شرح أسماء الله الحسنى 60

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 60، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

معنى اسم الله الوارث ومقتضياته

اسم الله الوارث يعني الباقي بعد فناء الخلق، والإيمان به يحذر من الاغترار بالدنيا ويقتضي إخراج الزكاة. هذا الاسم يحث على التفكر في فناء الدنيا والاستعداد للآخرة.

تحقيق الإرث بالتقوى والاستعانة بالله

الإرث في الإسلام يتحقق بالتقوى والاستعانة بالله، ويتمثل في وراثة جنة الله في الدنيا والآخرة. الإنفاق في سبيل الله واجب لأن الأموال ميراث من الله.

صفات الوارثين و ميراث النبي

المتقون يرثون جنة الله بتحقيق الإيمان والعمل الصالح، وميراث النبي هو العلم الشرعي الذي ينتشر في بيوت الله. هذا الميراث يحقق الهداية للوارثين.

الدعاء باسم الله الوارث والثناء عليه

يتضمن الدعاء إلى الله بأن يجعل الداعي من الوارثين في الدنيا والآخرة، ويجمعه مع الصالحين. كما يعبر عن الثناء على الله وحمده على نعمه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاهم، بعد ذلك، من أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى في كتابه «القواعد المثلى» اسم الله جل وعلا الوارث. فالوارث من أسماء الله جل وعلا الحسنى التي عدها طائفة من أهل العلم، ومنهم هنا الشيخ رحمه الله، وأسند لإسم الله جل وعلا الوارث بآيات من كتابه العزيز في قوله جل وعلا: ﴿وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون﴾، وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين﴾، فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه، إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين. وهكذا في قوله جل وعلا: ﴿وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين﴾. ففي هذه الآيات الثلاث ذكر اسم الله الوارث بصيغة الجمع، فلم يرد هذا الاسم إلا بصيغة الجمع: «خير الوارثين، نحن الوارثون، وكنا نحن الوارثين». فاستجلى أهل العلم من هذه الآيات هذا الاسم لله جل وعلا، وهو اسم الله جل وعلا الوارث. ومعنى هذا الاسم الوارث، أي الباقي بعد فناء الخلق. فمعنى الوارث، أي الباقي بعد فناء الخلق، فهو جل وعلا الوارث الذي يرث الأرض ومن عليها. ﴿إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون﴾. فالله جل وعلا هو يرث الخلق جميعا، يرث السماوات ويرث الأراضين ويرث العباد ويرث سائر المخلوقات. فسائر المخلوقات تهلك، ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾، كل المخلوقات تنتهي وترحل وتفنى، ولا يبقى إلا الخالق جل وعلا الذي يرث الخلق سبحانه وتعالى، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾. فمعنى اسم الله جل وعلا الوارث، أي الباقي بعد فناء الخلق. فالخلق يفنى ولا يبقى إلا الوارث جل وعلا الذي يرث خلقه سبحانه وتعالى. ومن مقتضى الإيمان والتعبد لله جل وعلا باسمه الوارث أن يحذر الإنسان من الاقترار بالخلود في هذه الدنيا، فلا خلود في هذه الدنيا، وهذه الدنيا ليست بدار خلود، والعبد فيها لا يخلد. لو كان أحد سيخلد في هذه الدنيا لخلد الأنبياء والرسل، وذلك كما قال أهل العلم: «لو أن فيها خلودا لخلد الرسل». أي لو أن في هذه الدنيا خلود لأحد، كان للرسل لأنهم صفوة البشر ولأنهم أفضل الخلق. ومع هذا انتقلوا إلى ربهم جل وعلا. ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفئم ميت فهم الخالدون﴾. لا أحد يخلد في هذه الدنيا، فلذلك إذا آمن العبد بأن الله جل وعلا هو الوارث سبحانه وتعالى وأنه الباقي جل وعلا، فمعنى ذلك لا خلود لأحد. فإذا لا تغتر يا عبد الله، يا من آمنت بأن الله هو الوارث وأنه جل وعلا هو الذي يبقى ويفنى خلقه، فعليك ألا تغتر بالخلود في هذه الدنيا. فلا تغرك أموالك، ولا يغرك سلطانك، ولا يغرك شيء من حطام هذه الدنيا الفاني الزائل. فتغتر، ولذلك حذر الله جل وعلا الذين أخلدوا في هذه الدنيا وأخلدوا في الأرض واغتروا بأموالهم وظنوا أن أموالهم ستخلدهم في هذه الدنيا، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ويل لكل همزة لمزة الذي جمع ماله وعدده يحسب أن ماله أخلده﴾. حسب أن هذا المال الذي معه سيجعله مخلدا في هذه الدنيا، ولا خلود في هذه الدنيا. وهكذا قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض﴾، أي ظن الخلود في الأرض وركن إلى هذه الدنيا. فدمر الله جل وعلا كل من أخلد إلى الأرض وإلى الدنيا واغتر بماله أو بغير ذلك من حطام الدنيا. فالعبد لا يغتر بالخلود في هذه الدنيا، ولا يظن أنه سيخلد في هذه الدنيا، ولو عمر عمر نوح عليه الصلاة والسلام. ولن يعمر، ولو عمر عمر نوح عليه الصلاة والسلام. ولن يعمر، فإنه سيرحل من هذه الدنيا. ومن مقتضى التعبد والإيمان لله جل وعلا باسمه الوارث سبحانه وتعالى أن يخرج العبد من ميراث الله جل وعلا فيخرج زكاة أمواله. فهذه الأموال التي عندك يا عبد الله من إبل أو بقر أو غنم أو ذهب أو فضة أو غير ذلك، هذه إنما هي ميراث الله، ميراث الوارث جل وعلا. فالله جل وعلا هو الوارث لها، وهي ملكه جل وعلا. ورثك الله جل وعلا إياها، الوارث جل وعلا ورث عباده هذه الأموال في هذه الدنيا، وورثهم هذه المواريث التي ورثوها من آبائهم وأجدادهم، وأمرهم أن يعرفوا حق الله جل وعلا فيها بإخراج ما فرض الله جل وعلا عليهم. فلذلك من آمن بأن الله جل وعلا هو الوارث حقا، فإنه يعلم أن ما عنده من ميراث إنما ورثه الوارث جل وعلا إياها. وهذا يقتضي أن يستجيب لأمر الوارث جل وعلا بإخراج هذه الأموال في أماكنها، وأن لا يعبث بهذه الأموال، وأن يرعى حق الله جل وعلا فيها، وأن يتصرف فيها كما أمر الشرع. ولذلك جل وعلا حذر الذين يبخلون ولا ينفقون أموالهم في سبيل الله، قال سبحانه وتعالى: ﴿وما لهم أن لا ينفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض﴾. ومعنى الآية: كيف بهؤلاء أن لا ينفقوا في سبيل الله؟ بل هذا أمر واجب أن ينفقوا في سبيل الله، لأن هذه الأموال هي ميراث الله، بل السماوات والأرض هي ميراث لله جل وعلا. ومن مقتضى الإيمان والتعبد لله جل وعلا باسمه الوارث سبحانه وتعالى أن يسعى العبد في تحصيل هذا الميراث، في تحصيل هذا الميراث من الله جل وعلا. ولا يحصل ميراث الله جل وعلا إلا لعباد الله جل وعلا المتقين. فمن كان من المتقين، فالله جل وعلا يورثه في هذه الدنيا، ويجعله من الوارثين، من الوارثين لكتاب الله جل وعلا، من الوارثين لجنة الفردوس، من الوارثين كذلك للعلم والحكمة. فمن كان تقيا ورثه الله جل وعلا في هذه الدنيا، وورثه الجنة يوم القيامة. وهكذا الله جل وعلا يورث كتابه من اصطفى من عباده، وذلك كما قال موسى عليه الصلاة والسلام لقومه، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قال يا قوم استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾. فأمرهم بماذا؟ أمرهم بالاستعانة بالله جل وعلا، وأمرهم بالصبر، لأن الاستعانة بالله جل وعلا والصبر هي من أعظم أسباب تحصيل ميراث الوارث جل وعلا في هذه الدنيا، لأن العاقبة للتقوى، والعاقبة للمتقين. والمتقون هم الذين استعانوا بالله جل وعلا، وهم الذين صبروا على طاعة الله، وصبروا عن معصية الله، وصبروا على أقدار الله جل وعلا، فحققوا التقوى لله جل وعلا. ولذلك ورثهم الله جل وعلا مشارق الأرض ومغاربها. انظروا كيف ورث الله جل وعلا الوارث الصحابة رضي الله تعالى عنهم مشارق الأرض ومغاربها، ملكوا مشارق الأرض وملكوا مغارب الأرض، لما حققوا التقوى لله جل وعلا، حققوا الاستجابة لأمره جل وعلا وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، فورثهم الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا المشارق والمغارب، فتحوا المشارق والمغارب، كانوا سادات الناس، كانوا بدلا من أن كانوا رعاة للإبل والبقر والغنم، كانوا رعاة للبشرية، فقادوا البشرية في مشارق الأرض ومغاربها، وخططوا لها المناهج التي كانت سببا في سلامتهم من الفتن، وكانت سببا في سلامتهم من الهلاك، وذلك بتوفيق الله جل وعلا لهم، لأنهم كانوا من المحققين لتقوى الله جل وعلا، ومن المستجيبين لأمره عزاء عز وجل وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك من أسباب تحصيل ميراث الوارث جل وعلا في هذه الدنيا أن يكون العبد على توسل لله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى. ومن تلك الأسماء اسمه جل وعلا الوارث. فالوارث جل وعلا يحب من عباده أن يتوسلوا إليه باسمه الوارث لكي يورثهم جل وعلا ما أرادوا. وانظروا إلى دعاء زكريا عليه الصلاة والسلام. فزكريا عليه الصلاة والسلام توسل باسم الله جل وعلا الوارث لأنه أراد ماذا؟ أراد من الوارث جل وعلا أن يجعل له ولدا يرثه ويرثه من آل يعقوب، وأن يجعله ربه رضيا. ولذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وزكريا إذ نادى ربه ربي لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين﴾. ماذا يريد بقوله: «وأنت خير الوارثين»؟ يريد إرثا من الله جل وعلا الوارث. ما هو الإرث الذي يريد أن يرثه؟ أن يرثه عليه الصلاة والسلام أن يجعل له ولدا، كما في قوله جل وعلا على لسان نبيه زكريا في الآية الأخرى: ﴿فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربي رضيا﴾. فإذن كان من دعائه أن توسل باسمه جل وعلا الوارث في طلب من يرثه ويكون خلفا من بعده. وهكذا سليمان عليه الصلاة والسلام، ورثه الوارث جل وعلا داود، وورث سليمان داودا. لكن ما هو هذا الوارث الذي طلبه الأنبياء، والذي طلبه الصالحون من الوارث جل وعلا؟ أتظنون أنها الأموال؟ لا، ما طلبوا من الوارث جل وعلا أموالا، وما طلبوا من الوارث جل وعلا دنيا، وإنما طلبوا من الوارث جل وعلا علما ونبوة. فالله جل وعلا ورث سليمان داود، ورث سليمان داود، ورث ماذا منه؟ نبوة وعلما. وهكذا كذلك يحيى، يحيى ورث من أبيه زكريا علما ونبوة. فكان أنبياء الله جل وعلا إذا دعوا الوارث جل وعلا أن يورثهم في هذه الدنيا، إنما طلبوا العلم، طلبوا الخير. وهكذا يجب على العبد المسلم إذا دعا الله جل وعلا وطلب من الله جل وعلا ميراثا، فعليه أن يطلب ميراثا ينفعه، ميراثا فيه الخير، يطلب العلم من الله جل وعلا، والحكمة والهداية والتوفيق. هذه أعظم المطال. ماذا ينفعك طلب الأموال؟ وماذا ينفعك طلب الدور والقصور؟ كل ذلك لا تدري يا عبد الله، لعلها تكون سببا في هلاكك، وسببا في بعدك عن الله جل وعلا. فكم من الناس من ورثهم الله جل وعلا أموالا ودورا وقصورا، فكان سببا في هلاكهم، ولما كانوا فقراء كانوا على طاعة، وكانوا على عبادة. وهكذا من مقتضى الإيمان والتعبد لله جل وعلا باسمه الوارث أن يحقق العبد التقوى لله جل وعلا ليورثه الوارث جل وعلا الجنة، لأن الجنة يورثها الله جل وعلا الوارث من شاء من عباده. والجنة يورثها الوارث جل وعلا المتقين، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿تلك الجنة التي نورث من نشاء من عبادنا﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿تلك الجنة للمتقين﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ونوذ أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾. فالذين اتقوا الله جل وعلا، والذين عملوا الصالحات، الله جل وعلا الوارث ورثهم جنة عرضها السماوات والأرض. تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا، فهي للمتقين. فإذا أردت يا عبد الله جنة الله جل وعلا، وأردت من الوارث جل وعلا أن يورثك هذه الجنة، فعليك بتقواه، وعليك كذلك بالإيمان، تحقيق الإيمان، وتحقيق كذلك الخشوع في الصلاة، وهكذا إخراج الزكاة، وهكذا الابتعاد عن اللغو. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون﴾. هؤلاء هم الوارثون الذين يرثون الفردوس، هم فيها خالدون. فذكر الله جل وعلا في هذه الآيات مطلع سورة المؤمنين صفات الوارثين الذين يرثون من الوارث جل وعلا الفردوس التي هي أعلى الجنان، والتي أعلى الجنة، وسط الجنة، ومنها تفجر أنهار الجنة. فهذه بعض صفات الوارثين لجنة الله جل وعلا الفردوس. وهكذا الصفات كثيرة ذكرها الله جل وعلا في كتابه، ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام. فإذا أردت يا عبد الله أن تكون من الوارثين الذين يورثهم الله جل وعلا يوم القيامة الجنة، وفي هذه الدنيا العلم والحكمة والعزة والاستخلاف، فعليك بالأخذ بأسباب تحصيل ذلك. وهكذا الله جل وعلا الوارث ورث من شاء من عباده، ومن اصطفى من عباده كتابه، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾. فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله. فإذن الله جل وعلا ورث من شاء، ومن اصطفى من عباده كتابه العظيم، ألا وهو القرآن. فورث الله جل وعلا عباده المؤمنين الذين آمنوا به جل وعلا ربا، وآمنوا برسوله عليه الصلاة والسلام نبيا، وتمسكوا بدينه سبحانه وتعالى، فكان لهم الميراث في هذه الدنيا، الميراث الحقيقي، الميراث النافع، ميراث الأنبياء. فأفضل من تحصل على ميراث هم أتباع الأنبياء. أعظم ميراث يرثه العبد في هذه الدنيا من الوارث جل وعلا هو العلم. فإذا ورثك يا عبد الله ربك سبحانه وتعالى الوارث العلم، فاعلم أنك قد ورثت أفضل ميراث. لماذا؟ لأن هذا الميراث الذي ورثته لم ترثه عن آبائك، ولم ترثه عن أجدادك، ولم ترثه عن غيرهم، وإنما ورثته عن الأنبياء، ورثة عن الأنبياء. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا». فالعلماء هم الذين يسوسون الناس بالعلم والحكمة، بهذا الميراث الذي ورثهم الله جل وعلا إياه. والأنبياء كما قال نبي عليه الصلاة والسلام: «لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم». فمن أخذ به أخذ بحظ وافر. أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه رأى الناس في السوق يبيعون ويشترون، قال: «ما لكم أيها الناس؟ أنتم في هذا المكان». قالوا: «أش معك؟» قال: «ميراث النبي عليه الصلاة والسلام يوزع في المسجد». قالوا: «ميراث النبي عليه الصلاة والسلام؟» قالوا: «نعم، ميراث النبي عليه الصلاة والسلام يوزع في المسجد». وأنتم هنا جلوس في الأسواق؟ فهرعوا إلى المسجد يجرون، ظنوا أن ميراث النبي عليه الصلاة والسلام الذي سيوزع الذهب والفضة والدولارات والأموال. لا، فلما دخلوا المسجد وجدوا حلقا، هذه حلقة قرآن، وهذا درس، نظروا يريدون أحدا أن يقسم شيئا من الذهب أو من الفضة. قال: «يا أبا هريرة، أين ميراث الرسول عليه الصلاة والسلام؟ تقول لنا ميراث النبي عليه الصلاة والسلام يوزع في المسجد، ما رأينا ميراثا يوزع». أين الميراث؟ قال: «سبحان الله، ماذا تظنون أن ميراث النبي عليه الصلاة والسلام الذي يوزع الذهب والفضة؟ هذا هو ميراث النبي عليه الصلاة والسلام». تريدون شيئا من ميراث النبي عليه الصلاة والسلام؟ فهذا هو ميراث النبي عليه الصلاة والسلام يوزع في هذه الحلقة، يوزع في هذه الحلقة، يوزع في هذه الحلقة. لكن الناس اليوم صاروا يريدون ميراث الجاه، يريدون الأموال، يريدون الذهب، يريدون الفضة. فكم في السوق من الناس؟ نعم، تقتضي الأسواق بالناس، لكن المساجد -نسأل الله العافية- السواري تشتكي، والجدر تشتكي، وربما لو نطقت لاشتكت من قلة الناس. فقلت الناس القاطنين في المساجد بين المغرب والعشاء، تجد المساجد -نسأل الله العافية والسلامة- خلية بالناس. وإنما يأتون وقت الفريضة، وقت الصلاة، وصلوا وخرجوا. المساجد لم تبن للصلاة فقط، وإنما بنيت للصلاة، ولتوزيع ميراث الرسول عليه الصلاة والسلام في كل يوم وليلة. ميراث النبي عليه السلام لا يوزع في الليل فقط، ولا يوزع في النهار فقط، وإنما ميراث النبي عليه السلام شيء عظيم، وشيء كثير، ليس بالقليل. فإذن هو يوزع في الفجر، وفي كل الساعات الأربعة وعشرين ساعة يوزع ميراث النبي عليه السلام. لكن لا يوزع في الأسواق، ولا يوزع كذلك في المقاهي، ولا يوزع كذلك هنا وهناك، وإنما يوزع في بيوت الله جل وعلا. فمن أراد ميراث النبي عليه الصلاة والسلام من الوارث جل وعلا، فعليه أن يسعى إلى بيوت الله، يتعلم فيها العلم الشرعي، ويتفقه في أحكام الشريعة، لعله ينال الميراث من الوارث جل وعلا. فنسأل الله سبحانه وتعالى الوارث في أسمائه الحسنى والصفات العلى أن يجعلنا من الوارثين في هذه الدنيا ويوم القيامة، من الوارثين للفردوس الأعلى، وأن يجمعنا بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. والحمد لله رب العالمين.