شرح الدروس المهمة  3

شرح الدروس المهمة 3

الدرس في شرح الدروس المهمة 3، تابع الدرس الأول من الدروس المهمة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير سورة الناس وفضلها

يتناول تفسير سورة الناس وأهميتها وفضلها، مع التركيز على أحكام قراءتها. يُشدد على تعلم السورة وتصحيح تلاوتها لما لها من دور في معظم الصلوات.

شرح معاني سورة الناس ودور الشيطان

يشرح معاني سورة الناس ومعنى الوسواس الخناس ودور الشيطان في إغواء الإنسان. يُوضح أهمية الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم وأهمية صفات الله عز وجل المذكورة في السورة.

وسوسة الشيطان وطرق الوقاية

يشرح وسوسة الشيطان وتكرارها على الإنسان، ويقدم طرق الوقاية منها بذكر الله وطاعته وعدم مصاحبة شياطين الإنس. يُنبه إلى اتباع شرع الله والاستقامة على سنة النبي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، نأخذ في هذا اليوم شيئًا من تفسير سورة الناس، قراءتها وتفسيرها. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس﴾. هذه هي سورة الناس، وهي آخر سورة من القرآن الذي يبتدأ بسورة الفاتحة ويختتم بسورة الناس. وقد ذكر المؤلف، رحمه الله تعالى، أنه ينبغي الاعتناء بتعلم سورة الفاتحة، وهكذا كذلك قصار السور من سورة الزلزلة إلى سورة الناس. ويبتدئ العلماء في التعليم من الناحية العملية التعليم لسورة الفاتحة لأهميتها وأولويتها، ثم بالمعوذتين «قل أعوذ برب الفلق» و«قل أعوذ برب الناس» لفضلهما. وقد وردت في فضل سورة الفاتحة أحاديث كثيرة في فضلها، أشار إليها الحافظ بن كثير، رحمه الله، في تفسيره. وهكذا في فضل المعوذتين، أشار إليهما كذلك الحافظ بن كثير، رحمه الله، في تفسيره. ثم لأن القارئ في قصار السور يحتاج أن يتعلم هذه السور القصيرة في كيفية قراءتها؛ لأنه سيقرأ بها في أكثر صلواته، سواء السرية أو الجهرية، المفروضة أو النافلة. فلذلك كان ينبغي تعلمها وتعليمها والاعتناء بشيء من أحكامها، سواء تلاوتها. والمقصود من هذه القراءة هو التنبيه إلى أنه ينبغي أن يعتنى في أمر تلاوتها وتصحيح القراءة فيها. فيقوم الإخوة المدرسون بتنبيه الإخوة والأخوات المتعلمين والمتعلمات في أمر قراءتها وتصحيح التلاوة فيها، سواء بالتلقين الإخوة للإخوة والأخت للأخوات، أو بسماع الشريط وتكراره حتى تنضبط القراءة وتتحسن التلاوة على أحسن وأكمل الوجوه المستطاع إليه. ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، لكن ينبغي للإنسان أن يحرص على أن يصل إلى الكمال. وفي تعبه ونصبه وتعتعته أجر، كما أخبر النبي، عليه الصلاة والسلام، في أن الذي يقرأه -أي القرآن- ويتعتع فيه وهو عليه شاق، فله أجران: أجر إراءته وأجر المشقة التي تحصل له من التعتعة -أي مشقة النطق في تلاوته- فإنه يؤجر على ذلك كله. ابتدئت هذه السورة بالبسملة كسائر السور، ولكن في الصلاة الجهرية يستحب أن يسر بالبسملة -يعني لا يجهر بالبسملة-. فإذا قرأت مثلًا «الحمد لله رب العالمين» وانتهيت فقلت «ولا الضالين آمين»، تبدأ مباشرة بقولك «قل أعوذ برب الناس»، وتسر بالبسملة بين نهاية الفاتحة وقبل قراءة «قل أعوذ برب الناس»، تسكت سكتة خفيفة. هذه السكت الخفيفة فيها ذكر البسملة وتأخذ فيها نفسك، ثم تبدأ بقراءة السورة التي بعد الفاتحة. فإن كانت هذه السورة من أول السورة كسورة الناس مثلًا، فإنك تسر بالبسملة وتبتدئ بقراءة السورة مباشرة. هذا الذي تجهر به، لكنك تسر بالبسملة. هذا في الصلاة الجهرية، لحديث أنس في الفاتحة، وهو كذلك في كل سورة فيها بسملة: أنه كان عليه الصلاة والسلام يفتتح القراءة بـ«الحمد لله رب العالمين» -يعني لا يجهر بـ«بسم الله الرحمن الرحيم»-. وهذه السورة سميت بسورة الناس؛ لذكر لفظ الناس فيها، ولأنهم المخاطبون بها. وقد تضمنت هذه السورة استعاذة، والاستعاذة -كما مر معنا في دروس سابقة- هي طلب العود من الله عز وجل، أي أننا نطلب دفع الشر والمكروه من الله سبحانه وتعالى. فعندنا في هذه الاستعاذة ثلاثة أشياء: عندنا الاستعاذة، وهي هذا اللفظ الذي حصلت به الاستعاذة. وعندنا كذلك المستعاد به، وهو الله عز وجل الذي قلنا في هذه السورة وقرأنا «قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس». رب الناس، والله سبحانه وتعالى ومالك الناس وملكهم هو الله سبحانه وتعالى، وإلههم هو الله سبحانه وتعالى. وعندنا المستعاذ منه، وهو الشيطان. فإننا نستعيذ بالله عز وجل -بالله عز وجل- من شياطين الجن وشياطين الإنس، من شر الوسواس الخناس. هذا هو المستعاذ منه. الوسواس، أي الذي يدخل الوسوسة في القلوب والأعمال. الخناس، الذي هو سريع الانخناس -يعني الهروب والاختفاء-. فالشيطان يرمي الخواطر السيئة في القلوب ويحركها، ثم سرعان ما يذهب وينخنس. الذي يوسوس في صدور الناس، أي الذي يحرك بواعث السوء والشر في صدور الناس. فإن الله جل وعلا جعل لهذا الإنسان ملكًا يعينه على الخير ويأمره به، وابتلاه بقرين من الشياطين والجن يوسوس له. وينظر ماذا يكون موقف هذا العبد من داع الخير وداع الشر؟ ماذا يكون موقف هذا العبد من داع الخير وداع الشر؟ فينبغي للإنسان أن يحرص على أن يتبع داع الخير ويترك داع الشر. وعندنا رابعًا كذلك المستعيد، الذي يفعل الاستعاذة، وهو النبي عليه الصلاة والسلام أولًا من أمر ابتداء بهذه السورة، والناس من بعده جميعًا. ونلاحظ أن هذه السورة ابتدئت بقوله سبحانه «قل»، أي الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام أن يقول ذلك. وهذا الأمر هل هو تأكيد للأمر بتبليغ الوحي عمومًا أم فيه معنى آخر زائد؟ قال العلماء: النبي عليه الصلاة والسلام مأمور بتبليغ الوحي كله، تبليغ كل الوحي، كما قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾. فهو مأمور أن يبلغ كل ما أنزل إليه، ولكن بعض الآيات جاء تأكيد هذا التبليغ بقوله «قل»؛ لما تضمنت من المعاني المهمة التي تحتاج إلى زيادة اعتناء في التبليغ. وهكذا كذلك في التدبر والتأمل لما فيها. ولهذا تجد أن أكثر الآيات التي فيها الأمر بقول هي من الآيات التي فيها معاني تحتاج إلى زيادة اعتناء -يعني بالتدبر والعمل-. فلهذا أكدت بقوله سبحانه «قل». وبه نعرف بطلان ذاك الرأي العقلاني الذي قال به بعض السفهاء: أنه لا حاجة أن نقرأ قول الله عز وجل «قل»؛ لأنه أمر للنبي عليه الصلاة والسلام، ولا حاجة لنا به. وهذا جهل بالشرع، وغفلة عن المعاني البلاغية، وأعظم من ذلك إعراض عن ما يجب من الوقوف عند حدود الله في أمر هذا القرآن؛ فإنه توقيف. ومعنى توقيف: أي لا يجوز لأحد أن يزيد فيه حرفًا واحدًا، كما لا يجوز أن ينقص منه حرفًا واحدًا. وأدلته كثيرة تذكر في مباحث علوم القرآن. ونلاحظها هنا في هذه السورة أن الله عز وجل ابتدأ هذه السورة وفي تنبيه سبحانه وتعالى لأمر الاستعاذة به بذكر ثلاث صفات من صفات عظمته سبحانه وتعالى، وهي الربوبية والملك والإلهية. وابتدأها بالربوبية والملك، وثلث بالإلهية؛ ليتوصل بذلك إلى تحقيق ألوهيته بعد الإقرار بربوبيته سبحانه وتعالى. لأن أمر الإقرار بربوبيته عليه أكثر الخلق، حتى الكفار الكثير منهم يقرون بربوبيته سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾. فكأنه جل وعلا يقول: وهذا كثير في القرآن الاستدلال بالربوبية على الألوهية. فكأنه سبحانه وتعالى يقول: يا من تقرون بأن الله رب المدبر لكل شيء، والملك المالك لكل شيء، فتوجه له بالألوهية والعبودية وحده؛ فهو مثل قوله سبحانه: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. أي: كما أنكم تقرون أنه لا خالق إلا الله، فإنه يجب أن لا يعبد إلا الله سبحانه وتعالى. والمعنى: أنه بهذه المعاني الثلاثة يدعو العبد بأنه لا مفزع له ولا ملجأ في شدائده إلا إلى الله سبحانه وتعالى. أنه لا مفزع ولا ملجأ له في شدائده إلا الله سبحانه وتعالى. وهذا يدلك على أمر وجوب التوحيد حتى في الاستعاذة؛ فلا نستعيذ إلا بالله عز وجل وحده. وهكذا كذلك فيه أدب من أدب الدعاء، وهو أن يتقدم الداعي بين يدي الدعاء بالثناء على الله عز وجل بما هو أهله سبحانه وتعالى. وإذا تأملت أدعية النبي صلى الله عليه وسلم تجدها مليئة بهذا المعنى، مثل دعاء النبي عليه الصلاة والسلام بصلاة الليل، أوله ثناء على الله عز وجل بما هو أهله، ثم السؤال الذي يسأل سبحانه وتعالى، ثم الاستعاذة من هذا الشيطان الذي وصف بهذه الصفات الثلاثة: من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس. وعلمنا ما معنى «وسواس»: أن يكثر من إدخال ما يريده من شر على قلب هذا الإنسان. والقاعدة عند أهل العربية: أن تكرار المبنى يدل على تكرار المعنى. وعند أهل العلم بالصرف يذكرون من معاني الفعل الرباعي المضعف -أي الذي يتكرر فيه حرفان- أنه يفيد تكرار المعنى. فيوسوس: السين تكررت مرتين، والواو تكررت مرتين، فيدل على تكرار هذا المعنى في هذا الفعل. وهذا يفيدنا أن الشيطان لا يمل ولا يفتر في إدخال ما يحرص عليه من وسوسة على هذا الإنسان. وهذا يدعونا للحذر منه وتشديد العداوة له؛ لكونه على هذا الوصف. وأن لا نطيعه فيما يريد. وهكذا الوصف الثاني هو «وسواس»: من شر الوسواس الخناس. «وسواس» يوسوس -يعني يكرر إدخال الوسوسة-. ومع ذلك «خناس» -أي سريع الفرار- حتى لا يشعر الإنسان بأن هذا جاءه من الشيطان. وهذا الواقع أن الإنسان -أو الكثير من الناس- يدخل الشيطان عليه خواطر وهموم السوء والشر من حيث لا يشعر، ثم ينخنس، فيجدها شهوة في نفسه ورغبة في صدره. ووسوسة هذا الشيطان على الإنسان تكون في ستة أمور. الأمر الأول: أن يوقعه في الشرك، صغيره أو كبيره. وعلمنا في دروس سابقة الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر. الثاني: يحرص هذا الشيطان أن يوقع الإنسان في البدعة، والبدعة والبدعة أحب إليه من الكبيرة. ثم ثالثًا: يحرص على أن يوقعه في الكبيرة. وعلمنا في دروس سابقة ضابط الكبيرة، وأنها -على وجه الاختصار- ما كان فيها زيادة تأكيد في التحريم، إما بحد في الدنيا أو زيادة عذاب في الآخرة، أو اقتران بفعل الكافرين أو الشياطين أو غير ذلك. والرابع: نعم، أن يوقعه في شيء من الكبائر أو في الصغائر -وهو ما دون الكبائر من المحرمات-. والخامس: أن يجعله يتوسع في المباحات، يتوسع في المباح حتى ينشغل به عن أبواب الخير الكثيرة. والسادس: أن يشغله بالعمل المفضول عن العمل الفاضل. كله فيه فضل، لكن يوجد شيء أفضل من شيء، فيشغله بالعمل المفضول عن العمل الفاضل. إذا عجز عن أن يصرفه عن الخير، فإنه لا يفتر هذا الشيطان، ولو أن يقلل عنك الخير. مثلًا: أنت في طلب علم، وطلب علم من أفضل الأعمال، يصرفك عنه مثلًا بأن يزهدك عن العلم بحجة الاستكتار من العبادة، فيدخل في قلبك حب الخلوة والبعد عن الناس، فتنصرف عن تعلم العلم وتعليمه إلى الخلوة بنفسك. والخلوة بالنفس قد يكون في بعض الأحيان عملًا مفضولًا -يعني عملًا فيه فضل، لكنه مفضول بالنسبة لطلب العلم-. ما أن بعض تلك الخلوة، الغلو فيها قد يصل إلى البدعة. وهذا الذي يصل به الشيطان من هذا الباب يبدأ بالمفضول، ثم يجر الإنسان حتى يقع في البدعة، مثل رهبانية النصارى التي ابتدعوها. ابتدأت بالمفضول، فترك الأفضل -وهو طلب العلم وتعليمه- إلى العبادة والتفرغ لها. ثم جرهم الشيطان خطوة خطوة حتى وقعوا في الغلو والبدع، فأحدثوا أشياء لم يأذن بها الله سبحانه وتعالى. وبهذا نعرف أن وسوسة الشيطان -على كثرتها- فهي درجات، وعلى درجاتها ففيها دقائق وأمور خفية ينبغي أن يتعلمها ويحذرها المسلم، وينزل كل مسألة منزلتها الشرعية الصحيحة، ويعالجها بالعلاج الشرعي الصحيح. هي درجات، نعم، هي قلنا هي درجات، وتحت هذه الدرجات دقائق ومسائل خفية. فينبغي للمسلم أن يتعلم ويحذر، وأن يتخذ الموقف الشرعي الصحيح في علاج كل شيء بما يناسبه شرعًا. ثم ختم ربنا جل وعلا بقوله: ﴿من الجنة والناس﴾. وقد اختلف المفسرون في تفسير هذه اللفظة. والخلاصة: أن الشيطان حريص على إضلال الصالحين عمومًا من الإنس والجن، وهو كذلك يضل الجن والإنس. وكذلك الشياطين: كل من خرج عن طاعة الله من الجن ومن الإنس. فإذا نحن نحذر من شياطين الجن بماذا؟ بذكر الله سبحانه وتعالى وطاعته. ومن شياطين الإنس بعدم مصاحبتهم. فالشيطان يفر من ذكر الله، كما في الصحيح في حديث أبي هريرة: «إذا سمع الشيطان النداء فر وله ضراط». وهكذا كذلك الطاعة تطرد الشيطان، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: أنه إذا نام الإنسان عقد الشيطان على قافيته ثلاث عقد، فإذا قام من نومه فذكر الله انحلت عقده، إن صلى انحلت العقدة الثلاث. إذن: إذا أردنا أن نطرد الشيطان نطرده بذكر الله، وبطاعة الله سبحانه وتعالى. هؤلاء شياطين الجن، وشياطين الإنس نطردهم بهذا. وزيادة بعدم مصاحبتهم: لا نصاحبهم، ولا يكون لنا أصدقاء ولا أصحاب. فكل من يدعوك إلى أحد تلك الخصال الست، ففيه خصلة من خصال الشياطين، ولو كان إنسانًا؛ لأن الشيطان -كما سبق- هو من شطن عن الحق -يعني خرج عن طريق الحق- إنسًا كان أو جنًا. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم للعمل بشرعه، والاستقامة على سنة نبيه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.