التعليقات على كتاب الأدب المفرد 230

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 230، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أذكار الصباح والمساء وتأكيدها على لسان النبي

كان النبي صلى الله عليه وسلم يردد أذكار الصباح والمساء، مثل 'اللهم عافني في بدني' و 'اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر'. هذه الأذكار تعبر عن طلب العافية والحماية من الله.

استعاذة النبي من الكفر والفقر وعذاب القبر وتفسيرها

النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ بالله من الكفر والفقر المدقع وعذاب القبر، مع التأكيد على أن الفقر مع الصبر له أجر عظيم. عذاب القبر ثابت بأحاديث كثيرة وأجمع عليه أهل السنة.

دعاء الكرب وفضله وأدعية مخصوصة

النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو الله في أوقات الكرب بأدعية مخصوصة مثل 'اللهم رحمتك أرجو' و 'لا إله إلا الله العظيم الحليم'. هذه الأدعية تعبر عن التذلل لله واللجوء إليه.

شرح رواية حديثية ومناقشتها

تم شرح رواية حديثية معينة ومناقشة صحتها في سياق سابق، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم بالصحة النهائية.

  • 15 جمادى الآخرة 1432هـ - 18/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد": حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا عبد الملك بن عمر، قال: حدثنا عبد الجليل، عن جعفر بن ميمون، وهو التميمي، صدوق يخطئ، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي بكرة، وهو أبو بحر، ويقال: أبو حاتم البصري، ذكر أنه أول مولود ولد في الإسلام بالبصرة، أنه قال لأبيه، وهو أبو بكرة نفيع بن الحارث: يا أبتي، إني أسمعك تدعو كل غداة -يعني الصباح- "اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت"، تعيدها ثلاثًا حين تمسي، "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلا أنت"، تعيدها ثلاثًا حين تمسي وحين تصبح ثلاثًا. فقال: نعم يا بني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بهن، وأنا أحب أن أستن بسنته. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت". الحديث حسنه الإعلام الألباني رحمه الله. وفي هذا الحديث، كما سمعنا، أن أبا بكرة رضي الله تعالى عنه كان يردد هذه الكلمات في صباحه ومسائه، فسأله عنها ابنه عبد الرحمن عن هذه الكلمات التي يسمعها منه، فذكر له أنه سمعها من النبي عليه الصلاة والسلام، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقولها في الصباح والمساء، فهي من أذكار الصباح والمساء التي كان يقولها عليه الصلاة والسلام: "اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت"، يعيدها ثلاثًا حين يمسي وحين يصبح، أي يكررها ثلاث مرات في الصباح وثلاث مرات في المساء. هذا فيه سؤال الله عز وجل العافية في البدن والسمع والبصر، ومعنى "عافني" أي سلمني، أو سلم هذه الأعضاء من الشرور والمساوئ. "اللهم عافني في بدني" أي سلم بدني من كل شر، ويشمل ذلك كل جوارح وأعضاء البدن: القلب، وهكذا كذلك الأيدي والأرجل والأعين والسمع إلى آخر الجوارح، أن يعافيك من الأمراض والأسقام والأوجاع. ثم خص من هذه الجوارح السمع والبصر، فقال: "اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري"، أي عافني في سمعي فلا أسمع إلا ما تحب، ولا أسمع إلا ما يرضيك، وهكذا "عافني في بصري" فلا أبصر إلا ما تحب وما يرضيك، فلا تستخدم السمع والبصر فيما يغضب الله سبحانه وتعالى. ولأن غالب ما يتأثر به الإنسان فيؤثر في قلبه من الشرور هو من طريق السمع والبصر، إما شيء يسمعه بأذنيه أو شيء يبصره بعينيه، فلذلك خص النبي عليه الصلاة والسلام ذكر السمع والبصر بالمعافاة بسبب ذلك. فإذا عفاك الله جل وعلا في سمعك وبصرك كان ذلك سببًا في معافاتك في سائر جسدك وبدنك، لأن أكثر الشر كما سمعنا هو من طريق السمع ومن طريق البصر. فما يدخل الإنسان في قلبه ربما يسمعه بأذنيه من سماع الغناء، وكذلك غير ذلك من المحرمات، أو ما يبصره بعينيه من النظر فيما حرم الله جل وعلا كالنظر للنساء وغير ذلك، فهو من طريق البصر. فإذا عفاك الله سبحانه وتعالى في سمعك وبصرك سلمك الله سبحانه وتعالى من كثير من الشرور. وهكذا كان يقول عليه الصلاة والسلام: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلا أنت"، كذلك كان يعيدها ثلاثًا إذا أصبح وإذا أمسى. كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من الكفر والفقر، والكفر هو الخروج عن دين الإسلام، ارتكاب أي قول أو فعل أو اعتقاد يخرج عن دين الإسلام، ويشمل ذلك كل نواقض الإسلام، كل نواقض الإسلام، ويدخل فيه كذلك الشرك بالله سبحانه وتعالى. فالكفر إذا أطلق دخل فيه الشرك، وهكذا كذلك الشرك إذا أطلق دخل فيه الكفر، وإذا اجتمعا افترقا، فكان الشرك ما دل الدليل الشرعي أنه من الشرك بالله سبحانه وتعالى. وكذلك كان أخص أنواع الكفر، فكل شرك بالله جل وعلا كفر، وليس كل كفر الشرك بالله، فقد يكون الكفر بغير الشرك، كجحود شيء مما جاءت به الشريعة، فهذا كفر وليس بشرك، أو استهزاء بشيء من الدين، فهذا كفر وليس بشرك. فالاستعاذة من الكفر تشمل كل ما يوقع في الكفر، فإنك تستعيذ بالله جل وعلا من الكفر، وهذا يشمل كذلك الكفر الأصغر والكفر الأكبر. والإنسان ضعيف وفقير إلى الله سبحانه وتعالى، مما بلغ من الإيمان والاستقامة، فإنه لا يأمن من مكر الله سبحانه وتعالى، فلذلك ينبغي أن يكون على فقر إلى الله عز وجل وخوف ووجل من الوقوع في الكفر وهو لا يعلم. فلذلك يستعيذ بالله جل وعلا من الكفر، وهذا إبراهيم عليه السلام الذي كسر الأصنام بيده، قال الله عز وجل عنه: أنه قال: "ربي اجنبني وبني أن نعبد الأصنام". سأل الله سبحانه وتعالى أن يجنبه عبادة الأصنام. فإذا لم يأمن على نفسه وهو الذي كسر الأصنام بيده، فمن الذي يأمن على نفسه بعد إبراهيم؟ فلذلك مهما بلغ الإنسان في الاستقامة والعلم والدين، فإنه لا يأمن على نفسه، بل ينبغي أن يكون متضرعًا إلى الله سبحانه وتعالى، ومعترفًا بضعفه وعجزه. وكذلك كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من الفقر، والمراد بالفقر هنا هو الفقر المدقع، الفقر الشديد الذي يوقع الإنسان في ارتكاب المحرمات، لا يصبر على ما يلاقيه من الفقر، فيجعله يرتكب ما حرم الله سبحانه وتعالى من سرقة أو أكل ربا أو كذلك وقوع في رشوة أو غير ذلك مما حرم الله سبحانه وتعالى، فهذا لا شك أنه بلاء عظيم، فهذا فقر يعتبر مذمومًا. أما الفقر الذي لا يوقع الإنسان في مثل ذلك، فهذا كان حال نبينا عليه الصلاة والسلام، وأكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا فقراء، والله جل وعلا لا يرضى لنبيه عليه الصلاة والسلام إلا ما كان خيرًا له، فهذا الفقر وقلة ذات اليد إذا صبر عليه الإنسان واحتسب وتعفف، كان له بذلك الأجر العظيم. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق، ورجل رحيم القلب لكل ذي قرب ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال". وقيل: المراد بالفقر هنا هو فقر النفس، أن يكون فقير النفس مهما أعطي من الأموال ومتاع الدنيا، فيرى نفسه أنه فقير لا شيء معه، فهذا كذلك من الأمور المذمومة التي كان يستعيذ منها النبي عليه الصلاة والسلام. قال: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر"، كذلك كان يستعيذ عليه الصلاة والسلام من عذاب القبر، أي من فتنة الملكين اللذين يسألان الميت في قبره، وهكذا ما يكون في القبر من عذاب كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وذلك بحسب أعمال العبد. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله جل وعلا من عذاب القبر، وهذا ثابت بأحاديث كثيرة، بل أدل على ذلك القرآن، وأجمع عليه أهل السنة والجماعة، خلافًا لأهل البدع من المعتزلة وغيرهم الذين أنكروا عذاب القبر. قال: "لا إله إلا أنت"، يعيدها ثلاثًا. فأخبره أبو بكرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يفعل ذلك، أن يستعيذ بالله عز وجل من هذه الأمور الثلاثة في كل صباح وفي كل مساء ثلاثًا. وأخبره أنه فعل ذلك اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بهن، وأنا أحب أن أستن بسنته". وهذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم متبعين لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ما إن يسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول شيئًا أو يفعل شيئًا إلا وسارعوا إلى الاقتداء به، لشدة محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا هو دليل المحبة، هو الاتباع، ليست محبة النبي صلى الله عليه وسلم ادعاء بالقول أو بإقامة الموالد والاحتفالات، إنما تكون بمتابعته والاقتداء بسنته عليه الصلاة والسلام. ثم ذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت". وهذا وجه الشاهد من ذكر هذا الحديث في باب الدعاء عند الكرب. أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر وأخبر أن من أصابته كربة فإنه يدعو بهذا الدعاء: "اللهم رحمتك أرجو"، فإنك تلجأ إلى الله سبحانه وتعالى بطلب رحمته، وأن ينزل عليك رحمته، والذي يملك الرحمة هو الله سبحانه وتعالى، فلذلك ينبغي أن تطلبها منه. قال: "ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين"، يعني اجعلني خاضعًا لك ومتذللًا إليك، وكذلك راجًا لرحمتك، ولا تكلني إلى نفسي، أي لا تجعلني ممن يتكل على نفسه ويعتمد على نفسه، فإن ذلك لا يصدر إلا من مغرور، الذي يتكل بنفسه، وكذلك ينظر إلى أعماله ولا يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى، فهذا هو المغرور الجاهل الذي ما عرف الله سبحانه وتعالى، ولا عرف كذلك حقيقة نفسه وأنه فقير إلى الله عز وجل مهما عمل من أعمال وطاعات، ومهما بلغ في التقى والإيمان، فهو لا يستغني عن الله عز وجل. قال: "وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت". كذلك تسأل من الله سبحانه وتعالى أن يصلح لك حالك وشأنك، لأن الأمور كلها بيد الله سبحانه وتعالى، وكل ما يصيبك من أمر فالله سبحانه وتعالى يعلمه، والذي يستطيع أن يزيله عنك هو الله سبحانه وتعالى، فلذلك تدعو الله عز وجل أن يصلح لك شأنك وحالك. وهذا مما يناسب ذكره في مثل حصول الكرب والهم الذي يصيب الإنسان، بسبب شيء أو تغير حال من الأحوال عليه، فإنه يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى فيرجو رحمته، ويخضع لربه سبحانه وتعالى، ويتذلل له، فيسأله أن يصلح له شأنه وحاله. قال: حدثنا محمد بن عبد العزيز، وهو العمري أبو عبد الله الرملي، قال: حدثنا عبد الملك بن الخطاب بن عبيد الله بن أبي بكرة، وهو مقبول، قال: حدثني راشد أبو محمد، وهو ابن نجيح، صدوق ربما أخطأ، عن عبد الله بن الحارث، وهو الهاشمي أبو محمد المديني، ثقة، قال: سمعت ابن عباس يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم". "اللهم صرف شره". والحديث بهذا السند ضعيف، لكنه صحيح بشواهده، وأصله كما مر معنا في الصحيحين، إلا أن زيادة "اللهم صرف شره" فهي زيادة منكرة، كما أشار إلى ذلك الشيخ الألباني رحمه الله. وفي هذه الرواية تختلف عن الرواية التي قبلها في قوله: "لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم". والرواية التي قبلها "لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم". وكلها صحيحة، والحديث كما مر قد تكلمنا عليه في الحديث السابق، إلا هنا. والله تعالى أعلم.