الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اسم الله الأحد يعني المتوحد والمتفرد بكل الكمالات، وهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له. يتضمن هذا الاسم صفة الأحدية ويؤكد تفرد الله بالربوبية والألوهية وأسمائه وصفاته وأفعاله.
الله جل وعلا هو الأحد المستحق للعبادة وحده، ولازم الإقرار بهذا أن يفرد بالعبادة ولا يجعل له ندا أو مثيلا في صفاته. الإيمان بأسماء الله وصفاته يمنع من التمثيل والتعطيل.
دعا الأنبياء والرسل، ومنهم نبينا محمد، إلى توحيد الله وعبادته وحده. اسم الله الأحد والواحد يدل على وحدانية الله وتفرده بالألوهية والربوبية.
هذا المقطع يمثل ختامًا للدرس حول اسم الله الأحد، حيث يلخص ما تم ذكره ويشير إلى أن هناك اسمًا آخر سيتم تناوله في درس لاحق. يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله، وحمد الله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فمن الأسماء التي ذكرها المؤلف -رحمه الله تعالى- اسم الله الأحد. فالأحد اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، وقد ورد هذا الاسم في كتاب الله جل وعلا في موضع واحد في سورة الإخلاص، في قوله جل وعلا: ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾. فهذا الاسم ذكر في هذا الموضع في كتاب الله جل وعلا، وذكر في السنة. جاء في البخاري في حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: «إن الله جل وعلا يقول: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك. فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته. وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد». فالأحد اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى. و«بلال» -رضي الله تعالى عنه- كان يعذب في رمضاء مكة، يعذبه المشركون في رمضاء مكة، وهو يقول: أحد، أحد، أحد، أحد، يذكر هذا الاسم، وهو الأحد، وهو الله جل وعلا. كان يطلبون منه أن يذكر آلهتهم «هبل»، وهو يقول: أحد، أحد، يذكر إلهه جل وعلا، وهو الله، وهو الأحد. فكان يقول: أحد، أحد. واسم الله جل وعلا الأحد يتضمن صفة الأحدية، ومعنى اسم الله جل وعلا الأحد: المتوحد، المتفرد بكل الكمالات. فهو وحده جل وعلا المتفرد بالكمال المطلق. فالكمال المطلق إنما هو له جل وعلا وحده لا شريك له، لا يشاركه أحد في أسمائه وصفاته وأفعاله سبحانه وتعالى، وجماله وجلاله، كبريائه وعظمته سبحانه وتعالى. متوحد ومتفرد بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. فهو المتفرد بالربوبية، فهو الرب وحده جل وعلا، المتفرد بأفعاله جل وعلا من ملك وخلق وتدبير ورزق وإحياء وإماتة وإجارة وإعانة وإعادة وإغاثة. فهو سبحانه وتعالى الواحد الأحد في أفعاله، لا معين له ولا شريك له ولا ظهير له ولا ند له جل وعلا. ولازم الإقرار بربوبيته جل وعلا الإقرار بألوهيته. من أقر بأن الله جل وعلا هو المتوحد بالربوبية وأنه الرب وحده ولا رب سواه، لازم ذلك أن يفرد الله جل وعلا بالألوهية وبالعبادة. ولذلك أيضا من معاني اسم الله جل وعلا الأحد: المتفرد بالألوهية، كما أنه المتوحد والمتفرد بالربوبية. فهو المتفرد والمتوحد بالألوهية، فهو جل وعلا الواحد المستحق للعبادة، المتفرد باستحقاق العبادة. فلا أحد يستحق العبادة إلا الله جل وعلا، فهو المتوحد بذلك، المتوحد باستحقاق العبادة. فلا يستحق أحد كان من كان العبادة إلا الله جل وعلا، وهو المتوحد جل وعلا في ألوهيته الذي يسأل عباده أن يعبده وحده لا شريك له، بأن يدعوه وحده، وأن يستغيث به وحده، وأن ينذر له وحده، وأن يتوكل عليه وحده، وأن يرجوه وحده، وأن يستعين به وحده، وأن يسأله وحده جل وعلا، وأن يستغيث به وحده سبحانه وتعالى، وأن ينيبوا إليه وحده، وأن يتضرعوا إليه وحده، وأن يخشعوا وأن يعظموا ربهم جل وعلا وحده سبحانه وتعالى. ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾. فالصلاة لله وحده، والنسك لله وحده، والمحيا والممات لله وحده، والدعاء والاستغاثة وسائر العبادات، كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة لا تصرف إلا لله جل وعلا وحده لا شريك له، لأنه الأحد سبحانه وتعالى. فلكونه الأحد فهو الأحد الذي يستحق أن يعبد وحده جل وعلا، المستحق للعبادة. فهذا الحق إنما هو للأحد، ليس لأحد إلا لله جل وعلا. ولذلك قال جل وعلا: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾. وقال النبي -عليه الصلاة والسلام- كما في الصحيحين لمعاذ بن جبل -رضي الله تعالى عنه-: «أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟» قال: الله ورسوله أعلم. قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا». فهو الأحد جل وعلا المستحق للعبادة وحده، فالعبادة حقه وحده، لا يشاركه في هذا الحق أحد، وإنما حقه وحده جل وعلا أن يعبد سبحانه وتعالى وأن تصرف له كل العبادات القولية والعملية من سائر الجوارح قولا وعملا واعتقادا. كل العبادات هي حق الله جل وعلا. ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. ولازم الإقرار باللهية أن يفرد الرب جل وعلا بالعبادة. فمن صرف العبادة لغير الله جل وعلا ولو عبادة واحدة لم يأت بتوحيد اللهية، ولم يقر بأن الله جل وعلا هو الأحد، وإن قال هذا مئات المرات وآلاف المرات. إذا قال: الله هو الأحد، إذا كان يقرأ دائما: ﴿قل هو الله أحد﴾ في صلواته، ولكن هو يصرف عبادة لغير الله، فلم يقر بأن الله أحد حقا. لو أقر حقا بأن الله أحد في قوله: ﴿قل هو الله أحد﴾ لعلم أنه الأحد الذي يستحق العبادة وحده، فلا يستحق ذلك أحد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي ولا صالح من الصالحين، بل الله جل وعلا هو المستحق للعبادة وحده سبحانه وتعالى. وهو الأحد جل وعلا في أسمائه وصفاته، فهو المتفرد بالأسماء الحسنى والصفات العلى، المتفرد بالكمال سبحانه وتعالى، المنزه عن كل نقص وعيب جل وعلا. فله المثل الأعلى سبحانه وتعالى، ولله المثل الأعلى الذي هو الوصف الأكمل والحسن الذي بلغ المنتهى الذي لا كمال بعده. بل له جل وعلا الكمال المطلق من كل الوجوه، فله الكمال المطلق في أسمائه وصفاته وأفعاله وصفاته سبحانه وتعالى. ولازم الإقرار بأن الله جل وعلا هو الأحد في أسمائه وصفاته أن لا يجعل له الند ولا المثيل ولا النظير ولا المساوي. ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. فلا تجعل لله أندادا. ﴿هل تعلم له سميا﴾. ﴿لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾. ولازم هذا أن لا يجعل المخلوق لله جل وعلا مثيلا في صفاته سبحانه وتعالى. فلا يجعل صفات الخالق كصفات المخلوقين. هذا ما أقر بأن الله جل وعلا هو الأحد. بأنه لا أقر بأن الله جل وعلا هو الأحد. كيف بعد ذلك يجعل صفات الخالق كصفات المخلوقين؟ كيف يجعل صفات الخالق كصفات المخلوقين؟ هذا ما أقر حقا بأن الله جل وعلا هو الأحد. وهكذا كذلك من عطل أسماء الله جل وعلا وعطل صفات رب العالمين سبحانه وتعالى لم يقر حقا بأن الله جل وعلا هو الأحد. وإلا لو أقر حقا بأن الله جل وعلا هو الأحد ما عطل. لماذا عطل الرب جل وعلا عن أسمائه وصفاته؟ أو عطل الرب جل وعلا عن صفاته؟ إنما لتوهم التمثيل والتكييف. لكن من كانت عنده عقيدة راسخة، عقيدة عن إيمان جازم لا شك فيه ولا ريب، يعلم أن الله جل وعلا هو الأحد المتفرد والمتوحد بأسمائه وصفاته، فإنه لا يقع في التعطيل، لا يقع في التمثيل. لماذا؟ لأن الله أحد، فكيف يوجد له مماثل له في أسمائه أو في صفاته؟ وما عطل وما مثل. ولكن للضعف، الضعف في الإيمان بأسماء الله جل وعلا وصفاته، وفهم معانيها التي تقتضيها هذه الأسماء الحسنى لله جل وعلا من إثبات وحدانيته سبحانه وتعالى وانفراده جل وعلا بأسمائه وصفاته. وإلا لو كانت هذه العقيدة، ولو كان هذا العلم بأسماء الله جل وعلا وصفاته عن إيمان عظيم ويقين قوي، لما حصل التخبط من هؤلاء: أهل التمثيل وأهل التعطيل، الذين منهم من مثل ومنهم من عطل ومنهم من حرف. فأهل السنة والجماعة هم أعظم من علموا أسماء الله جل وعلا وعلموا معانيها ومقتضياتها. فلذلك لم يمثلوا؛ لأنهم اعتقدوا حقا أن الله هو الأحد، ولم يعطلوا؛ لأنهم اعتقدوا اعتقادا جازما أنه جل وعلا الأحد في أسمائه وصفاته. وهكذا لم يحرفوا. وإنما يقع الخلل في هذا الباب بقدر الخلل في الإيمان بأسماء الله جل وعلا وصفاته وما تقتضيه، والجهل كذلك بمعاني هذه الأسماء العظيمة لله سبحانه وتعالى. فاسم الله جل وعلا الأحد معناه: المتوحد، المتفرد جل وعلا بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. وهكذا سبحانه وتعالى هو المتفرد بكل كمال. فالكمال المطلق إنما له جل وعلا وحده لا شريك له. وهذا الاسم: اسم الله الأحد، لم يأت في القرآن في الإثبات إلا لله جل وعلا، لم يطلق في الإثبات إلا على الله جل وعلا. ﴿قل هو الله أحد﴾. وإنما ذكر في كتاب الله جل وعلا لغير الله جل وعلا أطلق على غير الله جل وعلا بالنفي، بالنفي الصريح أو المتضمن النفي. ماذا الذي هو متضمن؟ فمثلا في الاستفهام، قال جل وعلا: ﴿هل يراكم من أحد﴾؟ وهو متضمن للنفي. وهكذا في الشرط، في قوله جل وعلا: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾. وأما في النفي الصريح، ففي قوله جل وعلا: ﴿لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾. أما في الإثبات إنما أطلق على الله جل وعلا. ولذلك لا يجوز أن يسمى أحد بهذا الاسم، لا يجوز أن يتسمى المخلوق بهذا الاسم. إنما هذا الاسم لله سبحانه وتعالى، وهو اسمه جل وعلا الأحد؛ لأن الله جل وعلا إنما أطلقه على نفسه سبحانه وتعالى بصيغة الإثبات، ولم يطلقه على غيره جل وعلا بصيغة الإثبات، وإنما أطلق على غير الله جل وعلا بصيغة النفي الصريح أو بصيغة تتضمن النفي، بصيغة تتضمن النفي كالاستفهام والشرط. وهكذا في النفي الصريح. ومن أسماء الله جل وعلا الذي هو بمعنى هذا الاسم اسمه جل وعلا الواحد. فاسم الله جل وعلا الواحد بمعنى اسم الله جل وعلا الأحد. فالواحد من أسماء الله جل وعلا يتضمن صفة الوحدانية، والأحد يتضمن صفة الأحدية، والمعنى واحد. فاسم الله جل وعلا الواحد بمعنى اسم الله جل وعلا الأحد، أي: المتوحد سبحانه وتعالى في كل شيء. فهو الواحد جل وعلا في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. واسم الله جل وعلا الواحد ذكر في مواضع من كتاب الله جل وعلا، منها قوله جل وعلا في سورة يوسف: ﴿أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾. وقال جل وعلا أيضا في كتابه الكريم: ﴿وبرزوا لله الواحد القهار﴾. وقال جل وعلا: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾. وقال جل وعلا: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾. وقال جل وعلا: ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾. وهكذا في مواضع في كتاب رب العالمين جل وعلا ذكر سبحانه وتعالى هذا الاسم. فتحصل عندنا أن من أسماء الله جل وعلا الأحد، وبمعناه كذلك اسم الله جل وعلا الواحد، وهما اسمان دالان على وحدانية الرب جل وعلا في كل شيء. فله الكمال المطلق وحده، وله سبحانه وتعالى الأسماء الحسنى والصفات العلى. والنبي -عليه الصلاة والسلام- كان يدعو إلى ذلك -عليه الصلاة والسلام-، بل دعوات الأنبياء والرسل كانت لأجل هذا. فما من نبي أرسله الله جل وعلا إلى قومه إلا وهو يدعو إلى وحدانيته سبحانه وتعالى. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾. وقال جل وعلا: ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾. وقال جل وعلا: ﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾. فما من نبي أرسله الله جل وعلا إلا وهو يدعو إلى وحدانيته جل وعلا. وهكذا نبينا -عليه الصلاة والسلام- كان يقول: «قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا». وكان يدعو -عليه الصلاة والسلام- إلى ذلك بقوله وفعله. فكان -عليه الصلاة والسلام- إذا خطب فإذا وصل عند كلمة التوحيد وعند الشهادة كان يرفع إصبعه -عليه الصلاة والسلام. يرفع إصبعه -عليه الصلاة والسلام- إشارة منه -عليه الصلاة والسلام- بقوله وفعله إلى وحدانية الرب جل وعلا. ولما رأى رجلا في التشهد كان قد أشار بإصبعين، قال له -عليه الصلاة والسلام-: «أحد، أحد». وكل ذلك من الدعوة إلى وحدانية الله جل وعلا بالقول والفعل منه -عليه الصلاة والسلام-. فإذا يا عبد الله إذا أيقنت بأن الله جل وعلا هو الأحد وهو الواحد، فعليك أن توحد جميع عباداتك وتجعلها لله جل وعلا وحده لا شريك له. فلواحد كن واحدا. أعني سبيل الحق والتبيان، كما قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-. هذا خلاصة ما يذكر في ذكر هذا الاسم من أسماء الله الأحد. وإلى اسم آخر من أسماء الله جل وعلا في درس لاحق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.