شرح السنة للإمام البربهاري 13

شرح السنة للإمام البربهاري 13

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 13، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير السلف من الكلام والخصومة

يناقش تحذير السلف من الكلام والخصومة والجدال، ويشرح معنى علم الكلام وخطره. الخصومة محرمة وتؤدي إلى إحباط الأعمال.

الجدال المذموم والميراء وآثاره

يتناول التحذير من الجدال المذموم والميراء، ويوضح أن الجدال يكون مذمومًا إذا كان بغير حجة أو بالشغب والتمويه. كما يحذر من الميراء وآثاره السلبية.

نهج السلف في التعامل مع الفتن

يبرز أهمية اتباع نهج السلف في التعامل مع الفتن، ويحذر من الانشغال بالفتن والدخول في أمور محرمة، مشددًا على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: والكلام والخصومة والجدال والميراء محدث يقضح الشك في القلب، وإن أصاب صاحبه الحق والسنة. هذه العبارة، إخواني في الله، يتبع للفقرة السابقة والتي مضى ذكرها في درس أمس، في قول مؤلف رحمه الله تعالى: وأعلم رحمك الله أنه ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تتبع فيها الأهواء، وإنما هو التصديق بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا كيف ولا شرح، ولا يقال لما وكيف. ومر معنا ما يتعلق بهذه الفقرات والعبارات من مسائل. ثم عرج المؤلف رحمه الله تعالى بذكر بعض الأمور التي قد تلبس بها المبتدعة، وهي مسألة الكلام والخصومة والجدال والميراء. أما ما يتعلق بالكلام، ما المقصود وما المراد من قول مؤلف رحمه الله تعالى: والكلام؟ والكلام محدث، أي الكلام يعني؟ قال علماء في تعريف الكلام، أو ما يسمى بعلم الكلام: من ذلك ما ذكره ابن خلدون في كتابه المقدمة، حيث قال في تعريف الكلام: «علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية». فهذا هو علم الكلام، فهو علم يقوم على أمور عقلية، قوم على حد زعمهم، كرسوا عقولهم في الدفاع والمنافحة عن القضايا الإيمانية، عن القضايا الشرعية، تصدوا للملاحدة، تصدوا للزنادقة الذين يطعنون في الدين، فوقفوا في وجوه هؤلاء، لكن بما تسلحوا؟ تسلحوا بأدلة عقلية، ما استندوا لا إلى كتاب ولا إلى آية ولا إلى حديث ولا إلى آثار السلف، وإنما احتجوا بالذي احتجوا به في دفاعهم ومنافحتهم عن دين الله، على حد زعمهم، بأدلة عقلية، أتوا بقواعد من الفلاسفة استفادوها، فجعلوها وصبغوها بصبغة إسلامية، يناقشون الملاحدة بقواعد مثل قواعد الامتناع، وقواعد التمانع، الألقاب غريبة عجيبة، السلبية والثبوتية والوصفية والإيجابية، وقانون التسلسل والتصادم، فقوانين غريبة عجيبة ما سمعنا بها. فهؤلاء يأتون بمثل هذه القواعد فيجعلونها في نحر الملاحدة، يدافعون عن دين الله عز وجل، لكن بقواعد كلامية، بقواعد جدلية. هذا ما يسمى بعلم الكلام، وهذا علم الكلام، وما عنا أصحابه أرادوا منه الخير، إلا أن العلماء حرموه، وحذروا منه، وما أجاز النظر ولا التعلم في علم الكلام. وكلام السلف في هذا كثير، وكثير جدًا، وسيأتي معنا في خضم هذه الرسالة أشياء كثيرة من ذلك، من ذلك من تحذير السلف من علم الكلام. ما قال إمام مالك رحمه الله تعالى: «من طلب الدنيا أو من طلب الدين بالكلام تزندق». من طلب الدين بالكلام تزندق، فاتخاذ علم الكلام يدرس ويقتبس، فهذا دلالة على أو هداية لباب الزندقة. وقال إمام الشافعي رحمه الله تعالى: «لأن يلقى الله العبد بكل ذنب خل الشرك خير من أن يلقاه بشيء من الكلام». لأن يلقى الله العبد بكل ذنب خل الشرك خير من أن يلقاه بشيء من الكلام، يرى الشافعي رحمه الله تعالى أن من أعظم الذنوب بعد الشرك أن تلقى الله جل وعلا وأنت متلبس بعلم الكلام. وهذا يدلك على عظم تحذير السلف رحمه الله تعالى من علم الكلام. والكثير ممن خاض في هذا العلم تبرأ منه، لما يرى من خبث هذا العلم، ومن الدسيسة التي تدس على الأمة. والتحريم ظاهر في علم الكلام، وأُلفت مؤلفات قديمة وفي هذا العصر مؤخرًا في تحريم تعلم المنطق والفلسفة وما جرى في ذلك. فهذا ما يتعلق بقول مؤلف رحمه الله تعالى: والكلام، أي العلم الكلام. قوله: الخصومة، كذلك الخصومة مما نهينا عنها، وتدور معنى الخصومة والمخاصمة على معنى المنازعة، ذا يتنازع مع ذا، فالمتخاصمين ليس إظهار الحق وإنما همه إسكات الخصم، لا ذاك همه نشر الدين، ولا ذاك همه رفع تعاليم الدين، وإنما هم ذا أن يسكت ذا، وهم ذاك أن يسكت هذا. فهذا مما حرمه الشرع، وقد جاءت العبارات الكثيرة عن سلفنا الصالح في تحريم الخصومات. قال بشر بن الحارث رحمه الله تعالى: «الخصومات تحبط الأعمال». فهذا باب ومنزلق عظيم ينبغي للمسلم أن يبتعد وأن ينقى عنه، لا تجعل يا عبد الله دينك قائمًا على الخصومات، تخاصم هذا وتخاصم ذاك، وإنما تجعل دينك عبارة عن دعوة تدعو الناس إلى الله سبحانه وتعالى من غير المخاصمة. وكان هذا من السمات البارزة المميزة لأهل البدع، المخاصمة في رءوس الأشهاد، يأتي عند أهل السنة والجماعة ويخاصمهم وينازعهم، يخاصم وينازعهم فيها. والدليل كذلك سيأتي معنا في أبواب غير هذا الباب عبارات عن سلفنا الصالح في تحريم الخصومات. ثم قال رحمه الله تعالى: والجدال، وكذلك الجدال، لكن ينبغي أن ننبه إخواني في الله في أمر الجدال على أن الجدال ينقسم إلى قسمين، الجدال ينقسم إلى جدال محمود وإلى جدال مذموم. فالجدال المحمود فسره العلماء بقولهم: إبطال قول الخصم بما يدل على بطلانه، وإثبات الحق بالدليل. هذا هو تعريفه. والجدال المحمود هو الذي يفسر بهذا التفسير، وهو إبطال قول الخصم بما يدل على بطلانه. والشرع الحكيم قد جعل باب الجدال من أبواب الدعوة، لكن جعله في آخر منزلة من مسائل الدعوة. قال جل في علاه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، أدع إلى سبيل ربك أمر بالدعوة جل وعلا بالحكمة أولًا، والموعظة ثانيًا، ثم في الأخير وجادلهم بالتي هي أحسن، فتأتي مسألة المجادلة في آخر مسائل الدعوة. فالجدال بهذا الوصف جائز، كونك تجادل أهل الباطل تجادل أهل الكفر، وذلك بإبطال قولهم وإثبات الحق بدليل، فهذا يمتدح ويمدح صاحبه. أما المراد من كان المؤلف رحمه الله تعالى هنا أراد التحذير من الجدال الثاني، وما يسمى الجدال المذموم. والجدال المذموم يفسر بأنه الشدة في الخصومة، الخصومة منهي عنها، فإذا تجاوز العبد باب الخصومة فإنه يدخل إلى باب الجدل. ولهذا من نظر إلى كتب اللغة يرى أنهم يعرفون الخصومة بالجدل والجدل بالخصومة، المعنى مترادف، المعنى متشابه. لكن في باب التمييز يجعلون الجدل أرفع من الخصومة. وقد حذر الشرع من الجدال بالباطل، حذر الشرع من الجدال بالباطل، وأنه طريق يؤدي إلى الضلال. قال عليه الصلاة والسلام: «ما ضل قوم على هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». أناس كانوا على الحق وكانوا على الخير، إذ بهم سقطوا على أم رؤوسهم في الضلال لما أوتوا الجدل، فلما كانوا من أهل الجدل يجادلون بالباطل يجادلون بالشيء المذموم، أركسهم ذلك عن الصراط المستقيم، فأصبحوا من أهل الضلال. ونبه بعض العلماء كالخطيب البغدادي رحمه الله تعالى، وبيّن أن الجدال المذموم يكون على صورتين، أن الجدال المذموم يكون على صورتين، كما في كتابه وفي رسالة «الفقيه والمتفقه»، بيّن رحمه الله أن الجدال الباطل يكون على صورتين اثنين. الصورة الأولى قال: هو الجدال بغير حجة. والصورة الثانية: وهو الجدال بالشغب والتمويه نصرة للباطل. هذه الصورة الثانية. الصورة الأولى واضحة، الجدال يكون مذمومًا إذا كان جدال بغير حجة، في مجلس من مجالس ترفع صوتك، تنعق بصوتك، تصيح، تناقش، ترعد، تزبد، فتطالب بحجة، فإذا بك عاري عن الحجة، ما عندك حجة، إنما عندك الصياح. وعندما كان نقاش هذا جدال مذموم، جدال عقيم. وقد ابتلينا إخواني في الله، ويخشى من كثير من الناس قد ابتلوا بهذا الجدل في الأماكن العامة والخاصة، وفي المجالس والمنتديات، ترى الصياح والنقاش والجدال، ثم تسمع من هذا الخاص بإذن لا تشي عنده حجة، الله ما أنا أرى هذا كيف ترى؟ طب أجيب ما حجته؟ أقمت الساعات وقمت اللقاءات والنقاشات الساعات الطوال على لا شيء، هذا جدال باطل، جدال مذموم، إذا كان جدالك بغير حجة. فإن كان عندك حجة فأدل بها، فالمسلم إخواني في الله إن كانت عنده حجة أدلى بها، ما عنده حجة استمع لمن عنده حجة، استمع لمن عنده حجة. أما ما عندك حجة ثم تنازع وتخاصم هذا هو الجدل، هذا هو الجدل المذموم. والصورة الثانية قال البغدادي رحمه الله تعالى: هو الجدال بالشغب والتمويه نصرًا للباطل بعد ظهور الحق، بعد ظهور الحق استبان. لك الحق استبان لك الحق عند خصمك، فإذا بك بدل أن تسلم له، إذا بك تناطح، إذا بك تصارع، إذا بك تشوه هذا الحق الذي جاء به خصمك، طيب أنت قلت كذا، طيب كيف؟ لو كان كذا وكيف؟ يسلم للحق أولًا، يسلم، إنما يشوه، تشويه في هذا الباب، هذا يعني من الجدل المذموم، من الجدل المذموم. فهذا إخواني في الله ما يتعلق بالجدال، فنعلم أن الجدال على قسمين، على جدال محمود، وهو الذي عرفه العلماء بأنه إبطال قول الخصم بما يدل على بطلانه. وأما الجدال المذموم، وهو الذي فسر العلماء بأنه شدة الخصومة، ويحمل على محملين، أو على صورتين، إما على جدال بغير حجة، أو على جدال بالشغب والتمويه بعد ظهور الحق. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: والميراء، وكذلك مما نهينا عنه، وكذلك من صفة من سمة وصفة أهل البدع الميراء. وفسر الميراء كما فسر بعض العلماء بأنه الطعن في كلام الغير، الميراء هو الطعن في كلام الغير لإظهار خلل فيه، والغرض تحقيره. هذا هو الميراء، تستمع لخصمك، فإذا بك لا تدور على حجته، ولا على معناه، وإنما تنظر في عبارته، علَّ وعسى أن تظفر بخلل، علَّ وعسى أن تظفر بخلل، فإن ظفرت بخلل قمت وشنعت عليه، لماذا؟ من باب التحقير، من باب التحقير. وهذا لا يكون لأهل السنة، وما ينبغي لأهل السنة أن يتخلق بهذا الخلق، وهو الميراء، الميراء في الدين لا يا عبد الله، إنما إن وقع خلل إن وقع خلل من غير تصيد منك له، فإنك تنصح، ويفهمه النصيحة. أما أنك تجعل هذا الخلل بعد الترصد، بعد التفتيش عنه، ثم ماذا؟ تقوم وتشنع عليه من باب تحقيره، فهذه المأساة وهذا من صنيع أهل البدع، ليس من صنيع أهل السنة. فقال مؤلف رحمه الله تعالى بعد هذا كله: والكلام والخصومة والجدال والميراء محدث، ما عرف هذا من طريقة الأولين، ما عرف ذلك عن طريقة السلف الصالح من لدن صحابة رضي الله تعالى عنهم إلى القرون المفضلة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. من كان على منهاج السلف لا ينبغي أن يبتلى أو يتلبس بمثل هذه الملابسات. فلا تكن يا عبد الله صاحب كلام، ولا صاحب خصومات، ولا صاحب جدل، ولا ميراء، وإنما المسلم يكون ماذا؟ ناصحًا، يكون متبعًا، يكون صادقًا، يكون مخلصًا في اتباعه للحق. ثم قال مؤلف رحمه الله تعالى: يقضح الشك في القلب، هذه الأشياء من أضرارها معنا على خلاف منهج السلف أنها محدثة، كذلك من آثارها أنها تقضح الشك في القلب، تجعل القلب ليس على يقين، وإنما في تردد، وإنما في قلق. ومن تأمل إلى أحوال المبتدعة ممن تلبسوا بمثل هذا المسلك، عندهم الكلام والخصومات والجدل والميراء، تنظر في أحوالهم، إذ أن الله جل وعلا قذف في قلوبهم الضيق والاضطراب والشك فيما هم فيه. من هؤلاء الرجل اسمه شمس الدين، وهم من طلاب فخر الدين الرازي، من كبار المتكلمين في زمن وفي عهده، فيحكي عن نفسه، رأى بعض الفضلاء، فقال لهذا المتكلم: «ما تعتقده؟ ما اعتقاده؟» قال: «أعتقد الذي يعتقده المسلمون، اعتقادي اعتقاد الناس». فقال له: «أنت بهذا القول ينشرح به صدرك؟» قال: «نعم، صدري منشرح أن عقيدتي مع عقيدة الناس، فهذا الذي أنبسط إليه، ونفسي تنشرح إليه». فقال: «أما أنا فوالله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد»، حتى أختلج في البكاء. رجل متكلم إلى الآن ما يدري من الذي يعتقده بالاعتقاد؟ لماذا؟ لأن هذا العلم قدح في قلبه الشك، قدح في قلبه الشك، ما عنده عقيدة يلقى الله جل وعلا بها. وأما الناس الذين قد كفاهم الله شر هذه الأبواب الضالة، اتباع الكتاب والسنة، يقين وراحة واطمئنان في القلوب، وفي النفوس. ويقول كذلك الخوفجي، أو الخوفجي، رجل كذلك يعتبر من كبار المتكلمين في زمنه، يقول عن نفسه، هو عند موته قال: «ما عرفت شيئًا مما حصلته». قد خاض قد خاض في منطق والفلاسفة، ودخل في الأمور الجدلية، ثم يقول عند موته: «ما عرفت مما حصلته شيئًا، سوى أن الممكن يفتقر إلى الراجح». والافتقار وصف سلمي، قال: «أموت ما عرفت شيئًا»، يعني قال هذا استفدته، سلبي مفتقر مفتقر متمكن، قال: «أموت ما عرفت شيئًا». عرف هذا الجدل، عرف أشياء جدلية، ما عرف آية من كتاب الله، ولا حديثًا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وكم تندم الكثير والكثير، وتوقف أمم من هؤلاء الرؤوس عندما وصل إلى باب مسدود، ظنوا في بداية أمرهم أن الدخول في علم الجدل والكلام والخصومات أن هذا ينفعهم، إذ بهم وصلوا إلى النهاية عرفوا أنه ماذا؟ قد ذهبت هذه الحياة وهذه الأعمار ماذا؟ أدراج الرياح، وأنهم استفادوا منها في شيء في دنيا ولا في دين، لا في دنيا ولا في دين. فلهذا تندم من تندم، وتراجع منهم من راجع. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإن أصاب صاحبه الحق والسنة، وهذه فائدة عظيمة، إخواني في الله، أن نعلم أن الغاية لا تبرر الوسيلة، لا تبرر الوسيلة. بعض الناس قد يفتح على نفسه هذه الأبواب، يدخل في علم الكلام وما يتبعه من المنطق والفلسفة، أو يدخل في قسم الخصومات، أو في باب الجدال والمراء، يدخل لماذا؟ يقحم نفسه في باب ضلالة، يقول أخي: أنت تفهم أن هذا الباب يؤدي إلى نصرة الدين، وإلى إظهار الحق، وإلى إسكات الكفار وإسكات الملاحدة، يقول: لا، ما ينبغي أن تفعل ذلك، لا تجعل هذه الغاية على حد زعمك أن تبرر ما تفعل من ضلالات، هذه أشياء محدثة، أشياء نهى عنها السلف، أشياء حرمتها الشريعة. فلا ينبغي أن تدخل إلى باب من هذه الأبواب بحجة أنك تريد من هذا الباب مقصد خير. ولهذا يقول إمام أحمد رحمه الله تعالى فيما يؤثر عنه: «لا تجالس أصحاب الكلام، لا تجالس أصحاب الكلام وإن ذب عن السنة، وإن ذب عن السنة، فإن أمره لا يؤول إلى خير». فإن أمره لا يؤول إلى خير، لا تجالس أصحاب الكلام وإن ذب عن السنة وإن ذب عن السنة. أنظر من الغاية أنه يذب عن السنة، يدافع عنها، ينافح عنها، لكن بأي طريقة؟ بطريقة محدثة، بطريقة مبتدعة، وهو ماذا؟ بعلم كلام، بعلم منطق، بالخصومات، بالجدال، بالمراء. فقال إمام أحمد: «لا تجالس هؤلاء، قال: فإن أمره لا يؤول إلى خير». وبهذا نعلم إخواني في الله أن الرجل عليه في غايته وفي وسيلته وطريقته يكون على وفق السنة، على وفق الشريعة. فبعض الناس ربما في هذه الأزمان تقدح في نفسه بعض الأشياء، كيراه أن النصر للسنة كان يفتح باب الجدال، باب المناظرات، باب الخصومات والمهاترات، أو باب الردود، لا تفتح هذا الباب، يعظم نفسك هذا الباب، فيخشى عليك أن هذا الباب وإن كان فيه نفع في وجه معين، لكن ما يدوم معك، ما يدوم معك، فإن أمر هؤلاء لا يؤول إلى خير، لا يؤول إلى خير. وإنما افعل ما كان عليه السلف، وبلِّ ما أمرك به ربك جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، اجعل ذلك في آخر الشيء إن احتجت إليه، إن احتجت إليه. ولهذا كان السلف رحمه الله تعالى يبتعدون عن هذا، كان منهم من يأتي من المبتدعة: «نجادلكم؟ لا نجادل، نخاصمكم؟ لا نخاصم، نمناقشة؟ لا نمناقشة»، يتركون هذا الباب، مع أن السلف ليسوا لما تركوا هذا الباب عن جبن، هم لو دخلوا في هذه الأبواب لسكتوا كل مبتدع، بما أعد الله من قوة وبنان وحجة. لكن تركوا لأن هذا الباب إن دخلوه، شعاره ويحك إنك إن تفتحه تلجه، وإن دخلوا في هذا الباب سيكون أمرهم إلى ما لا تحمد عقباه. فعز السن الحصيف إخواني في الله، وخاصة في هذه الأيام، في هذه الأزمان، مع التداخل وتصادم الأمواج من الفتن، عليك أن لا تشغل نفسك بمن شغل به فلان وعلان، وإنما عليك يا عبد الله بما أثر عن السلف الصالح، الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وأعلم الناس ما ينفعهم. وأما الدخول في هذه الأمور فإن ذلك مما منعه السلف، وكذلك مما لا خير فيه، بل مما سيؤثر عليك في الحال أو في المآل. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.