الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 65، تابع الحديث الموضوع . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول تعريف الحديث الموضوع لغة واصطلاحا وعلامات وضعه في السند مثل وجود راو كذاب. يُعرّف الحديث الموضوع بأنه الكلام المختلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يتناول علامات وضع الأحاديث في متنها مثل ركاكة اللفظ وفساد المعنى ومخالفة العقول. يذكر أمثلة على أحاديث موضوعة ويبين كيفية تمييزها.
يتناول حكم رواية الأحاديث الموضوعة وحرمتها إلا لبيان وضعها، واختلاف العلماء في حكم استحلال الكبائر. يشدد على تحريم تعمد الكذب على الرسول.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال المعلق، رحمه الله تعالى: قال تعريفه لغة. قال: الموضوع في اللغة اسمه مفعول، فعله «وضع» يضع. ويأتي «وضع» في اللغة لعدة معان. الأول: الإسقاط، تقول: «وضع الدين»، أي: أسقط الدين. قال: والثاني: الترك، فتقول: «ضعه هنا»، أي: اتركه هنا. قال: والثالث: الافتراء، ومنه: «وضع عليه التهم»، أي: افترى عليه. قال: تقول: «وضع فلان الشيء عن عاتقه» -مثلا- تريد أنه أسقطه. وتقول: «وضع فلان شيئا» تريد أنه تركه. وتقول: «وضع فلان هذا الكلام» تقصد أنه افتراه واختلقه. وإذا تأملنا هذه المعاني اللغوية وجدنا أن لها تعلقا بمعنى هذه الكلمة في اصطلاح أهل هذا العلم، علم الحديث. قال: فالموضوع في اللغة يكون بمعنى المسقط -بفتح القاف- ويكون بمعنى المتروك، ويكون بمعنى المختلق المفترى، وكله يدخل في معنى الحديث الموضوع، فهو ساقط من جهة ضعفه، فهو أشد من ضعيف، وهو متروك لأنه لا يجوز الاحتجاج به، بل ولا يصلح للشواهد والمتابعات، وهو مفترى ومختلق لأنه مكذوب. قال: اصطلاحا: هو الكلام الذي اختلقه وافتراه واحد من الناس ونسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا أحد تعريف الحديث الموضوع، وتعريف أهل العلم تدور حول هذا المعنى. قال: علامات الوضع. يعرف الوضع بوجود علامات في السند أو في المتن. قال: أولا: علامات الوضع في السند. يعرف الوضع في السند بعلامات عدة، وهي: أن يكون راويه كذابا معروفا بالكذب، ولا يرويه ثقة غيره. ومر معنا أمثلته من رواية الكذابين الذين وصفوا بالكذب. قال: ثانيا: أن يعترف واضعه بالوضع ويقر بذلك. حديث «فضائل القرآن» اعترف بوضعه ميسرة، وصوابه: اعترف بوضعه نوح بن أبي مريم أبو عصمة، كما تقدم معنا. قال: ثالثا: ما يتنزل منزلة إقراره، أو بإقراره حالا -يعني أن يقر- سواء إقرارا صريحا كما فعل نوح بن أبي مريم، أو إقرارا غير صريح كما فعل بعض الزنادقة، إذ أقروا أنهم وضعوا أحاديث في الحلال والحرام تحليلا وتحريما، فكان هذا إقرارا على أن ما يأتي في هذا الباب من الزنادقة فهو من وضعهم، وهو واحد منهم. قال: قال الحافظ العراقي: هو كأن يحدث بحديث عن شيخ، ثم يسأل عن مولده فيذكر تاريخا يعلم وفاة ذلك الشيخ قبله، ولا يوجد ذلك الحديث إلا عنده، فهذا -لمن يعترف بوضعه- ولكن اعترافه بوقت مولده يتنزل منزلة إقراره بالوضع؛ لأن ذلك الحديث لا يعرف إلا عند ذلك الشيخ، ولا يعرف إلا برواية هذا الذي حدث به. وهذا مثال آخر لمعنى تنزيل الإقرار منزلة الاعتراف بالوضع. ويذكر في هذا قصة: من حدث عن خالد بن معدان فقيل له: «أين حدثك؟» قال: «في بلد كذا في غزوة أرمينيا». فقيل له: «إنه لم يغز أرمينيا»، فعلم أنه كذاب. وبعض محدث أنه حدثه سنة كذا، ويكون قد توفى هذا المحدث عنه قبل ذلك. قال: رابعا: وجود قرينة في الراوي تقوم مقام الوضع. من أمثلة ذلك ما أسنده الحاكم عن يوسف بن عمر التميمي قال: «كنت عند السعد بن طريف، فجاء ابنه من الكتاب يبكي، فقال: ما لك؟ قال: ضربني المعلم. قال: لأخزينهم اليوم، حدثني عكرمة عن ابن عباس مرفوعا: «معلم صبيانكم شراركم، أقلهم رحمة لليتيم، وأغلظهم على المسكين». فكونه ارتجل الحديث على طول، فمع القرينة التي ذكرها تدل ذلك على كذبه ووضعه. فمثل هذا الإنسان إذا وجد في سنة لا يؤمن أن يكون قد وضع هذا الحديث إذا انفرد به، فهو ممن يتهم بالكذب. قال: ومثل ذلك حديث «الهريسة تشد الظهر». فإن واضعه محمد بن الحجاج النخعي كان يبيع الهريسة، فهذه قرينة تدل على أن هذا الرجل الذي انفرد بهذا الحديث وهو يوافق مهنته، وهو ليس من معروفين بالثقة أو بالتوثيق، بل هو ممن هو متهم، فهذه مظنة في الإسناد تدل أنه حديث موضوع. قال: علامات الوضع في المتن. كذلك للوضع علامات في المتن، منها أولا: ركاكة اللفظ، بحيث يدرك العليم بأسرار البيان العربي أن مثل هذا اللفظ ركيك لا يصدر عن فصيح، ولا بليغ، فكيف بسيد الفصحاء والبلغاء صلى الله عليه وسلم؟ ومحل هذا إن وقع التصريح بأنه لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يروه بالمعنى -يعني فيدل ذلك على وضعه- وستأتي معنا بعض الأمثلة في هذا الباب. قال: فساد المعنى. قال: بأن يكون الحديث مخالفا لبديهيات العقول من غير أن يمكن تأويله. مثل ذلك حديث: «إن سفينة نوح طافت بالبيت سبعا، وصلت عند المقام ركعتين». هذا شيء مخالف لبديهيات العقول، فهو مما يُعلن به الوضع من جهة المتن. قال: أو يكون مخالفا للقواعد العامة في الحكم والأخلاق. مثل: «جور الترك ولا عدل العرب». وهذا كذلك يدل على معنى باطل؛ فإن المتن الذي تضمن مثل هذا المعنى يدل دلالة ظاهرة أنه متن مختلق موضوع. وكل ما كان بمعنى مما يدعو إلى العصبيات والمعاني الشعوبية فهو كذلك من مواضع الوضع في المتن. قال: أو داعيا إلى الشهوة والمفسدة. مثل: «النظر إلى الوجه الحسن يجل البصر». وهذا كذلك. وهذه الأحاديث أكثرها قد نبه عليها الحفاظ في كتب الأحاديث الموضوعة والمكذوبة والضعيفة. فقد ذكر أكثر هذه الأحاديث التي ستأتي -وما مر معنا- ابن الجوزي رحمه الله في كتابه «الموضوعات». ومضان مثل هذه الأحاديث في مثل هذه الكتب، إلا أن بعض هذه الكتب قد يبالغ في الحكم على الضعيف بأنه موضوع. فمثلا هذا الحديث ذكر أنه من الأحاديث الموضوعة، وبعضهم يأبى ويقول: بل هو ضعيف وليس بموضوع. والفرق بين الضعيف والموضوع -كما تقدم معنا- أن الموضوع من فيه متهم بالكذب، وما يدل بدلالة السند أو المتن أنه مختلق مصنوع. وقد روي هذا الحديث بألفاظ كثيرة، فقد جاء بلفظ: «ثلاث يجلين البصر: النظر إلى النظرة، والماء، والوجه الحسن». وهذا قد روي بإسناد فيه وضع، وهو أبو البحتري القاضي، رمي بالوضع. وجاء كذلك بألفاظ أخرى، جعل بعض أهل العلم يقول: إنه ضعيف وليس بموضوع، لكن الصحيح أنه موضوع، وقد أشار العالم الألباني رحمه الله إلى ذلك وإلى طرق الحديث في «السلسلة الضعيفة»، المجلد الأول، حديث مئة واثنين وثلاثين. قال: قاله مخالفا للحس والمشاهدة. مثل: «لا يولد بعد المئة مولود لله فيه حاجة». وهذا كذبه يكذبه الحس والمشاهدة والواقع، وقد ذكره ابن الجوزي كذلك في «الموضوعات». فما أكثر أن نبغاء ولئما الذين نبغوا بعد المئة. فهذا يدل على كذب هذا الحديث. قد روي من طريق الحسن عن صخر بن قدامة، وهو مختلف في صحبته، وهو حديث موضوع. قال: قاله مخالفا لقواعد الطب المتفق عليها. مثل: «الباذنجان شفاء من كل داء». وجاء في رواية -أو في لفظ-: «الباذنجان شفاء -أو الباذنجان لما أكل له». وكذلك هو موضوع، قد أشار إليه ابن الجوزي وغيره. قال: لمخالفة أو مخالفا للقطعيات التاريخ أو سنة الله في الكون والإنسان. قال: مثل حديث «عوج بن عنق»، وأن طوله ثلاثة آلاف ذراع، وأن نوحا لما خوفه الغرق قال: «احملني في قصعتك هذه» -يعني السفينة- وأن الطوفان لم يصل إلى كعبيه، وأنه كان يدخل يده في البحر فيلتقط السمكة من قاعها ويشويها قرب الشمس. وهذا من وضع الزنادقة، قصدهم بذلك الطعن في أخبار الأنبياء، فهو مخالف للقطعيات مما دلت عليها دلالة الشرع والحس والمشاهدة. قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:77]، فليس أحد في الأرض اليوم إلا وهو من ذريته نوح عليه الصلاة والسلام، فلم يسلم أحد إلا من نجى مع نوح. فهذا مخالف للشرع، ثم كذلك هو مخالف لقطعيات التاريخ، وسنة الله في الكون، والأدلة الصحيحة الصريحة تدل أن الإنسان لم يبلغ هذا الطول أبدا، بل أعلى ما ذكر ثلاثون ذراعا في السماء، أما ثلاثة آلاف ذراع فهذا من الكذب الصراح، ثم كونه في إسناده بعض الزنادقة، هذا يؤكد كذلك أنه موضوع. قال: أو يكون مشتملا على سخافات وسماجات يصان عنها العقلاء. مثل: «الديك الأبيض حبيبي وحبيب حبيبي جبريل». فهذا المعنى ظاهر الفساد والبطلان، وكذلك أحاديث أخرى بهذا المعنى، كـ«الديك الأفرق صديقي»، وكذلك حديث: «دار فيها ديك أبيض لا تقربها الشيطان». ونحوها من الأحاديث التي تدل معانيها الساقطة أنها موضوعة مكذوبة، فضلا عما في أسانيدها من معاني الوضع. قال: ومثل: «اتخذ الحمام المقاصيص؛ فإنها تلهي الجن عن صبيانكم». وهذا كذلك معلوم الفساد، وقد نص العلماء أنه موضوع، روي عن ابن عباس وأنس، وضعه محمد بن زياد ليشتري. قال: مخالفة لصريح القرآن، بحيث لا يقبل التأويل. مثل: «ولد الزنا لا يدخل الجنة إلى سبعة أبناء». فإنه مخالف لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:164]، فالحديث مكذوب لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروي في الباب حديث يحسنه بعض أهل العلم. وهذه الأحاديث التي رؤيت في هذا الباب تواجه بالأحاديث الأخرى على قول من يصححها، وإلا فبعض أهل العلم ضعفها. فحديث: «ولد الزنا شر الثلاثة» روي من حديث أبي هريرة، رواه أحمد والحاكم والبيهقي، وحسنه بعض أهل العلم، منهم العلامة الألباني رحمه الله. وبعض الحفاظ يعلل هذا الحديث ويضعفه. فعلى القول بتضعيفه لا إشكال، وعلى القول بتصحيحه فلابد أن يفسر بالأحاديث الأخرى. من ذلك ما جاء في حديث عائشة عند الحاكم بإسناد صحيح: «ليس على ولد الزنا من وزر أبويه شيء، ليس على ولد الزنا من وزر أبويه شيء». فهذا الحديث الصحيح لا بد أن يفسر به الحديث الأول. فـ«ولد الزنا شر الثلاثة» إذا كان قد شارك في الوزر. ويفسر ما جاء في رواية ضعيفة ومعناها صحيح، فيما رواه الطبراني والبيهقي بإسناد ضعيف عن ابن عباس: «ولد الزنا شر الثلاثة إذا عمل بعمل أبويه». هذا الحديث بهذا اللفظ ضعيف، ولكنه من جهة المعنى صحيح؛ فعمومات الشريعة تؤيده، والحديث المتقدم، والآيات في هذا الباب تؤيد هذا المعنى، فبهذا يزول الإشكال. قال: رابعا: مخالفة لصريح السنة المتواتر. مثل: «إذا حدثتكم عني بحديث يوافق الحق فخذوا به، حدثت به أم لم أحدث». فإنه مخالف للحديث المتواتر: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». فدل ذلك أنه معنى فاسد، فهو من الأحاديث المكذوبة الضعيفة. والحديث في هذا الباب في تحريم الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة، بل كما تقدم معنا بعض الروايات ليس فيها: «متعمدا»، كما جاء في لفظ الحديث عليه في الصحيح: «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار». وفي حديث أبي هريرة في الصحيح مسلم: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» -أو الكاذبين- روايتان. قال: خامسا: أن يكون مخالفا للقواعد العامة المأخوذة من القرآن والسنة. مثل: «من ولد له مولود فسماه محمدا كان هو مولوده في الجنة». فإنه مخالف للمعلوم المقطوع به من أحكام القرآن والسنة: من أن النجاة بالأعمال الصالحة لا بالأسماء والألقاب. وهذا ظاهر، فعلم بهذا أنه من معاني الوضع والكذب. قال: ومنها: أن يكون مخالفا للإجماع، أو يكون موافقا لمذهب الراوي، أو أن يتضمن الحديث أمرا من شأنه أن تتوفر الدوافع على نقله، ثم لا يشتهر ولا يرويه إلا واحد. ومنها: اجتراء الحديث على إفراط في الثواب العظيم على الفعل الصغير، والمبالغة في الوعيد الشديد على الأمر الحقير. مثل: «من صلى الضحى كذا وكذا ركعة أعطي ثواب سبعين نبيا». ومثل: «من قال: لا إله إلا الله، خلق الله تعالى له طائرا له سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يستغفر له». فعلامات الكذب ظاهرة في هذه المبالغة التي أشار إليها. قال: حكم رواية الحديث الموضوع. أجمع العلماء على أنه لا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان، إلا مع بيان وضعه. لحديث مسلم: «من حدث عني بحديث رأى أنه كذب فهو أحد الكاذبين». ومعناه: لا يجوز التحديث بحديث وأنت يغلب على ظنك أو عندك شك في صحته، فكيف إذا علمت أنه مكذوب؟ فهذا أشد. قال: والجمهور على أن تعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم كبيرة. وبالغ أبو محمد الجويني -والد إمام الحرمين- بقوله: إنها كفر. ووجهوا بعضهم: أنه إذا استحل ذلك فهو كفر. وأما إذا لم يستحل فهو ليس بكفر. والله تعالى أعلم.