الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث عن مقتضيات الإيمان باسم الله الأكرم، ويشدد على التوجه بالدعاء لله وحده وشكر نعمه. يجب على العبد أن يأخذ بأسباب نيل كرامة الله بتقوى الله والإحسان إلى عباده.
يذكر العديد من الأمثلة على كرم الأنبياء والصحابة، مثل إبراهيم ويوسف ومحمد صلى الله عليهم وسلم، وأبو بكر الصديق وأبو طلحة الأنصاري. كانوا يتصفون بالكرم والإكرام ويضربون الأمثلة في إطعام الطعام وإكرام الضيف.
يذكر نماذج من كرم الصحابة مثل الأنصاري وجعفر بن أبي طالب، ويشير إلى أهمية التحلي بصفة الكرم والابتعاد عن البخل والشح. كانوا يكرمون المساكين ويتصفون بالكرم.
يتضمن الدعاء بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يعد هذا الختام شائعًا في العديد من النصوص الدينية والكتابات الإسلامية.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فكان آخر الكلام في شرح اسم الله الأكرم بذكر مقتضيات الإيمان بهذا الاسم والتعبد لله جل وعلا باسمه جل وعلا الأكرم. وذكرنا أن من مقتضيات الإيمان التعبد لله جل وعلا باسمه الأكرم أن يتوجه العبد إلى ربه جل وعلا خالقه، ولا يتوجه إلى غير الله سبحانه وتعالى. فذو الجلال والإكرام يحب من عباده أن يدعوه جل وعلا وأن يسأله وحده سبحانه وتعالى. ولذلك ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في المسند من حديث ربيعة بن عامر رضي الله تعالى عنه، وصححه العلامة الألباني رحمه الله، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ألظّوا بياذ الجلال والإكرام، ألظّوا بياذ الجلال والإكرام»، أي: أكثروا الدعاء بهذا الاسم واثبتوا والتزموا هذا الدعاء. وذلك أن الله جل وعلا يحب ذلك من عباده. وكما تقدم معنا قوله عليه الصلاة والسلام: «من لم يسأل الله يغضب عليه»، صححه العلامة الألباني رحمه الله. فالله جل وعلا يحب من عباده إذا علموا أنه الكريم الأكرم أن يسألوه جل وعلا وأن يطلبوا كرمه سبحانه وتعالى وأن يلحوا في دعائهم. ابن آدم يغضب إذا سألته، والله جل وعلا يغضب إذا تركت سؤاله. لا تسألن بني آدم حاجة، وسل الذي حوائجك لا تحجب. فالله يغضب إن تركت سؤاله، وبنو آدم حين يسأل يغضب. فربنا سبحانه وتعالى يحب من عباده أن يلحوا بالدعاء بدعائه جل وعلا والإكثار من ذلك. وهكذا كذلك على العبد أن لا يكفر نعم الله جل وعلا عليه. أن تعلم أن الله جل وعلا الكريم الأكرم الموصوف بالكرم والإكرام، فهو الذي أكرم عليك وأنعم عليك. فعليك أن تنسب النعم إلى المكرم، وهو الرب جل وعلا. لا تنسبها إلى نفسك ولا إلى جهدك ولا إلى علمك وخبرتك وذكائك إلى آخر ذلك. وما بكم من نعمة فمن الله. وهكذا عليك أن تشكر نعم الله جل وعلا عليك. وكذلك أيضا ذكرنا أن من مقتضيات التعبد لله جل وعلا بهذا الاسم أن لا تجعل إكرامه جل وعلا وعدمه ميزانا لرضاه وسخطه جل وعلا. فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول: ربي أكرمني. وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول: ربي هانني. كلا، أي: ليس هذا الميزان. أنكر الله جل وعلا على من اعتقد ذلك. بل اعلم أن الله جل وعلا إذا أكرمك وأنعم عليك، فذلك فضله جل وعلا يؤتيه من يشاء، فربما ابتلاء وربما استدراجا. الميزان التقوى والعبادة لله جل وعلا. وهكذا كذلك من مقتضيات الإيمان بهذا الاسم والتعبد لله جل وعلا بهذا الاسم، اسمه جل وعلا الأكرم، أن يكون الميزان عندك في الإكرام والإهانة هو الميزان الذي بيّنه الله جل وعلا. ربنا عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾. فما له من مكرم. إذن أنت يا عبد الله أكرم من أكرمه الله، وأهن من أهانه الله. من أكرمه الله فأكرمه، ومن أهانه الله فلا تكرمه ولا كرامة. لأن الكرامة لمن أكرمه الله، والإهانة لمن أهانه الله جل وعلا. إذن الميزان الولاء والبراء في الله جل وعلا، والحب والبغض والمولاة والمعاداة في الإعطاء والمنع كل ذلك لله وفي الله. لا تجد قوما يؤمنوا بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم. ﴿أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. هذا هو الميزان في الرضا والسخط، في المحبة والبغض، في الولاء والبراء لله وفي الله، وفي الإكرام والإهانة هذا هو الميزان. ومقتضى إيمانك باسم الله جل وعلا الأكرم أن تكرم من أكرمه الله، ومن لم يكرمه الله فلا كرامة له. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحب في الله وأعطى في الله ومن عاد في الله فقد استكمل الإيمان». فقد استكمل الإيمان. وقال عليه الصلاة والسلام: «أو تقع الإيمان الحب في الله والبغض في الله». إذن أنت يا عبد الله أكرم من أكرمه الله. الله أكرم الصالحين وأكرم المتقين وأكرم المستقيمين على شرع الله جل وعلا. فكذلك أنت عبد الله يكون هذا ميزانك. لا تكرم من أهانه الله، وإنما أكرم من أكرمه الله سبحانه وتعالى. هذا من مقتضى إيمانك باسم الله جل وعلا الأكرم. وهكذا أيضا من مقتضى إيمانك باسم الله جل وعلا الأكرم أن تأخذ بأسباب نيل كرامته سبحانه وتعالى. فتأخذ بأسباب نيل كرامته جل وعلا وبأن تكون كريما عنده جل وعلا. فالله سبحانه وتعالى يحسب عباده الكرماء ويحب عباده الكريمين. فلذلك عليك أن تحرس وأن تجتهد في نيل كرامته جل وعلا وبأن تكون كريما عند الله جل وعلا. وذلك لا يتحقق إلا بتقوى الله سبحانه وتعالى. قال جل وعلا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. تريد أن تكون كريما عند الله جل وعلا، فعليك بتقوى الله سبحانه وتعالى. لأن الكريم عند الله جل وعلا هو التقي. فلذلك عليك أن تسعى جادا مجتهدا بأن تكون كريما عند الله جل وعلا بتحقيق أسباب نيل كرامته سبحانه وتعالى. وذلك لا ينال كما سمعتم إلا بتقوى الله جل وعلا. فالله يحب من عباده الكرام. أثنى ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم على الكرماء. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾. أثنى الله جل وعلا عليهم لأنهم كانوا من الكرماء الذين أكرموا عباد الله جل وعلا، وأرادوا بإكرامهم الجزاء من الله سبحانه وتعالى لا حظا دنيويا زائلا، وإنما أرادوا ثواب الله جل وعلا والدار الآخرة. وهكذا أثنى ربنا جل وعلا على عباد الكريمين. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾. أثنى الله جل وعلا على الكريمين. وقيل: هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهكذا أثنى ربنا عز وجل على الكريمين في كتابه الكريم بقوله جل وعلا: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. والنصوص كثيرة في الثناء منه جل وعلا على عباده الكريمين. وكما تقدم أثنى على ملائكته لاتصافهم بهذا الوصف العظيم: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾، ﴿كِرَامٍ كَاتِبِينَ﴾، ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. أثنى على أنبيائه ووصفهم بهذا الوصف العظيم. فيدلنا على أن الاتصاف بهذه الصفة والتخلق بهذا الخلق هذا من أعظم نيل كرامة الله سبحانه وتعالى للعبد. أثنى الله جل وعلا في كتابه الكريم على الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي أكرم الملائكة غاية الإكرام. كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾. أي: الذين أكرمهم الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام. فالملائكة أكرمهم إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام. وكما قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾. إكراما منه عليه الصلاة والسلام لهؤلاء الضيوف. وذلك لكرمه وإكرامه عليه الصلاة والسلام. وهذا لوط عليه الصلاة والسلام أثنى ربنا عز وجل عليه لأنه كان من المكرمين الذين أكرموا عباد الله سبحانه وتعالى، بل أكرموا ملائكة الله جل وعلا. قال ربنا عز وجل عنه في كتابه الكريم: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾. بل عليه الصلاة والسلام عرض بناته على هؤلاء، وذلك من إكرامه لأضيافه. لا يريد إيقاع الأذى بالأضياف من هؤلاء الذين أتوا لطلب الفاحشة والعياذ بالله. ولذلك قال ربنا عز وجل عنه في كتابه الكريم: ﴿هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾. عرض بناته لهؤلاء في سبيل أن لا يقعوا أذى بهؤلاء. بنات أطهر لكم. وهذا يوسف عليه الصلاة والسلام قال عنه ربنا عز وجل في كتابه الكريم وهو يقول عليه الصلاة والسلام: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾. أي: خير من أكرم وخير من أضاف من نزل به. وذلك لكرمه عليه الصلاة والسلام وإكرامه. فهو الكريم ابن الكريم عليهما الصلاة وأتم التسليم. وهكذا كذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد ضرب أروع الأمثلة في كرمه عليه الصلاة والسلام. حتى قبل بعثته عليه الصلاة والسلام كان كريما عليه الصلاة والسلام. جاء في صحيح مسلم في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها حين نزل عليه الصلاة والسلام الوحي، وجاء أو في حديث خديجة وحديث عائشة التي تروي فيه قصة النبي عليه الصلاة والسلام. وأنه جاء إلى خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها وهو خائف عليه الصلاة والسلام. قالت له خديجة رضي الله تعالى عنها: «كلا والله لا يخزيك الله أبدا. إنك لتصل الرحم وتعين على نوائب الحق وتقرئ الضيف وتحمل الكل». فذكرت من صفاته عليه الصلاة والسلام صفة الكرم التي كان عليها عليه الصلاة والسلام. فكان كريما حتى قبل بعثته عليه الصلاة والسلام. ومن كرمه عليه الصلاة والسلام كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. أعطى رجلا غنما بين جبلين. أعطى المؤلفة قلوبهم لتأليفهم مئات من الإبل. وهكذا كذلك كان يعطي عليه الصلاة والسلام. حتى كان يكرم الكافر رجاء إسلامه عليه الصلاة والسلام. فكان كريما عليه الصلاة والسلام. وأمر عليه الصلاة والسلام بذلك في أحاديث كثيرة بالكرم والإكرام. وأثنى كذلك على المكرمين. قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». قال عليه الصلاة والسلام: «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». وقال عليه الصلاة والسلام كما في مسلم من حديث عبد الله بن سلام وهو أول حديث سمعه عبد الله بن سلام من النبي عليه الصلاة والسلام: «أطعموا الطعام وأفشوا السلام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا جنة ربكم بسلام». فكان عليه الصلاة والسلام يحث على الإكرام عليه الصلاة والسلام بفعله وقوله عليه الصلاة والسلام وإقراره. وهكذا كان أصحابه رضوان الله عليهم. وهكذا الأنبياء، الأنبياء جميعا كلهم كانوا على كرم عظيم وعلى إكرام عظيم. والصحابة رضي الله تعالى عنهم كذلك كانوا كلهم على هذا الخلق العظيم خلق الكرم والإكرام. لكن حسبنا أن نذكر بعض النماذج عنهم. فهذا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه كان متصفا بالكرم غاية الاتصاف. فقد جاء في الصحيح حين خرج رضي الله تعالى عنه من مكة فلقيه ابن الدغنة فقال له: «إلى أين أنت يا أبا بكر؟ إلى أين ذاهب أنت يا أبا بكر؟» فقال: «أريد أن أسيح في أرض الله أتعبد ربي جل وعلا». لأن قومه قد أخرجوه. فقال له ابن الدغنة: «مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثلك يا أبا بكر لا يخرج. إنك لا تصل الرحم وتقرئ الضيف وتحمل الكل». فذكر هذه الأوصاف العظيمة أن اتصف بها أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ومنها الإكرام. فكان على كرم عظيم. وسمعتم الآية: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾. قيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهكذا من النماذج في صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام الدال على كرمهم وإكرامهم هذا أبو طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وزوجته كذلك في ذلك المثل العظيم الذي ضربوه. وهو من أروع النماذج وأروع الأمثلة في الإيثار والكرم. كما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن رجلا جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «يا رسول الله إني مجهود». يعني: كان به الجوع والتعب وغير ذلك. فأرسل النبي عليه الصلاة والسلام إلى بعض أزواجه: «هل عندكم من طعام؟» فجاء الخبر عن بعض أزواجه عليه الصلاة والسلام: «ليس معنا شيء إلا الماء». ثم أرسل النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيت آخر، وكان الجواب نفسه: «ليس عندنا إلا الماء». وهكذا إلى بيت آخر والجواب نفسه: «ليس عندنا إلا الماء». أبيات رسول الله عليه الصلاة والسلام ليس فيها طعام وإنما يوجد فيها الماء. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من يضيف هذا الليلة رحمه الله؟» فقام رجل قد جاء مصرحا عند مسلم أنه أبو طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقال: «أنا يا رسول الله». فذهب به إلى بيته. فقال لزوجته: «هل عندك من طعام؟» قالت: «لا إلا طعام صبياننا». ما عندهم إلا طعام الصبيان. فقال لها رضي الله تعالى عنه: «ألهيهم حتى يناموا». وقال لها: «إذا جاء الضيف وقربت الطعام قومي إلى السراج وأريه أنك تصلحيه فأطفئيه وأريه أننا نأكل». فدخل بهذا الضيف. ففعلت زوجته رضي الله تعالى عنها ما قال لها. قامت إلى السراج توهم أنها تصلحه فأطفأته. فجلس وأراه يا الضيف أنهما يأكلان ولا يأكلان. فأكل الضيف فنام. رضي الله تعالى عنهما مع الجوع الذي كان بهما. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أخبرهما النبي عليه الصلاة والسلام أن الله جل وعلا قد عجب. أن الله جل وعلا قد عجب من صنيعهما مع ضيفهما الليلة. يعني: مما فعلاه من هذا الإيثار الكريم مع هذا الضيف. فهذا من أعظم النماذج في الإكرام. وهكذا كذلك في الصحيح رجل من الأنصار كذلك النبي عليه الصلاة والسلام. كما جاء في الصحيح خرج أبو بكر رضي الله تعالى عنه من بيته وخرج عمر فلقيهما وخرج النبي عليه الصلاة والسلام من بيته فلقي أبا بكر وعمر. فقال لهما: «ما أخرجكما؟ ما أخرجكما من بيوتكما؟» فقال: «يا رسول الله الجوع». فقال: «والذي نفسي بيده ما أخرجكما إلا الجوع». قال: «وأنت ما أخرجك؟» قال: «الذي أخرجكما». أي: الجوع كذلك أخرج النبي عليه الصلاة والسلام. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «تعالوا». وذهب بهم عليه الصلاة والسلام إلى بيت رجل من الأنصار. فسأل عنه فلم يجده. فقالت زوجته: «مرحبا وأهلا». مرحبا وأهلا. فسأل عن زوجها. قالت: «ذهب يستعدب لنا الماء». ذهب يستعدب لنا الماء. يعني: يبحث عن الماء العذب لنا. فجاء زوجها هذا الأنصاري رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام وأبا بكر وعمر قال: «والله ليس هناك أحد أكرم مني أضيافا اليوم». ليس هناك أحد أكرم مني أضيافا اليوم. فذهب وأتى لهم بعذق فيه بسر وتمر. فأعطاهم ذلك. وأخذ المدية رضي الله تعالى عنه. أي: السكين. فقال له النبي عليه السلام: «إياك والحلوب». انتبه لا تذبح الحلوب. الحلوب بها لبن. فذلك الأنصاري رضي الله تعالى عنه ذبح لأضيافه الكرام وأكرمهم غاية الإكرام. وهذا كذلك جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه كما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: «كنت ألزم النبي صلى الله عليه وسلم لشبع بطني». حين كنت لا آكل الخبز النضيج ولا ألبس الحرير. ولا يخدمني فلان ولا فلانة. وكنت ألصق بطني بالحصبة. وكنت أستقرئ الرجل الآية وهي معي كي يطعمني. كي يأخذني به إلى بيته ويطعمني. قال: «وليس هناك أحد خير للمساكين من جعفر بن أبي طالب». فكان يأخذنا إلى بيته ويطعمنا من بيته الطعام. حتى كان يخرج لنا العكة. والعكة هي إناء من جلد يوضع فيه السمن. لا شيء فيها. قال: «حتى كان يخرج لنا العكة وليس فيها شيء». فنشقها فنلعقها. الشاهد ذكر إكرام جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهكذا النماذج كثيرة في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدال على كرمهم وإكرامهم لمن أكرمه الله سبحانه وتعالى. فلذلك عليك عبد الله أن تتصف بصفة الكرم وأن تبتعد عن البخل وعن الشح وعن هذه الأخلاق السيئة. فمن مقتضى تعبدك لله جل وعلا وإيمانك باسم الله جل وعلا الكريم الأكرم أن تكون كريما. أن تكون كريما. ورحم الله القحطاني حيث يقول في نونيته: «واضحك لضيفك حين ينزل رحله إن الكريم يسر بالضيفاني». فالكريم هو الذي يسر بالضيوف إذا نزلوا عنده. أما والعياذ بالله البخيل والشحيح فربما يظهر على وجهه عدم الفرح وعدم البشاشة وعدم السرور. ليس هذا من خلق أهل الإسلام. ولو ليس معك شيء ما يسرك الله سبحانه وتعالى. لكن تظهر الفرح والسرور. فهذا هو خلق الكرام. ورحم الله القائل: «على قدر أهل الكرام تأتي المكارم وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم وعلى قدر الكرام تأتي المكارم». وتعظم في عين الصغير صغارها. وتصغر في عين العظيم العظائم. الذي هو على خلق عظيم وعلى كرم وإكرام. فإن الكبير يكون عنده صغيرا وسهلا ويسيرا. وذلك البخيل الشحيح عنده الصغير عظيم. وذلك لشح نفسه وبخلها والعياذ بالله. فهذا خلاصة ما يذكر عند اسم الله جل وعلا الأكرم. بقي الدقائق نلخص فيها كذلك ما تقدم معنا. نقول: اسم الله جل وعلا الأكرم جاء في كتاب الله جل وعلا في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾. وهكذا دلت الأدلة الكثيرة على اتصافه جل وعلا بذي الجلال والإكرام. كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. ومعنى هذا الاسم كما سمعتم يدل على معاني عظيمة: كثير الخير، دائم العطاء، كثير الجود والإحسان، الذي يعطي من غير عوض، الذي يعطي من يحتاج ومن لا يحتاج. المنزه عن النقائص والآفات، الذي يتجاوز عن الذنوب والسيئات، وغيرها من المعاني العظيمة. يدل على عظم هذا الاسم لاتصافه بهذه الصفات العظيمة. ولذلك سمى الله جل وعلا نفسه بالكريم والأكرم وبدي الجلال والإكرام. وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا سلم من صلاته كما في مسلم عن ثوبان رضي الله تعالى عنه كان يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام». وسمع النبي عليه الصلاة والسلام رجلا يدعو كما جاء في المسند عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. كان يقول هذا الرجل في صلاته يدعو بقوله: «اللهم أنت المنان يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد دعا باسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى». وصف وجهه جل وعلا بهذا الوصف العظيم: ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. وصف أنبياءه وصف رسله وصف عرشه بهذا الوصف العظيم. وصف رزقه بالكريم. وصف أجره وثوابه بالكريم. وصف مدخله الذي دخله عباده ومنه النعيم العظيم في جنات النعيم بأنه مدخل كريم. وهكذا مما وصف ربنا سبحانه وتعالى به أفضل خلقه وأشرف خلقه بهذه الأوصاف العظيمة. وهذا الاسم العظيم الأكرم وهو اسم من أسماء الله الموصوف بالكرم. كرمه جل وعلا لا يعد ولا يحصى. فمن أعظم كرمه خلقه جل وعلا لعباده وهدايته ورزقه سبحانه وتعالى وحفظه وكلاءته جل وعلا وتعليمه لعباده سبحانه وتعالى بأنواع العلوم. ثم بعد ذلك يعلم العبد مقتضيات هذا الاسم ويأتي بها ويتعبد الرب جل وعلا بمقتضاها. بأن يسأله وحده سبحانه وتعالى وأن يشكر نعمه ولا يكفر هذه النعم. وهكذا أن يكرم من أكرمه الله ويهين من أهانه الله ويتصف بصفة الكرم ويدعو الله سبحانه وتعالى بالأخلاق الطيبة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده المكرمين المكرمين الذين أكرمهم الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة. نسأل جل وعلا أن يكرمنا وأن يوفقنا لكل خير. وإلى اسم آخر نسمي الله الحسن في درس لاحق إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.