، فإن من التوبة أن تمكنهم من أخذ حقهم بسبب ما تكلمت به. وهكذا غير ذلك مما يتعلق بحقوق الآدميين، فذلك من شروط التوبة. إن كنت صادقا في توبتك، فلابد من توفر هذه الشروط: ثلاثة شروط إذا كان الذنب فيما بينك وبين الله عز وجل، أو يتعلق بحق الله سبحانه وتعالى، فلابد من الإقلاع عن الذنب، والندم، وعدم العزم على الرجوع إلى فعله، أو تعزم أنك لا تعود إلى فعل هذا الذنب. والشرط الرابع إذا كان هذا الذنب يتعلق بالآدميين هو أن تتحلل منه. بذلك تكون صادقا في توبتك. فهذا الثواب العظيم الذي رتب على هذا الدعاء هو فيمن قاله مخلصا من قلبه، وكذلك أيضا مصدقا بثوابه، مصدق بهذا الثواب الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام: أنه إن مات من يومه، فإنه يكون من أهل الجنة إذا قاله في الصباح، أو قاله في المساء فمات قبل أن يصبح، فهو من أهل الجنة. فهذا الأجر والثواب العظيم رتب وعلق بهذا القيد، وهو أن تكون موقنا، أن تكون موقنا بما تقول. ومعنى الإيقان كما سمعنا: الإخلاص، وكذلك أيضا الصدق، أو التصديق بهذا الثواب العظيم. فلهذا ينبغي للمسلم أن يحرص على هذا الدعاء، أن يقوله في الصباح وفي المساء، فهو من أدعية الصباح والمساء، يقوله مع استحضار القلب، وخلاص القلب، والتصديق بهذا الثواب العظيم الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. والله تعالى أعلم.