الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 28، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المقطع الأول يتناول اسم الله الخبير، حيث يشرح معناه وتفسيره ووروده في القرآن الكريم. يُفسر الاسم بأنه الذي أحاط علمه بالبواطن والخفايا ودقائق الأمور.
يشرح المقتضيات الأولية للإيمان باسم الله الخبير، وهي التسليم لخبر الخبير، وإفراد الخبير بعلم الغيب، والتحاكم لشرع الخبير. يتطلب الإيمان الجزم بخبره وعدم الشك أو التردد.
يتحدث عن مقتضيات إضافية للإيمان باسم الله الخبير، مثل الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله، الرضا بقسمة الله، إثبات الكمالات لله، وتنزيهه عن النقص، ومراقبة النفس، والعدل في الأقوال والأفعال.
يُبين أهمية الدعاء باسم الله الخبير لإصلاح الظاهر والباطن والعون على النفس، ويشير إلى أهمية التقوى في الميزان الإلهي. يُدعو الله لإصلاح العباد وفتح خزائنه لهم.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها المؤلف -رحمه الله تعالى- اسم الله الخبير. فالخبير اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، وقد ورد هذا الاسم -اسم الله جل وعلا الخبير- في مواضع كثيرة في كتاب الله جل وعلا، ورد في ما يقارب بضع وأربعين موضعا في كتاب الله جل وعلا، تارة مفردا وتارة مقرونا بغيره. ففي كتاب الله جل وعلا قوله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. وهكذا قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. وقال جل وعلا: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. والآيات كثيرة التي ذكر ربنا جل وعلا فيها اسمه الخبير مفردا، وذكر اسم الله الخبير مقرونا بغيره. فقرن الله جل وعلا اسمه الخبير باسمه اللطيف، باسمه اللطيف في مواضع، منها قوله جل وعلا في كتابه الكريم على لسان لقمان وهو يعظ ابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. وقال جل وعلا: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. فقرن جل وعلا اسمه الخبير باسمه اللطيف، فهو سبحانه وتعالى اللطيف الخبير، فهو الخبير اللطيف جل وعلا. وقرن جل وعلا اسمه الخبير باسمه البصير، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. إنه كان بعباده خبيرا بصيرا. وهكذا قال جل وعلا في كتابه الكريم، وفيه اقتران اسم الله جل وعلا الخبير باسمه البصير: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾. قال جل وعلا: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. فمواضع في كتاب الله جل وعلا قرن الله جل وعلا اسمه الخبير بالبصير، فهو سبحانه وتعالى الخبير البصير. وهكذا قرن الله جل وعلا اسمه الخبير باسمه الحكيم، فمن ذلك قوله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾. قوله جل وعلا: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾. قال جل وعلا: ﴿أَلْفَ لَامِرَأَةٍ كِتَابًا أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. فقرن الله جل وعلا اسمه الخبير باسمه الحكيم، فهو سبحانه وتعالى الخبير الحكيم، فخبرته عن لطف، وخبرته عن بصر، وخبرته عن حكمة. وهكذا قرن الله جل وعلا اسمه الخبير باسمه العليم في مواضع من كتابه جل وعلا، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾. وهكذا قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَلَحَكَمٍ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾. وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. فقرن الله جل وعلا اسمه الخبير باسمه العليم، فهو سبحانه وتعالى الخبير العليم، فهو خبير عن علم سبحانه وتعالى، وله الخبرة الكاملة المطلقة جل وعلا. وهكذا ذكر الخبير كذلك مفردا، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾. ومعنى اسم الله جل وعلا الخبير، يقول ابن قيم -رحمه الله تعالى- كما في نونيته: «هُوَ الْخَبِيرُ بِعَبْدِهِ وَلِعَبْدِهِ فِي ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ اللَّطِيفِ». في ذكر اسم الله اللطيف، وبين أن من معاني اسم الله اللطيف الخبير، ذكر للطيف معنيين، واحد هذين المعنيين أن اللطيف يأتي بمعنى الخبير، ثم بين معنى، قال -رحمه الله تعالى- في نونيته: «وَهُوَ اللَّطِيفُ لِعَبْدِهِ وَبِعَبْدِهِ وَاللُّطْفُ فِي أَوْصَافِهِ نَوْعَانِ إِدْرَاكُ أَسْرَارِ الْأُمُورِ بِخِبْرَةٍ وَاللُّطْفُ عِنْدَ مَوَاقِعِ الْإِحْسَانِ فَيُرِيكَ عِزَّتَهُ وَيُبْدِي لُطْفَهُ وَالْعَبْدُ فِي الْغَفَلَاتِ عَنْ ذَا الشَّانِي». فذكر -رحمه الله تعالى- معنيين لإسم الله اللطيف، أحدهما هذين المعنيين إنه بمعنى الخبير، وهو الذي يدرك أسرار الأمور، وخفايا الأمور، ودقائق الأمور. فإذا الخبير هو الذي يحاط علمه جل وعلا بالخفايا، وبالخبايا، وبالبواطن، لا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى. وقد جاء تفسير الخبير بهذه المعاني عن السلف، جاء عن مجاهد، وعن السدي وغيرهما من السلف الصالح عند بعض آيات الله جل وعلا التي ذكر فيها إسم الله الخبير، بأنه الذي يحاط علمه بالبواطن فضلا عن الظواهر. فالخبير هو الذي أحاط علمه بالبواطن، علم دقائق الأمور، وخفايا الأمور، علم الإسرار والإعلان، علم الممكنات والمستحيلات والواجبات، الحاضر والماضي والمستقبل، لا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى. ومثل هذا ذكر السعدي -رحمه الله تعالى- كما في شرحه لإسم الله اللطيف، ذكر المعنيين الذين ذكرهما ابن القيم -رحمه الله تعالى-، ثم أشار إلى أحد معاني اللطيف وهو الخبير، وبين أن معنى إسم الله الخبير الذي أحاط علمه ببواطن الأمور ودقائقها وخفاياها، فلا يخفى عنه شيء جل وعلا. واسم الله جل وعلا الخبير اسم عظيم، وهذا الاسم قد تضمن وصف الخبرة، فالله جل وعلا الخبير صاحب الخبرة الكاملة المطلقة، وهذا الاسم -اسم الله جل وعلا الخبير- له مقتضيات. فمن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا الخبير أن يجزم الإنسان، يكون عنده الجزم والإذعان والتسليم لخبر الخبير، الإذعان والجزم والتسليم لخبر الخبير. إذا آمنت يا عبد الله وآمنت حقا بأن الله جل وعلا هو الخبير، فمن لازم هذا أن تجزم بخبر الخبير، لا يكون عندك الشك ولا الامتراء ولا التردد، لماذا؟ لأن الذي أخبر بهذا الخبير سبحانه وتعالى الذي خبره عن علم وحكمة وبصر جل وعلا. ولذلك قال السعدي -رحمه الله تعالى- عند قوله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. قال السعدي -رحمه الله تعالى-: يعني نفسه، أي لا يخبرك بمثل هذا إلا الخبير، وهو الرب سبحانه وتعالى. وقال -رحمه الله تعالى-: أي أن الخبير سبحانه وتعالى أخبر عن هذا الأمر، فعليك أن تجعله كأنه رآه، عليك أن تجعله كأنه رآه، كأنك ترى ذلك، ليس فقط أنك سمعته أو علمته، لا، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، أي بهذا الحال الواقع من هؤلاء الذين يدعون هذه الآلهة ويزعمون أنها تستجيب لهم، والحقيقة أنها لا تملك ولا هذا الشيء، الحقيق وهو القتمير الذي هو اللفافة التي تكون على نواة التمر، وأنهم يوم قيام يكفرون بشرككم، عليك أن تجعل هذا الأمر كأنه رآه. قال كعب -رحمه الله تعالى- كما في تفسير ابن كثير: «﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ قال: يعني نفسه الكريمة سبحانه وتعالى، أي أنه أخبر عن الواقع لا محالة، أي أنه أخبر عن الواقع لا محالة، أي إن رجل لو أخبر عن هذا الواقع الحق لا محالة، فالواجب الجزم بذلك». وللأسف هل سلم الناس للخبير جل وعلا بهذا؟ لا، فهناك من يزعم أن من يدعوه من دون الله جل وعلا يستجيب له، وأنه يسمعه وأنه يلبي الحاجات له والطلبات، فأين التسليم لخبر الخبير الذي قال: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾؟ وهو القائل جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾. قال جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾. آيات واضحات صريحات أن من يدعى من دون الله جل وعلا لا يسمع، وفضلا أنه تنزلا لو سمع ما استجاب، ويوم القيامة يكفر بهذه العبادة المصرفة له من دعاء من دعاه، واستغاثة من استغاث به، ولجأ إليه، لكن أين التسليم لخبر الخبير؟ أين التسليم لخبر الخبير يا من آمنت بأن الله جل وعلا الخبير؟ ثم أنت تخالف في مثل هذا الخبر العظيم الذي هو واضح بيِّن صريح، من أن من تدعو لا يسمع، ولا يستجيب لك، لو فضلا سمع، ويوم القيامة يكفر بشركك وبعبادتك المصروفة له. وهكذا من مقتضيات التعبد لله جل وعلا والإيمان باسم الله جل وعلا الخبير، إفراد الخبير بعلم الغيب، إفراد الخبير بعلم الغيب، فعلم الغيب لا يكون إلا للخبير، علم الغيب لا يكون إلا للخبير. فمن ادعى علم الغيب فقد جعل نفسه خبيرا مع الخبير، وشريكا مع الخبير، فقد كفر وأشرك بالله جل وعلا، لماذا؟ لأنه جعل نفسه خبيرا مع الخبير، ما أفرد الخبير سبحانه وتعالى الذي علم خفايا الأمور، وعلم الغيب، بل جعل نفسه شريكا. ولذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. بعد ذكر هذه الأمور الغيبية أخبر جل وعلا أنه وحده الذي يعلم الغيب، لأنه الخبير سبحانه وتعالى. وقد قال جل وعلا: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَبَيِّنَّا أَنَّ الْجِنَّ كَذَلِكَ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. قال جل وعلا: «قُلْ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ». فلا يعلم الغيب أحد إلا الخبير، ومن زعم أنه يعلم الغيب فنقول: قد جعل نفسه شريكا للخبير، ولم يفرد الخبير جل وعلا بهذا العلم الذي اصطفى به نفسه سبحانه وتعالى. ومن مقتضيات الإيمان باسم الله جل وعلا الخبير، التحاكم لشرع الخبير، والإذعان والتسليم، لأنك إذا آمنت يا عبد الله بأن الله جل وعلا هو الخبير، لازم ذلك أن تعتقد أن حكمه هو الحق، وهو الصواب، لأنه حكم عن خبرة، حكم عن خبرة، لأنه الذي خلق العباد، وهو الذي يعلم ما يصلحهم، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ ولذلك قال جل وعلا: ﴿أَلْفَ لَامِرَأَةٍ كِتَابًا أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. فمن مقتضيات الإيمان باسم الله الخبير والتعبد لله جل وعلا باسم الخبير، التحاكم لشرع الخبير جل وعلا، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ؟ فالحكم لله جل وعلا، والرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مقتضى الإيمان والتعبد لله جل وعلا باسم الله الخبير، لا للقوانين الوضعية، ولا للأعراف القبلية، ولا للحميات الجاهلية، ولا كذلك للأذواق ولا للأهواء، ولا إلى غير ذلك، إنما التحاكم يكون للخبير، لأن الخبير هو الذي أحكم حكمه سبحانه وتعالى، لأن حكمه عن خبرة، لأن حكمه عن خبرة. مهما كان قد حكم غير الخبير جل وعلا، فإن حكمه لا يكون عن خبرة، حكمه لا يكون ماذا؟ عن خبرة، بخلاف حكم الخبير، فهو حكم عن خبرة، وعن علم، وعن حكمة، وعن لطف، وعن بصر، وغير ذلك، فهو الحكم الذي يصلح العباد، لأنه من الخبير الذي خلق العباد، فهو الذي يعلم ما يصلحهم سبحانه وتعالى. ومن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا الخبير، الرضا بما قسم الخبير، الرضا بما قسم الخبير، إذا آمنت يا عبد الله أن الله جل وعلا هو الخبير، فمقتضى ذلك أن ترضى بما قسم لك الخبير من الأرزاق، ومن أمور كلها، لأنه من الذي قسم؟ الذي قسم هو الخبير، فقسمته عن حكمة وعن علم سبحانه وتعالى. أما أن تعترض على قسمة الخبير جل وعلا في الرزق أو في غير ذلك، فهو عندك خلل في إيمانك باسم الله جل وعلا الخبير. ولذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. فقسمة الخبير جل وعلا قسمه عن حكمة وعن بصر، ولذلك يجب الرضا بقسمة الخبير سبحانه وتعالى. ومن مقتضى الإيمان والتعبد لله جل وعلا باسم الخبير، إثبات الكمالات وأوصاف الجلال والكمال لله سبحانه وتعالى، وتنزيه الخبير جل وعلا عن كل نقص وعيب، ومن ذلك وصفه سبحانه وتعالى بصفة الاستواء، أن يوصف الرب جل وعلا بصفة الاستواء، وهو علوه الخاص على عرشه، كما أنه له العلو العام على مخلوقاته كلها، فله العلو الخاص على العرش. فمن مقتضى إيمانك وتعبدك لله جل وعلا باسم الخبير، أن تثبت كل أوصاف الكمالات، وأن تنزه الخبير عن كل نقص وعيب. ومن أوصاف الكمال الثابت للخبير جل وعلا الاستواء على العرش، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾. فاسأل به خبيرا، قال السدي -رحمه الله تعالى- في تفسيره عند هذه الآية: «فاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا يعني نفسه الكريمة»، قال: يعني نفسه الكريمة، أي أنه سبحانه وتعالى الخبير هو الذي أخبر عن نفسه بأن له هذه الأوصاف، أوصاف الكمال، ومنها الاستواء على العرش. فمن مقتضى الإيمان باسم الله الخبير والتعبد لله جل وعلا باسم الخبير، أن تثبت ما سمى الله جل وعلا به نفسه، وأثبته لنفسه، أو على لسان رسوله -عليه الصلاة والسلام-. وهكذا ما وصف الله جل وعلا به نفسه، أو وصف به رسوله -عليه الصلاة والسلام-، فلا يقال: استوى على العرش استولى، فإن الاستيلاء ليس هو من أوصاف الكمال المطلق، وإنما قال جل وعلا: استوى، بمعنى: علا على العرش. وهكذا كذلك من مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا الخبير والتعبد لله جل وعلا باسم الخبير، أن يحاسب الإنسان نفسه، وأن يراقب نفسه في هذه الحياة الدنيا، يراقب الظواهر، ويراقب كذلك البواطن، يصلح الظواهر ويصلح البواطن، لأن الله جل وعلا يعلم ما أسر به الإنسان بقوله أو جهر به، أسر قولكم أو اجهر به، إنه عليم بذات الصدور، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ وقال جل وعلا: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾. فلابد من إصلاح الظاهر وإصلاح الباطن، لأن الخبير يعلم الظاهر، وهكذا يعلم الباطن، لا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى. وهكذا يحاسب الإنسان نفسه، وأن يحاسب جوارحه، يحاسب أقواله، يحاسب لحظاته، ويحاسب كذلك أفعاله، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون، إن الله خبير بما تعملون، وإن الله خبير بما يصنعون. فالخبير يعلم ما نصنع وما نفعل، يغض من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم، إن الله خبير بما يصنعون، إن الله خبير بما يصنعون، فالخبير يعلم ما نصنع وما نفعل، فمقتضى هذا أن نغض أبصارنا، وأن نحفظ فروجنا، وأن نمنع جوارحنا من الوقوع في مساخة الله سبحانه وتعالى. ومن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا الخبير والتعبد لله سبحانه وتعالى باسم الخبير، أن يعدل الإنسان في أقواله وفي أفعاله، وأن ينصف، فلا يتبع الهوى. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. فلابد من العدل في الأقوال، ولابد من الإنصاف في الأقوال والإحكام. فمن مقتضى التعبد والإيمان باسم الله جل وعلا الخبير، العدل والإنصاف في الأقوال والأعمال والأحكام. ومن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا الخبير والتعبد لله جل وعلا باسم الخبير، أن لا يتفاخر الإنسان بحسبه، ولا يفخر في أنساب الناس، لا يفخر بالإحساب، ولا يفخر في الأنساب، وإنما الواجب أن يجعل الميزان الذي جعله الخبير، فالخبير جل وعلا جعل الميزان، جعل ميزانا بخبرة، وجعل ميزانا بحكمة، وجعل ميزانا بعلم، الميزان هو التقوى، الميزان هو التقوى، الذي عليه الولاء والبراء، وكذلك عليه الحب والبغض والمولاة والمعادة. فالواجب أن يجعل هذا الميزان، يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير، ختم هذه الآيات بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. ثم بعد أن ذكر جل وعلا الميزان الذي جعله لعباده وهو التقوى، فإن الميزان لا بالأحساب ولا بالأنساب، من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه، لعمر، كما أن الإنسان إلا بدينه، فلا تترك التقوى اتكالا على النسب، فقد رفع الإسلام سلمان فارس، ووضع الشرك الشقي أبا لهب. فخلاصة اسم الله الخبير أنه يقتضي معاني عظيمة كثيرة جدا، ولها مقتضيات كثيرة جدا ضاق المقام لذكرها. فعلينا أن ندعو الله سبحانه وتعالى الخبير بأن يصلح ظواهرنا، وأن يصلح بواطننا، وأن يعيننا على أنفسنا سبحانه وتعالى، وأن يستر عيوبنا، وأن يفتح لنا من خزائنه المملوءة ما يكون سببا في سعادتنا في الدنيا والآخرة. صلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.