الدرس في كتاب البيوع 67، ألقاها
تناول هذا الفصل أركان العارية وشروطها وطبيعتها التعاقدية كعقد جائز. كما ناقش أركان العارية وهي الإعارة والمعير والمستعير والمعار والصيغة.
ناقش هذا الفصل آراء الفقهاء حول ضمان العارية، حيث اختلفوا في كونها مضمونة أو أمانة لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط أو اشتراط الضمان.
تناول هذا الفصل أحكام العارية في الفقه الإسلامي، حيث ناقش شروط ضمان العارية وجواز إعارته لغيره والفرق بين العارية والإجارة.
تضمن هذا الفصل دعاء يتألف من تمجيد الله تعالى والاعتراف بوحدانيته والاستغفار والتوبة إليه، ليكون ختامًا للدروس السابقة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، مضى معنا من مسائل العارية الكلام على العارية لغة وشرعا، وعلى حكمها، وذكرنا أن الصحيحة من أقوال أهل العلم أنها مستحبة مندوبة. وهي قد تخرج عن هذا الأصل ضرورة، كغيرها من الأمور المباحة، فضلا عن غيرها. المسألة الرابعة من مسائل متعلقة بحديث الباب: أركان العارية. يقال: العارية، والعارية. وأيضا العارية أركان العارية خمسة: الإعارة، والمعير، والمستعير، والمعار، والصيغة. قلنا: العارية خمسة: الإعارة، والمعير، والمستعير، والمعار، والصيغة. أما الإعارة، فكما تقدم معنا في الدرس الماضي، فهي فعل خير ومندوب إليه. وقد تقدم الكلام على هذا. وأما المعير، وهو من يعير الإعارة، فلا يعتبر فيه إلا كونه مالكا للعارية، إما لرقبتها، وهذا كالمالك حقيقة، وإما لمنفعتها. والمراد بالمنفعة: أن يكون مستأجرا لها. فهو مالك للمنفعة بذلك الاستيجار. أما المستعير، فهل له أن يعيرها؟ سيأتي الكلام على هذا بإذن الله عز وجل في مسألة خاصة. وأما العارية، فتكون في الدور والأراضين والحيوان وجميع ما يعرف بعينه، إذا كانت منفعته مباحة الاستعمال. ولذلك لا تجوز إباحة الجواري -أي الإماء- للاستمتاع، ويكره للاستخدام، إلا أن تكون مع ذات محرم. يعني نبين هذا المعنى: العارية كما تقدم قد تكون في الدور، إنسان عنده دور فيعير إنسانا بأن يسكن في داره. يقول له: أسكن في داري إعارة. أو يقول له: أعرني دارك أسكن فيها شهرا أو شهرين أو أكثر أو أقل. هذا يحصل إلى الآن في بعض الناس في مجتمعات، لا سيما عند الأعراس أو نحوها. يقول الجار للجار: أعرني غرفة للضيوف، وما شابه ذلك. فيعيره لمدة معينة أو لمدة ساعة، ساعتين بعد العصر أو بعد الظهر. وهذا موجود إلى يومنا هذا. والأراضي كذلك، كان يعيره أرضا، يقول له: أعرني أرضك أن تزرعوا بها أو ما شابه ذلك. فيقول: نعم، قد أعرتك أرضي. والحيوان كذلك، كان يعطيه مثلا إبلا -يعني ناقة- يقول له: هذه الناقة استفد منها إعارة، إما بشرب لبنها وإما برقوب ظهرها. هذه كذلك. وجميع ما يعرف بعينه، يعني يدخل فيه مثلا الآن السيارات. إنسان يأتي إلى إنسان يقول له: أعرني سيارتك، سأذهب مثلا إلى السوق بها، سأذهب إلى المستشفى، وما شابه ذلك. فهذه من الإعارات. وجميع ما يعرفون بعينه، أي لابد أن يكون شيء معلوم عين معلومة، إذا كانت منفعته مباحة لاستعمال. لابد أن تكون مباحة لاستعمال. فخرج ما لم يكن مباحا لاستعمال. إذا قال: خذ هذه الجارية يستمتع بها إعارة مدة يوم، يومين، هذا لا يجوز. واضح؛ لأن منفعة الجواري لا يجوز بالاستمتاع لا يجوز بالاستمتاع؛ لماذا؟ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾، وهذه ليست بإمرأة له، ولا هي كذلك ملك يمين، لا دا ولا دا. فإذا لا يجوز؛ يعني ما كان كذلك لا يجوز. طيب، بقي قالوا: ويكره للاستخدام؛ بمعنى هل يجوز الإنسان أن يعير فتاة لإنسان شاب أو رجل؟ قال علماء: يكره. وإذا كانت جميلة ويخشى عليه الفتنة، قد يمنع ويحرم عليه أن يعطيه إياها؛ لماذا؟ لأنه يكون سببا لفتنته، يكون سببا للفتنة، فلا يجوز لأجل هذا المعنى. قالوا: وأما الصيغة، أي صيغة العارية، فهي كل لفظ يدل على الإذن. أي يأتي إليه فيقول: أعرني، فيقول: نعم، أعرتك هذه العارية أو هذا الشيء أو ما شابه ذلك. المسألة الخامسة: العارية من العقود الجائزة على الصحيح. ومعنى من العقود الجائزة: أي ليست من العقود الواجبة الملزمة. ومعنى هذا أن المعير له أن يفسخ ذلك العقد إن بدا له ذلك، ولم يترتب عليه ضرر بالمستعير. وبهذا -أي قال، بأن العقد جائز، بهذا قال الجمهور. قالوا: فللمعير أن يسترد عاريته إذا شاء. لكن قيدهم بعضهم بما لا يكون سببا لإضرار بالمستعير. يعني مثلا يعطيه سيارة، يقول: اذهب إلى المستشفى. في نص الطريق، اتصل عليه، يقول: لا، خلاص، أترك السيارة، ما أردتها بها. لا يكون ضرر فيه. واضح. أو يقول: خذ الأرض ازرعها، فيزرع الأرض. بعد شهر، شهرين، ثالث يقول: لا، أريد أرضي الآن. هل فيه ضرر؟ واضح. فالحاصل: له أن يأخذها، لكن دون أن يسبب أو يحصل على المستعير ضرر. فإن حصل، فلا يعطيه حتى ينفذه. لذا قال بعض أهل العلم: إذا أعطاه، يعني لا يأخذه حتى ماذا؟ حتى يقضي حاجته. كما يأتي في القول الآخر. يعني قال مالك: القول الأول قول الجمهور. وقال مالك في المشهور عنه: ليس له استرجاعها قبل الانتفاع. مالك رحمه الله تعالى يقول: ليس له استرجاعها قبل الانتفاع. أنا أعرتك سيارة، أعرتك كتابا، أعرتك دارا، أرضا. فإمام مالك رحمه الله تعالى يقول: ليس له أن يرجع في إعارته قبل أن ينتفع المستعير بها. قالوا: إن شرط مدة، لزمته تلك المدة. إن شرط مدة، قال: سأعطيك استعارة مدة شهر. فيقول: تلزمه تلك المدة. وإن لم يشترط مدة، لزمته من المدة ما يرى الناس أنه مدة لمثل تلك المدة؛ بمعنى أنه يرجع إلى العرف. يرجع إلى العرف. قال ابن رشد في بداية المجتهد ونهاية المقتصد: وسبب الخلاف ما يوجد فيها من شبهة العقود اللازمة وغير اللازمة. يعني الإنسان إذا نظر إلى معنى الاستعارة، فرأى أنها من باب عقود الإحسان والفضل، وما كان كذلك فلا يكون واجبا. وإذا نظر بمنظار آخر، باعتبار أن فيها شبهة مثلا بالهبة، ونحوها، فيقول: لا يجوز له الرجوع فيها. وكذلك فيها معنى من معاني الانتفاع، أي شبهة كذلك بالإجارة، وما شابه ذلك من العقود اللازمة، فيقول: ليس له. والأظهر الأول. لكن بهذا القول -بأن لا يكون في ذلك ضرر عليهم- فإن كان فيه ضرر، فلا. المسألة السادسة: هل العارية مضمونة أم هي أمانة؟ يعني بمعنى إذا أعار إنسان إنسانا عارية، فتلفت تلك العارية، مثلا بغير تعد ولا تفريط. هل يكون ضامنا ذلك الذي تلفت عنده تلك العارية أم أنه ليس بضامن؟ قولان لأهل العلم بهذا الاعتبار. فذهب الجمهور إلى أنها مضمونة إذا تلفت في يد المستعير، إلا فيما إذا كان ذلك من الوجه المأذون فيه. كيف الوجه المأذون فيه؟ مثلا يقولون: بعض الزروع -يعني زراعة بعض الحبوب- ربما تضعف الأرض، يعني تصير أرضا ليست أرضا خصبة، لكنها صالحة. وقد أذن له، قال: ازرع فيها هذا النوع وذاك وذاك. فزرع فيها، فصارت الأرض على هذه الحال -يعني حصل فيها تلف- فهل يضمن؟ الجواب: لا؛ لماذا؟ لأنه قد أذن له بهذا المعنى. فإن لم يكن كذلك، ضمن. يعني معنى: إنسان أعطى إنسانا سيارة، أو أعطاه مثلا كتابا يقرأ فيه. الرجل أخذ الكتاب من البيت قبل أن يصير للبيت. حصل له أمر، سرق منه الكتاب من غير تعد ولا تفريط. أو تلف عليه البيت من غير تعد، حرق البيت، أو حرقت المزرعة، أو ما شابه هذا من غير تعد ولا تفريط. الجمهور يقولون: ماذا؟ يقولون: يضمن. طيب، إذا أعار، يضمن عليه أن يعيدها إن كانت موجودة بعينها. فإن تلفت، وكانت من ذوات القيم، رد قيمتها. وإن كانت مما له مثيل، رد مثيلها من الأصناف. فإن لم يجد، فترد القيمة. هذا على قول الجمهور. وذكروا أنه ممن ذهب إلى هذا القول كذلك من الصحابة: ابن عباس، وأبو هريرة رضي الله عنهم جميعا. وذهب الحسن والنخعي والشعبي وعمر بن عبد العزيز والثوري والأوزاعي ومالك وأبو حنيفة وابن شبرمة إلى أنها أمانة، لا يجب ضمانها إلا بالتعدي؛ لما روى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على المستعير غير المغرِض ضمان، ولا على المستودع غير المغرِض ضمان». رواه الدارقطني، ولكن الحديث ضعيف. هذا الحديث ضعيف، بل ضعيف جدا. من رواه الدارقطني رحمه الله تعالى في كتابه «السنن». قال: وفيه عمر وعبيدة ضعيفان. وإنما يروى عن شريح القاضي غير مرفوع -أي أنه من قول شريح- هذا كلام من قول شريح، وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم. لذا قال العلامة الألباني في «الإرواء» بعد أن ذكر كلام الدارقطني: إسناده ضعيف جدا. وعبيدة بن حسان، قال ابن حبان: يروي الموضوعات. يروي الموضوعات. فإذا لا يصح هذا الحديث. وأيضا استدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «العارية مؤداة». والحديث في مسلم، كما تقدم معنا. قال: يدل على أنها أمانة؛ يدل على أنها أمانة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، قال: فهي أمانة، وجب أداؤها إلى أهلها. قال: ولأنه من حيث التعليل، قال: ولأنه قبضها بإذن مالكها، فكانت أمانة كالوديعة. إذن استدلوا بالأثر، وبالنظر. واستدل الجمهور على أنها مضمونة، بقول النبي صلى الله عليه وسلم لصفوان -وكان ابن أمية رضي الله عنهما- في الحديث الذي مضى معنا، حينما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: استعر منه. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أغصبا يا محمد؟ قال: «بل عارية مضمونة». بل عارية مضمونة. وكذلك استدل بما رواه أبو داود والترمذي من حديث الحسن عن ثمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه». على اليد ما أخذت حتى تؤديه. وهذا حديث صحيح على الصحيح. ولأنه من حيث التعليل أيضا، قال الجمهور: ولأنه أخذ ملك غيره لنفع نفسه، منفردا بنفعه، من غير استحقاق، ولا إذن في الإتلاف. فكان مضمونا كالغاصب، والمأخوذ على وجه السوم. وهناك قول ثالث، هو قول بين القولين. ذهب بعض أهل العلم إلى أن العارية لا تضمن إلا بواحد من أمور ثلاثة: الأول: أن يتعدى. الثاني: أن يفرط. الثالث: أن يشترط الضمان. يعني كما مر معنا مرارا: التعدي: أن يتجاوز المأذون فيه. والتفريط: أن يقصر في المأذون فيه -يعني في ما يجب عليه حفظه به-. واستدلوا على ذلك، قالوا: أما في مسألة التعدي والتفريط، فلأنه بتعديه أو تفريطه زال ائتمانه -أي لم يكن مؤتمنا- والأصل في الأمانة: لأننا لو قلنا بأنها أمانة، فإنه يزول عنه كونه أمينا إن فرط أو تعدى. طيب، قال: فصار غير أمين. وأما فيما إذا شرط أن يضمنه، فلقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم». وهذا قد التزم بذلك. وحديث: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» -يعني أن توجيه- وحديث: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» -قالوا: عام- وحديث: «بل عارية مضمونة» -يعني إن قيل لنا: فما تقول في حديث: «ما أخذت أو على اليد ما أخذت حتى تؤديه»؟ فما الجواب؟ قالوا: هذا حديث عام. وسأتي الجواب عليه أيضا فيما بعد. وإذا قيل: حديث: «بل عارية مضمونة». النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بل عارية مضمونة». فكيف تصنعون به؟ واضح. قالوا: كلمة «مضمونة» -وقع الخلاف فيها- كلمة «مضمونة» وقع الخلاف فيها؛ أي في معناها، أو في فهم المقصود منها. فمن قال: إن العارية مضمونة، جعل هذه اللفظة صفة كاشفة لحقيقة العارية -أي أن شأن العارية الضمان- واضح. يعني لم يجعل للفظ «بل عارية مضمونة» معنى؛ لماذا؟ لأن العارية عندهم مضمونة أصلا. فقوله صلى الله عليه وسلم: «مضمونة»، قالوا: هذا فقط لزيادة ماذا؟ بيان وتأكيد. بيان؛ ليس لأنها لها معنى زائد أو تقييد. واضح. ومن ذهب إلى أنها ليست مضمونة، قال: ماذا؟ قالوا: يعني الذين قالوا: لا تضمن إلا بشرط -إلا بشرط- قالوا: إن الصفة -أي مضمونة- مقيدة. واضح. وليست كاشفة. وليست كاشفة. قالوا: وإذا تعرضت هذه الصفة -يعني تعرضت هذه الصفة- يعني صفة مقيدة أو كاشفة، فبأيهما يأخذ؟ قالوا: فالأصل أنها مقيدة؛ لماذا؟ قالوا: لأن الكاشفة لو حذفت، لاستقام الكلام بدونها. واضح. أنها صفة كاشفة -يعني ليس لها معنى يخصص أو يقيد- قالوا: والمقيدة لا يتم الكلام إلا بها. والمقيدة لا يتم الكلام إلا بها. والأصل أن المذكور واجب. واضح. واجب؛ إيش؟ فلا يحذف إلا بدليل وبرهان -يعني واجب لا يجوز الحذف- واضح. قالوا: عليه، فتكون الصفة هنا مقيدة. وهو الصحيح. فتكون دالة على أن العارية تضمن إن شُرط ضمانها، وإلا فلا. فيكون دلالة على ماذا؟ على اشتراط الضمان. يعني إنسان قال لك: أعرني، أقول لك: كيف؟ يقول المستعير: ضمان، أضمنها لك. يكون ماذا؟ ضامنا. واضح. يضمن؛ أتلفها بتعد أو تفريط، أو لم يتلفها بتعد أو تفريط، يكون ضامنا على جميع الأحوال. قالوا: أما الجواب عن الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، فالأمانات ترد؛ إن كانت باقية. أما إذا تلف، فالآية ليس فيها دليل على وجوب الرد؛ لأن الأمانات زالت وتلفت. واضح. الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، يقال: إن تلفت الأمانة من غير تعد ولا تفريط، هل نوجب عليه أن يردها؟ الجواب: لا. طيب، وكذلك يقال في حديث: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه». قالوا: هذا يدل على أنه موجود، وأنه يجب أداؤه لصاحبه، حيث وجب أداؤه إليه -يعني أنه موجود- وأنه يجب أداؤه لصاحبه، حيث وجد، وجب أداؤه إليه. وهذا كالآية. إذا وجد، أدى إلى صاحبه. وإذا لم يوجد، ولم يكن بتعد ولا تفريط، فلا شيء عليه. قالوا: فإذا، فلا دلالة في الآية والحديث على ما ذهبوا إليه. وتبقى العارية على القواعد العامة، وهي أنها وقعت بيد المستعير برضى صاحبها. فيدل المستعير: يده أمينة. والأمين لا يضمن إلا بتعد أو تفريط. هذه القاعدة الشرعية العامة. أما إذا شرط ضمانها، فلقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، ولقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم». ولقوله صلى الله عليه وسلم لصفوان: «بل عارية مضمونة». وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وترجيح العلامة ابن عثيمين رحمه الله. وهو الراجح، والله أعلى وأعلم؛ لأنه أوسط الأقوال، وأعدل الأقوال في المسألة فيما يظهر، والله تعالى أعلى وأعلم. طيب، المسألة السابعة: قالوا: وتجوز الإعارة مطلقا ومقيدا. مطلقا: كان يقول: أعرتك الأرض ازرع فيها، دون أن يبين له أي نوع من الزرع. فلو أن يزرع فيها ما شاء. أو يقول له: خذ هذه الأرض انتفع بها. أعرتك هذه الأرض فانتفع بها، ولم يقيد نوع الانتفاع. هل يسكنها؟ يبني دارا؟ هل يزرع؟ واضح. لهم. وإن قيدها -يعني وإن قيدها- كذلك تصح. قالوا: لأن إباحة المنفعة؛ لأنها إباحة. فجاز فيها ذلك. ولأن الجهالة إنما تؤثر في العقود اللازمة. فإن أعاره شيئا مطلقا، أبيح له الانتفاع به في كل ما هو مستعد له من الانتفاع به. وإن أعاره مقيدا بوصف أو شرط أو نحوه، فليس له أن يتعداه إلى غيره. فإن تعداه، كان معتديا. واضح. المسألة الثامنة: قالوا: وإن استعار شيئا، فله استيفاء منفعته بنفسه وبوكيله. أي له أن يقول لوكيله: اذهب فافعل كذا أو اعمل كذا، مثلا في الأرض أو في البيت أو ما شابه ذلك؛ لأن الوكيل ينوب عن موكله. قالوا: وليس له أن يؤجره. ليس له أن يؤجره. ليس له أن يؤجره. مثاله: زيد أعطى عمرا -أعار عمرا- أرضا. فليس لعمر أن يؤجر الأرض على خالد. واضح. قالوا: لأنه لم يملك المنافع. لم يملك المنافع. فلا يصح أن يملكها؛ لأن المنفعة ملك لمالكها. ولكنه أذن له بالانتفاع به أو بها. قال ابن قدامة: ولا نعلم في هذا خلافا. واضح. لا يجوز للمستعير أن يؤجر ما أعير. طيب، وقال أيضا: ولا خلاف بينهم أن المستعير لا يملك العين -مثال الأرض لا يملكها- وإنما يستوفي المنافع. قالوا: وأجمعوا على أن للمستعير استعمال المعار فيما أذن له فيه. وليس له أن يعيره لغيره. واضح. العارية لا يعيرها مستعير لمستعير آخر. واضح. الإجارة وضحت: أنه لا يجوز. الآن بقي صورة أخرى: عمر استعار من زيد مثلا سيارة -أعطاه السيارة- فجاء مثلا خالد، طلب أو استعار من عمر السيارة التي هي ملك لمن؟ لزيد. هل لعمر أن يعيره؟ ليس له أن يعيره. يقول ابن قدامة: أجمعوا على أن للمستعير استعمال المعار فيما أذن له فيه. إلى هنا أجمعوا. وأما قولهم: وليس له أن يعيره لغيره، هذا خلاف. وفيه خلاف. وهذا هو قول الحنابلة، وهو أحد الوجهين عند الشافعية. وقالوا في الوجه الآخر -أي الشافعي-: له ذلك. أي للمستعير أن يعير لغيره. وهو قول أبي حنيفة. قالوا: لأنه يملك المنافع على حسب ما ملكه. لأنه يملك المنافع على حسب ما ملكه. فجاز كمال المستأجر أن يؤجر. فجاز كمال المستأجر أن يؤجر. واضح. الإنسان مثلا يقول: المستأجر له أن يؤجر البيت لغيره. فكذلك المستعير له أن يعير الإعارة لغيره. واضح. قال أصحاب الرأي: إذا استعار ثوبا ليلبسه هو، فأعطاه غيره فلبسه، فهو ضامن. وإن لم يسم من يلبسه، فلا ضمان عليه. واضح. يقولون: هؤلاء إذا قال: يا زيد -يعني يا زيد- لبس هذا الثوب. فزيد أعطاه لعمر يلبسه. يقولون: إن حصل له شيء، فهو ضامن. عمر -يعني ماذا؟ زيد يكون ضامنا. واضح. قالوا: أما إذا قال: خذ هذا الثوب، أو أعرتك هذا الثوب، دون أن يسم من يلبسه. فإن ألبسه غيره، فلا ضمان عليه. واضح. وقال مالك رحمه الله: إذا لم يتعمد بها إلا الذي كان يعمل بها -الذي أعيرها- فلا ضمان عليه. فلا ضمان عليه. والراجح، والله أعلى وأعلم: أنه لا يجوز له أن يعيرها. وبنوع أولى -كما تقدم- أن لا يؤجرها. والإجارة -كما تقدم- أنه بإجماع. قالوا: لأن العارية إباحة المنفعة. العارية إنما هي إباحة المنفعة -أي أباح له أن ينتفع بما أعيره- فلم يجوز أن يبيحها لغيره. كإباحة الطعام. واضح. يعني إنسان لو قال: كل من هذا الطعام. فهل إنسان آخر يقول: لا، أنا آكل زيت. يقول تعالى: فضلا منه. كل من أكل زيت. فوضح. يقول: لا، ليس له؛ لأن الأصل أن الأصل في أموال الناس الحرمة. فلا يأخذ أحد أو يأكل أحد من مال أحد أو ينتفع من مال أحد إلا بماذا؟ إلا بطيب من نفسه. كما مر معنا في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه». قالوا: فكذلك ماذا؟ الاستعارة. قالوا: وتفارق الإجارة؛ أي وتفارق الاستعارة الإجارة: أن المستأجر له أن يؤجر ما استأجره على غيره، إلا أن يكون فيه ضرر. صحيح. قالوا: لأن بالإجارة ملك الانتفاع. بالإجارة ملك الانتفاع. طيب؛ لأن بالإجارة ملك الانتفاع على وجه. فملك أن يملكها لغيره. واضح. الآن إنسان استأجر من إنسان أرضا. ملك الانتفاع بهذه الأرض في مقابل ما دفعه. فله أن يؤجر تلك الأرض على غيره؛ لماذا؟ لأنه مالك؛ لأنه مالك للمنفعة. بخلاف المستعير، فإنه ليس مالكا للمنفعة. وإنما أبيح له الانتفاع بالمنفعة. وإلا حقيقة المنفعة هي لمن؟ لمالكها. واضح. من أي من لمالك العين. قالوا: وفي العارية: لم يملك المنفعة. إنما ملك استيفاءها على وجه ما أذن له. فأشبه من أبيح له أكل الطعام. فعلى هذا: إن أعار، فللمالك الرجوع بأجرة المثل. واضحة. يا إخوة. يعني الآن إن أعار زيد عمرا مثلا داره. فعمر أعار خالدا تلك الدار. يقول زيد -الذي هو المالك- أن يطلب أجرة المثل؛ لماذا؟ لأنه انتفع بما هو ملك له بغير إذن. فلو أن يطلب بماذا؟ بأجرة المثل. قالوا: وله أن يطلب من شاء منهما -يطالب عمرا أو خالدا-؛ لماذا؟ قال: لأن الأول سلّط غيره على أخذ مال غيره بغير إذنه. والثاني استوفاه بغير إذنه. كلاهما حصل منهم تعد. واضح. أو والآخر حصل منه تفريط. أو قل: كلاهما تعدوا. وأيضا حصل منهم في الوقت نفسه ماذا؟ تفريط. قالوا: فإن ضمن الأول، رجع على الثاني. يعني يطلب منهم المال؛ لأن الاستيفاء حصل من الثاني؛ لانتفاعه، فاستقر الضمان عليه. قالوا: وإن ضمن الثاني، لم يرجع الأول إلا أن يكون الثاني لم يعلم بحقيقة الحال. واضح. فيحتمل أن يستقر الضمان على الأول؛ لأنه غر الثاني. وبهذا نكون أخذنا ما تيسر من مسائل العارية. وفي الدرس اللاحق -عيد الله عز وجل- ندخل في أبواب الغصب. نسأل الله عز وجل لعانة. إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.