الدرس في رمضان مدرسة الصائمين 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع أن حكمة صيام رمضان هي تحقيق التقوى، معرفاً إياها بالعمل بطاعة الله على نور منه رجاء ثوابه وترك المعصية خوف عقابه. ويؤكد أن التقوى هي أعظم أسباب دخول الجنة مستنداً إلى نصوص قرآنية ونبوية.
يبين أن تقوى الله تجلب محبته ورحمته، وأن المتقين هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. كما يشير إلى أن العلماء هم أتقى الناس وأخشاهم لله.
يوضح أن التقوى هي المعيار الحقيقي للتفاضل بين الناس عند الله لا المال ولا النسب، مستدلاً بالآية والحديث. ويذكر أن التقوى تفرج الكرب وتيسر الأرزاق وتوفق طالب العلم.
يختم بالتأكيد على وجوب حرص المسلم على اكتساب التقوى كزاد خير في أيام وليالي رمضان، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. ويختتم بالصلاة على النبي والحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلا زلنا أيها الأحبة في الله في الحكمة التي من أجلها فرض الله عز وجل على العباد صيام رمضان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فتحقيق التقوى كما سبق ذكره هو الحكمة من فرضية الصيام على أهل الإيمان، حتى يكون العبد من أهل طاعة الله عز وجل الذين يمتثلون الأوامر ويجتنبون النواهي، فإن مدار التقوى على هذا الأمر: فعل الأوامر واجتناب النواهي. وسبق معنا أيضا أن ذكرنا ما قاله الإمام الجليل طلق بن حبيب رحمه الله تعالى معرفا للتقوى، قال: «أن تعمل بطاعة الله عز وجل على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله». ولهذا أيها الإخوة في الله، إن الناظر في أمر التقوى يجد أنها سبب لكل خير ومصدر لكل فضيلة وطاعة، ولهذا فما أكثر الأوامر التي أمر الله عز وجل بها في كتابه الكريم التي هي أمر بالتقوى. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام، كما عند الترمذي رحمه الله من حديث أبي هريرة، سئل عليه الصلاة والسلام عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، قال: «تقوى الله وحسن الخلق». سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، قال: «تقوى الله». وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، قال: «الفم والفرج». قال: «الفم والفرج». إذن تقوى الله عز وجل من أعظم ومن أكثر الأسباب التي تدخل الناس الجنة، وينال هذا النعيم المقيم عند الله عز وجل، نعيم وصفه ربنا عز وجل بقوله: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر». بل أخبر ربنا عز وجل في كثير من الآيات أن جزاء المتقين هي الجنة، أن جزاء المتقين هي الجنة. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَابًا * جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾. وهكذا يقول ربنا عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾. وهكذا أيضا يقول ربنا عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾. إذن الجنة هي جزاء وثواب المتقين. كذلك أيضا إخواني في الله، إن تقوى الله عز وجل سبب لنيل محبة الله عز وجل، سبب لكي يحب الله عز وجل هذا العبد الذي هو أمس ما يكون إلى محبة ربه جل وعلا. ولهذا يقول ربنا عز وجل: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. وجاء في حديث أبي هريرة عند الإمام البخاري رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه عز وجل: «من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». وهكذا أيضا إخواني في الله، تقوى الله عز وجل سبب لنيل رحمة الله عز وجل، وكيف يعيش هذا الإنسان بغير رحمة الله فهو أحوج ما يكون إلى أن يرحمه ربه عز وجل. ولهذا يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. واتقوا الله لعلكم ترحمون. إذن تقوى الله عز وجل سبب عظيم لنيل وحصول رحمة الله عز وجل لهذا العبد. وهكذا أيضا تقوى الله عز وجل هي من أهم سمات وعلامات أولياء الله عز وجل الصالحين، أولئك الذين يغضب الله عز وجل على من آذاهم، بل يعلن الحرب على من آذاهم. أولئك أولياء الله عز وجل الذين قال الله فيهم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. انظر: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وهكذا أيضا إخواني في الله، سبق ذكر حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه عز وجل: «من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب، فقد آذنته بالحرب». قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى: «إن لم يكن العلماء هم أولياء الله فلا أعلم لله ولي، إن لم يكن العلماء هم أولياء الله فلا أعلم لله ولي». ولهذا كان أهل العلم هم أتقى الناس وأخشى الناس لله عز وجل، كما قال الحق جل في علاه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. كذلك أيضا إخواني في الله، تقوى الله عز وجل هي ميزان التفاضل بين الناس عند الله عز وجل، فإن الناس لا يتفاضلون بكثرة أموالهم، ولا بضخامة أجسامهم، ولا بحسن وبهاء وجوههم. لا يا عباد الله، هذه قد تكون موازين عند بعض الناس في الدنيا، لكن يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، الميزان العدل القصط عند الله عز وجل الذي به يتفاضل الناس هو ماذا؟ هو تقوى الله عز وجل. ولهذا يقول ربنا عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. فالتقي هو الكريم، ولو كان فقيرا لا مال له، ولو كان ضعيفا لا حيلة له، ولو كان ذميم الخلقة، ولو كان... نعم، إذا كان تقيا لله عز وجل فهو الكريم عند الله سبحانه وتعالى. وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل: «من أكرم الناس؟» قال: «أتقاهم». من أكرم الناس قال: «أتقاهم». قالوا: «ليس عن هذا نسألك». قال: «فعن معادن العرب تسألوني؟» نعم، أو قال: قالوا: «ليس عن هذا نسألك». قال: «فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله». قالوا: «ليس عن هذا نسألك». قال: «فعن معادن العرب تسألوني؟ خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقه». قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله: «أي إذا فقه أحكام الشرع، إذا فقه أحكام الشرع». كذلك أيضا إخواني في الله، تقوى الله عز وجل سبب لتفريج الكربات، وهكذا تيسير الأرزاق، فإن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾. فمن أراد تفريج الكرب، وهكذا التنفيس من الله عز وجل، وهكذا المخارج من الأزمات والنكبات، فعليه بتقوى الله عز وجل. من كان يشكو الفقر، ومن كان يشكو الغلاء، ومن كان يشكو قلة ذات اليد، فعليه بتقوى الله عز وجل، فإنها سبب لتيسير الأرزاق، قال: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. وهكذا أنت يا طالب العلم، ما أحوجك إلى تقوى الله عز وجل حتى توفق في طريق العلم، ولهذا قال ربنا عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾. وفضائل التقوى كثيرة، لكن هذا بعض ما يذكر حول هذا الموضوع. وخلاصة الكلام أيها الإخوة في الله، أنه ينبغي على كل مسلم ومؤمن أن يحرص على أن يتزود بزاد التقوى، لا سيما خلال أيام وليالي هذا الشهر الكريم: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾. فنختم بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.