الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 262، ألقاها
حذر إمام البخاري من الغناء لكونه يشغل عن ذكر الله ويهيج النفس على الفواحش. يرى السلف أن الغناء بريد الزنا وموت القلوب.
الغناء هو صوت الشيطان ويحرم استحلال المعازف والغناء. فسر السلف آية ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ بالغناء وأشباهه.
الغناء يضل عن سبيل الله ويحرم بيع وشراء آلات الغناء. ينبغي اجتناب الغناء لما فيه من ضرر.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد"، باب الغناء واللهو: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني عبد العزيز، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن دينار قال: خرجت مع عبد الله بن عمر إلى السوق، فمر على جارية صغيرة تغني، فقال: إن الشيطان لو ترك أحدا لترك هذه. هذا الباب ترجمه رحمه الله بقوله: "باب الغناء واللهو"، وأراد بعقد هذا الباب التحذير من الغناء واللهو. والغناء معروف، واللهو كل ما يشغل الإنسان عن ذكر الله عز وجل من قول أو فعل، فهو لهو، وهو أعم من الغناء، فعطفه هنا من عطف العام على الخاص. فالغناء من اللهو، واللهو يشمل الغناء وغيره مما يشغل عن ذكر الله سبحانه وتعالى. ولأن الغناء خصه بالذكر لأنه من أعظم ما يشغل الإنسان عن ذكر الله، ويصده عن ذكر الله سبحانه وتعالى، وهو بريد الشر وسبب للوقوع في الشر. فإذا سمع الغناء فإنه يهيج النفس، فمن الغناء ما يهيج النفس على فعل الفواحش والزنا، ومنه ما ربما يهيج النفس على فعل الجرائم، ومنه ما يهيج النفس على الخروج عن طاعة الله وعن شريعة الله سبحانه وتعالى. ولهذا كان يقول السلف: "الغناء بريد الزنا"، أي من أعظم الأسباب الموصلة للوقوع في الزنا، وهو سبب عظيم لموت القلوب ومرضها، وهو كذلك مما يصد عن ذكر الله سبحانه وتعالى. ولا تجد كثيرا ممن يبتلى بسماع الغناء وحب الغناء يكره سماع القرآن، وربما لو سمع القرآن لا يحب أن يقفل على أذنيه أو كذلك أن يقفل المسجل الذي يسمع منه القرآن، ويشعر بضيق ويشعر كذلك بحرج شديد. لكن إذا سمع الغناء يطمئن ويرتاح، وذلك من تلبيس الشيطان. ولهذا قال القحطاني رحمه الله: "حب الكتاب وحب ألحان الغناء في قلب عبد ليس يجتمعان". الذي يحب القرآن تجده يعرض عن الغناء، والذي يحب الأغاني يعرض عن القرآن، لأنه لا يجتمع في قلب العبد حب كلام الله سبحانه وتعالى الذي هو أفضل الكلام وأعظمه وأصدقه، وحب صوت الشيطان وهو الغناء. ثم ذكر أثر عبد الله بن عمر حين مر في السوق فسمع جارية تغني، قال: "إن الشيطان لو ترك أحدا لترك هذه". ومعنى ذلك أن وراء المغنين والمغنيات هو الشيطان، أن وراءهم الشيطان، فهو الذي يوقعهم في مثل هذا الذنب ومثل هذا الأمر. ولهذا كما ذكر أهل العلم أن الغناء هو صوت الشيطان، وفسروا قول الله عز وجل: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك﴾، قالوا: صوت الشيطان هو الغناء، لأن وراء الغناء هو الشيطان. قال: حدثنا محمد بن سلام قال: أخبرنا يحيى بن محمد أبو عمر البصري قال: سمعت عمرا مولى غفار - وليس المطلب - قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لست من دد ولدد مني بشيء". قال: يعني ليس الباطل مني بشيء. وهذا الحديث في أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لست من دد ولدد مني بشيء". والدد على وزن غد، والدد هو الباطل، كما جاء مفسرا في هذا الأثر، أي لست من أهل الباطل، ولا الباطل مما أتعلق به أو أتصف به. فلست مني الباطل في شيء، وهذا معناه صحيح وأمر واضح، أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس الباطل منه في شيء، فكل ما يأتي به عليه الصلاة والسلام فهو حق من قول أو فعل. وأراد بذلك أن من الباطل الغناء، من الباطل الغناء، فالغناء ليس من هدي النبي عليه الصلاة والسلام ولا من شريعته ولا من سنته، بل جاء التحذير منه. قال عليه الصلاة والسلام: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحرى والحريرة والخمر والمعازف". والمعازف جميع آلات اللهو والطرب، فهي داخل في قول عليه الصلاة والسلام: "والمعازف". والاستحلال هنا الاستحلال الفعلي، بمعنى يستحلون فعلها كأنها حلال، كأنها حلال، فتجد الناس يفعلون هذه المعاصي كأنها حلال لهم، وهي مما حرمها الشارع ونهى عنها. قال: حدثنا حفص بن عمر قال: أخبرنا خالد بن عبد الله قال: أخبرنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾، قال: الغناء وأشباهه، أي فسر عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما حبر هذه الأمة وفقيهها، فسر هذه الآية: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾، قال: الغناء وأشباهه، أي من اللهو الباطل الذي يشغل ويصد عن ذكر الله سبحانه وتعالى. وجاء تفسير هذه الآية عن غيره من السلف كما ذكر غير واحد من المفسرين كالطبري وغيره. وكذلك أيضا جاء عن ابن مسعود أنه كان يقول: "والله الذي لا إله إلا هو، إنه الغناء". يعني المراد بلهو الحديث، فهو من الحديث الباطل والقول الباطل الذي يضر الإنسان ولا ينفعه. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله﴾، واللام هنا ليست للتعليل، وإنما للغاية، أي غاية الغاية التي توصل الإنسان لمن اشترى لهو الحديث من الغناء وغيره نحوه هو الإضلال عن سبيل الله. فالغناء يضل عن سبيل الله، ولهذا تجد أكثر المبتلين بسماع الغناء في غفلة عظيمة عن طاعة الله سبحانه وتعالى وعبادته. فتجده منهمكا في المعاصي، ربما في شرب المحرمات أو في ارتكاب الزنا، مضيعا للصلوات، ومحركا لأوقاته إلى آخر ذلك من أنواع الصد عن سبيل الله. ربما قاطعا لأرحامه، وعاقا لوالديه إلى آخر ذلك. فلا تجد مغنيا حريصا على الطاعة، فهل الغناء يدفع الإنسان إلى المحافظة على الصلوات في بيوت الله عز وجل، أو يدفعه إلى فعل الخيرات واجتناب المحرمات، أو يدفعه إلى صلة الأرحام أو بر الوالدين؟ الجواب: لا، بل هو يصد عن سبيل الله، فهو يضل العبد عن طاعة الله وعن سبيل الله عز وجل. وفي الآية كذلك دليل على عدم جواز شراء وبيع آلات الغناء وما كان يماثلها مما يصد عن سبيل الله عز وجل. فالمتاجرة في مثل ذلك من التجارة المحرمة، التجارة في آلات الأغاني ونحوها فهي من التجارة المحرمة، لأن ما حرمه سماعه أو الانتفاع به فإنه يحرم بيعه وشراؤه. قال: حدثنا محمد بن سلام قال: أخبرنا الفزاري وأبو معاوية قال: أخبرنا قنان بن عبد الله النخعي - وليس النهمي - عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفش السلام تسلم، والأشرة شر". قال أبو معاوية: والأشرة العبث. وهذا الحديث حسن، حسنه الألباني رحمه الله. ففي هذا الحديث ترغيب من النبي عليه الصلاة والسلام في إفشاء السلام، وأنه سبب لحصول المسالمة. "أفش السلام تسلم"، أي تسلم من التفرق والاختلاف والتباغض، لأن إفشاء السلام من أعظم أسباب انتشار المحبة. وهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا دلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم". فإذا أفشى السلام حصلت السلامة من التفرق والاختلاف والتباغض، لأنه إذا مر أخوك المسلم بجانبك ولم يسلم وقع في نفسك شيء: لماذا لم يسلم؟ هل بيني وبينه شيء؟ هل أخطأت عليه؟ فيقع في الأنفس شيء. لكن لو مر وسلم، صارت الأمور على أحسن ما يرام، فيحصل السلامة كما أخبر عليه الصلاة والسلام: "أفش السلام تسلم". قال: "والأشرة شر". والأشرة شر، قال: والأشرة العبث، يعني كل ما فيه عبث وعدم انتفاع، فهو من الشر الذي ينبغي أن يجتنبه المسلم. ومنه الغناء واللهو، منه الغناء واللهو، فهو من الشر الذي ينبغي أن يجتنبه المسلم، لأنه كما سمعنا لا يحث على طاعة، ولا يدفع إلى خير، وإنما بالعكس يصدك عن سبيل الله وعن طاعة الله، ويحثك على معصية الله سبحانه وتعالى، فلذلك ينبغي اجتنابه. فهذا وجه ذكر هذا الحديث في هذا الباب، أن الغناء من العبث واللهو الذي ينبغي أن يجتنب، لأنه من الشر الذي يضر الإنسان ولا ينفعه. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.