الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 170، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل شهادة الكتب السماوية بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، مستندًا إلى أقوال ابن تيمية وتفسير آيات القرآن وتوراة بني إسرائيل. يُظهر كيف أن التوراة والإنجيل بشهادتهما تعد حجة على أهل الكتاب.
يتناول هذا الفصل مكانة البيت الحرام ومكة المكرمة في الإسلام، حيث ذكر العديد من الآيات القرآنية التي تشير إلى أهمية البيت الحرام وأنه أول بيت وضع للناس. كما يذكر قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
يروي هذا الفصل قصة بناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة، حيث أمر الله إبراهيم ببناء البيت، فقام بذلك مع ابنه إسماعيل. كما يشير إلى تعظيم الله لإسماعيل وذريته بسبب إيمانهم ونبوتهم، ويتناول أهمية الحج وتعظيم بيت الله.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بكتابه «الجواب الصحيح»: مدل دين المسيح فصل. ومما ينبغي أن يعرف ما قد نبهنا عليه غير مرة: أن شهادة الكتب المتقدمة لمحمد صلى الله عليه وسلم إما شهادتها بنبوته، وإما شهادتها بمثل ما أخبر به هو من الآيات البينات على نبوته ونبوة من قبله، وهو حجة على أهل الكتاب وعلى غير أهل الكتاب من أصناف المشركين الملحدين. وما قد ذكر الله هذا النوع من الآيات في غير موضع من القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةٌ أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء:197]، وقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس:94]، وقوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:43]، وقوله: ﴿إِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمَعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة:83-84]. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:107-109]. وذلك مثل قوله في التوراة: ما قد ترجم بالعربية: «جاء الله من طور سيناء»، وبعضهم يقول: «تجل الله من طور سيناء»، «وأشرق من ساعير»، «واستعلن من جبال فاران». قال كثير من العلماء: واللفظ لأبي محمد بن قتيبة، ليس بهذا خفاء على من تدبره، ولا غموض؛ لأن مجيء الله من طور سيناء: إنزاله التوراة على موسى من طور سيناء، كالذي هو عند أهل الكتاب عندنا. وكذلك يجب أن يكون إشراقه من ساعير: إنزاله الإنجيل على المسيح، وكان المسيح من ساعير أرض الخليل، بقرية تدعى ناصرة، وباسمها يسمى من اتبعه «نصارى». وكما وجب أن يكون إشراقه من ساعير بالمسيح، وكذلك يجب أن يكون استعلانه من جبال فاران: إنزاله القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، وجبال فاران هي جبال مكة. قال: «وليس بين المسلمين وأهل الكتاب خلاف في أن فاران هي مكة»، فإن ادعوا أنها غير مكة، فليس ينكر ذلك من تحريفهم وإفكهم. قلنا: أليس في التوراة أن إبراهيم أسكن هاجر وإسماعيل فاران؟ وقلنا: دلونا على الموضع الذي استعلن الله منه، واسمه فاران. والنبي الذي أنزل عليه كتابا بعد المسيح؟ أو ليس استعلن وعلن، وهما بمعنى واحد، وهو ما ظهر وانكشف؟ فهل تعلمون دينا ظهر ظهور الإسلام، وفشى في مشارق الأرض ومغاربها، فشوه؟ قال ابن ظفر: «ساعير جبل بالشام، منه ظهرت نبوة المسيح». قلت: وبجانب بيت لحم القرية التي يريد فيها المسيح قرية تسمى إلى اليوم «ساعير»، ولها جبل تسمى «ساعير». وفي التوراة أن نسل العيص كانوا سكانا بساعير، وأمر الله موسى أن لا يؤذيهم. وعلى هذا، فيكون ذكر الجبال الثلاث حقا: جبل حراء الذي ليس حول مكة جبل أعلى منه، ومنه كان نزول أول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، حوله من الجبال جبال كثيرة، حتى قد قيل: إن بمكة 12 ألف جبل. وذلك المكان يسمى «فاران» إلى هذا اليوم، وفيه كان ابتداء نزول القرآن. والبرية التي بين مكة وطور سيناء تسمى «برية فاران». ولا يمكن أحدا أن يدعي أنه بعد المسيح نزل كتاب في شيء من تلك الأرض، ولا بعث نبي. فعلم أنه ليس بالمراد باستعلانه من جبال فاران إلا إرسال محمد صلى الله عليه وسلم. وهو سبحانه ذكر هذا في التوراة على الترتيب الزماني، فذكر إنزال التوراة، ثم الإنجيل، ثم القرآن. وهذه الكتب نور الله وهداه. وقال في الأول: «جاء» أو «ظهر»، وفي الثاني: «أشرق»، وفي الثالث: «استعلن». وكان مجيء التوراة مثل طلوع الفجر، أو ما هو أظهر من ذلك. ونزول الإنجيل مثل إشراق الشمس، زاد به النور والهدى. وأما نزول القرآن، فهو منزلة ظهور الشمس في السماء. ولهذا قال: «واستعلن من جبال فاران». فإن النبي صلى الله عليه وسلم ظهر به نور الله وهداه في مشرق الأرض ومغربها، أعظم مما ظهر بالكتابين المتقدمين، كما يظهر نور الشمس إذا استعلت في مشارق الأرض ومغاربها. ولهذا سماه الله «سراجا منيرا»، وسمى الشمس «سراجا وهاجا». والخلق يحتاجون إلى السراج المنير أعظم من حاجتهم إلى السراج الوهاج؛ فإن الوهاج يحتاجون إليه في وقت دون وقت، وكما قيل: قد ينظرون به بعض الأوقات. وأما السراج المنير، فيحتاجون إليه كل وقت، وفي كل مكان، ليلا ونهارا، سرا وعلانية. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «زويت لي الأرض مشارقها ومغاربها». وزيبلغ ملك أمتي ما زويت لي منها. قالوا: «هذه الأماكن الثلاث أقسم الله بها في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:1-8]. فأقسم بالتين والزيتون، وهو الأرض المقدسة الذي ينبت فيها ذلك، ومنها بعث المسيح، فأنزل عليه فيها الإنجيل. وأقسم بطور سينين، وهو الجبل الذي كلم الله فيه موسى، وناداه من واديه الأيمن من البقعة المباركة من الشجرة. وأقسم بالبلد الأمين، وهي مكة، وهو البلد الذي أسكن إبراهيم ابنه إسماعيل به، وهو الذي جعله الله حرما آمنا، يتخطف الناس من حولهم خلقا، وأمرا، قدرا وشرعا. فإن إبراهيم حرمه، ودعا لأهله، فقال: «ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة، فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون». وقال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:125]. وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:126]. فأخبر الله تعالى أن إبراهيم دعا الله بأن يجعل مكة بلدا آمنا، واستجاب الله دعاء إبراهيم، وذكر ذلك في غير موضع، وبها بنى إبراهيم البيت، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:127]. إلى قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:129]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:96-97]. وقال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:1-4]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:57]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت:67]. فقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين:1-3]: إقسام منه بالأمكنة الشريفة المعظمة الثلاثة التي ظهر فيها نوره وهداه، وأنزل فيها الثلاثة: التوراة والإنجيل والقرآن، كما ذكر الثلاثة بالتوراة بقوله: «جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران». ولما كان ما في التوراة خبرا عنها، أخبر بها على ترتيبها الزماني، فقدم الأسبق فالأسبق. وأما القرآن، فإنه أقسم بها تعظيما لشأنها، وذلك تعظيم لقدرته سبحانه وآياته وكتبه ورسله. فأقسم بها على وجه التدريج درجة بعد درجة، فقدمها بأعلى الدرجات. فأقسم أولا بالتين والزيتون، ثم بطور سيناء، ثم بمكة؛ لأن أشرف الكتب الثلاثة القرآن، ثم التوراة، ثم الإنجيل. وكذلك الأنبياء. فأقسم به على وجه التدريج، كما في قوله: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات:1-4]. فأقسم بطبقات المخلوقات طبقة بعد طبقة. فأقسم بالرياح الذاريات، ثم بالسحاب الحاملات المطر؛ فإنها فوق الرياح. ثم بالجاريات يسرا، وقد قيل: إنها السفن، ولكن الأنسب أن تكون هي الكواكب المذكورة في قوله: ﴿فَأَقْسَمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير:15-16]. فسماها «جواريا» كما سمى الفلك «جواريا» في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الشورى:32]. والكواكب فوق السحاب. ثم قال: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات:4]، وهي الملائكة؛ أي: التي هي أعلى درجة من هذا كله. وما ذكر من قتيبة وغيره من علماء المسلمين من تربية إسماعيل في برية فاران، فهكذا هو في التوراة. قال فيها: «وغدا إبراهيم فأخذ الغلام وأخذ خبزا وسقاء من ماء، ودفعه إلى هاجر وحمله عليها، وقال لها: اذهبي. فانطلقت هاجر، فظلت في برية سبع، ونفذ الماء الذي كان معها، فطرحت الغلام تحت شجرة، وجلست في مقابلته على مقدار رمية بسهم؛ لئلا تبصر الغلام حتى حين يموت. ورفعت صوتها بالبكاء. وسمع الله صوت الغلام، فدعى ملك الله هاجر، وقال لها: ما لك يا هاجر؟ لا تخشي؛ فإن الله قد سمع صوت الغلام حيث هو. فقومي فحمي للغلام، شدي يدك به؛ فإني جعله لأمه عظيمة. وفتح الله عينيها، فبصرت بئر ماء، فسقط الغلام، وملأت سقاءها. وكان الله مع الغلام، فربا، وسكن في برية فاران». فهذا خبر الله في التوراة: أن إسماعيل ربي وسكن في برية فاران، بعد أن كاد يموت من العطش، وأن الله سقاه من بئر ماء. وقد علم بالتواتر واتفاق الأمم: أن إسماعيل إنما ربي بمكة، وهو وأبوه إبراهيم بنيا البيت. فعلم أن أرض مكة «فاران». والله تعالى قد أخبر في القرآن في غير موضع بكون إسماعيل كان بمكة. فقال عن الخليل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:35]. إلى قوله: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:37]. وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:124]. إلى قوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:125]. وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة:126]. إلى قوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:127-129]. وهذه البشارة في التوراة لهاجر بإسماعيل، وقول الله: «إني جعله لأمه عظيمة ومعظمة جدا جدا». وإن هاجر فتحت عينيها فرأت بئرا، فدنت منها إلى آخر الكلام. وفي موضع آخر، قال عن إسماعيل: «إنه يجعل يده فوق يد الجميع». ومعلوم اتفاق الأمم، والنقل: أن إسماعيل تربى بأرض مكة. فعلم أنها «فاران»، وأنه وإبراهيم بنيا البيت الذي ما زال محجوجا من عهد إبراهيم، تحجه العرب وغير العرب من الأنبياء وغيرهم. كما حج إليه موسى من عمران، ويونس من متى، كما في الصحيح من رواية ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بوادي الأزرق، فقال: «أي واد هذا؟» فقال: «هذا وادي الأزرق». فقال: «كأني أنظر إلى موسى صلى الله عليه وسلم هابطا من الثنية، واضعا إصبعيه في أذنيه، له جؤار إلى الله عز وجل بالتلبية، مارا بهذا الوادي». قال: «ثم سرنا حتى أتينا على ثنية، فقال: أي ثنية هذا؟» قالوا: «هرشا». فقال: «كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء، عليه جبة صوف، خطام ناقته ليف خلبة، مارا بهذا الوادي ملبيا». وفي رواية: «أما موسى فرجل آدم جعد، على جمل أحمر، مخطوم بخلبة». ولما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، أوجب حجه على كل أحد، فحجت إليه الأمم من مشارق الأرض ومغاربها. والبئر الذي شرب منها إسماعيل وأمه هي «بئر زمزم». وحديثها مذكور في صحيح البخاري عن ابن عباس، قال: «أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقا ليعفي أثرها على سارة. ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل، وهي ترضعه، حتى وضعها عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد. وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء. ووضع عندها جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء. ثم قفى إبراهيم انطلقا. فاتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت له: «آه الله أمرك بهذا؟» قال: «نعم». قالت: «إذن لا يضيعنا». ثم رجعت. فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجه البيت، ثم دعا بهذه الدعوات، فقال: «ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، حتى بلغ: «يشكرون». وجعل إسماعيل يرضع، ويشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفذ ما في السقاء، وعطش وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى. انطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض إليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا. فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، ونظرت هل ترى من أحد؟ فلم تر أحدا. ففعلت ذلك سبع مرات». قال ابن عباس: «قال النبي صلى الله عليه وسلم: فذلك سعي الناس بينهما. فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا، فقالت: «صه تريد نفسها». فسمعت أيضا، فقالت: «قد أسمعت إن كان عندك غواث». فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه أو قال: «بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوطه وتقول بيدها هكذا، تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعدما تغرف». قال ابن عباس: «قال النبي صلى الله عليه وسلم: يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم -أو قال: الزمزم- لم تغرف من الماء، لكان عينا معينا». قال: «فشربت، وأرضعت ولدها». فقال لها الملك: «لا تخافي الضيعة؛ فإنها هنا بيت الله، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله». وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذه عن يمينه وشماله. وكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرا عائفا، فقالوا: «إن هذا الطائر يدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء». فأرسلوا جريا أو جريين. فإذا هم بالماء، ورجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا. قال: «وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟» قالت: «نعم، ولكن لا حق لكم في الماء». قالوا: «نعم». قال ابن عباس: «قال النبي صلى الله عليه وسلم: فألفى ذلك أم إسماعيل، وهي تحب الأنس، فنزلوا. فأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام، وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شب. فلما أدرك زوجوه امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل. فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجده، فسأل امرأته عنه، فقالت: «خرج يبتغي لنا». ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: «نحن في ضيق وشدة». فشكت إليه. قال: «إذا جاء زوجك فأقرئي عليه السلام، وقولي له: يغير عتبة بابه». فلما جاء إسماعيل، كأنه أنس شيئا، فقال: «هل جاءكم من أحد؟» قالت: «نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا»، فسألنا عنك، فأخبرته، وأسأله عن عيشنا، فأخبرته أنا في جهد وشدة. قال: «فهل أوصاك بشيء؟» قالت: «نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، وقال: غير عتبة بابك». قال: «ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك». فلحقت بأهلها، فطلقها. ثم تزوج منهم أخرى. فلبث عنهم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد، فلم يجده، فدخل على امرأته، فسألها عنه، فقالت: «خرج يبتغي لنا». قال: «كيف أنتم؟» وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: «نحن بخير وسعة»، وأثنت على الله. قال: «ما طعامكم؟» قالت: «اللحم». قال: «فما شرابكم؟» قالت: «الماء». قال: «اللهم بارك لهم في اللحم والماء». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم دعا لهم فيه». قال: «فهما لا يخلوان منهما أحد بغير مكة، إلا لم يوافقاه». قال: «فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، ومريه أن يثبت عتبة بابه». فلما جاء إسماعيل، قال: «هل أتاكم من أحد؟» قالت: «نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة»، وأثنت عليه. فسألني عنك، فأخبرته، فسألني عن عيشنا، فأخبرته أنا بخير. قال: «فهل أوصاك بشيء؟» قالت: «نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويقول لك: أن تثبت عتبة بابك». قال: «ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك». ثم جاء إبراهيم بعد ذلك، وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبة من زمزم. فلما رآه قام إليه، فصنع كما يصنع الولد بالوالد، والوالد بالولد. ثم قال: «يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر». قال: «فاصنع ما أمرك ربك». قال: «وتعينني». قال: «وأعينك». قال: «فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتا»، وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها. قال: «فعند ذلك رفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام عليه، هو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:127]. قال: «فجعل يبني حتى إذا دار حول البيت، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:127]». وكانت بئر زمزم قد عميت، ثم أحياها عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، وصارت السقاية في ولده في العباس وأولاده، يسقون منها، ويسقون أيضا الشراب الحلو. والشرب من ذلك سنة. والله تعالى قال في إسماعيل: «إني جعله لأمه عظيمة ومعظمة جدا جدا». وهذا التعظيم المؤكد بجدا جدا يقتضي أن يكون تعظيما مبالغا فيه. فلو قدر أن البيت الذي بناه لا يحج إليه أحد، وأن ذريته ليس منهم نبي، كما يقول كثير من أهل الكتاب، لم يكن هناك تعظيم مبالغا فيه جدا جدا؛ إذ أكثر ما في ذلك أن يكون له ذرية. ومجرد كون الرجل له نسل عقب، لا يعظم به، إلا إذا كان في الذرية مؤمنون مطيعون لله. وكذلك قوله: «أجعله لأمه عظيمة». إن كانت تلك الأمة كافرة، لم تكن عظيمة. بل كان يكون أبا لأمة كافرة. فعلم أن هذه الأمة العظيمة كانوا مؤمنين، وهؤلاء يحجون البيت. فعلم أن حج البيت مما يحبه الله ويأمر به. وليس في أهل الكتاب إلا المسلمون. فعلم أنهم الذين فعلوا ما يحبه الله ويرضاه، وأنهم وسلفهم الذين كانوا يحجون البيت أمة أثنى الله عليها، وشرفها. وأن إسماعيل عظمه الله جدا جدا بما جعل في ذريته من الإيمان والنبوة. وهذا هو كما أثنى الله على نوح وإبراهيم بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد:26]. وقال في الخليل: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:27]. فعلم بذلك أن في إسماعيل وذريته معظمين عند الله ممدوحين، وأن إسماعيل معظم جدا جدا، كما عظم الله نوحا وإبراهيم. وإن كان إبراهيم أفضل من إسماعيل، لكن المقصود أن هذا التعظيم له ولذريته، وإنما يكون إذا كان ذريته معظمين على دين الحق. وهؤلاء يحجون إلى هذا البيت، ولا يحج إليه بعد مجيء محمد غيرهم. ولهذا لما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:97]، فقالوا: «لا نحج». فقالوا: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:97]. وأيضا، فهذا التعظيم المبالغ فيه الذي صار به ولد إسماعيل فوق الناس، لم يظهر إلا بنبوة محمد. فدل ذلك على أنها حق، وم