الدرس في شرح لامية شيخ الإسلام 16، الدرس السادس عشر : ( ولِكُلِّ حَيٍّ عَاقِـلٍ في قَبْـرِهِ ) إلى ( وَإِنِ ابْتَدَعْتَ فَمَا عَلَيْكَ مُعَـوَّلُ ). ألقاها
يتحدث هذا الفصل عن الإيمان بوجود الجنة والنار حاليًا واستدلالات ذلك من القرآن والسنة، كما يتناول أعمال الإنسان في قبره وعلاقتها بدخوله الجنة أو النار. يشدد على أهمية رحمة الله وفضله في دخول الجنة.
يناقش هذا الفصل اعتقاد أهل السنة والجماعة بأن العذاب أو النعيم في القبر يكون على الروح والجسد معًا، ويشرح المراحل الثلاث للإنسان: الدنيا والقبر والآخرة، ويوضح أن عذاب القبر يشمل المؤمنين والكفار بدرجات متفاوتة.
يفسر هذا الفصل الأبيات الشعرية التي تشرح معتقد الأئمة الأربعة وتؤكد على أن اتباعهم هو سبيل التوفيق، بينما ابتداع طرق جديدة هو سبيل الضلال والبعد عن الهدى.
يختتم هذا الفصل بالدعاء بأن يوفقنا الله لاتباع أحسن الأقوال والأفعال، ويشمل الثناء على الله والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معبرًا عن الختام والتأكيد على أهمية الاتباع.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم ما بعد، تكلمنا في الدرس الماضي على قول الشيخ رحمه الله تعالى: «والنار يصلاها الشقي بحكمة، وكذا التقي إلى الجنان سيدخل». وذكرنا هناك بعض المسائل المتعلقة بالجنة والنار. من تلك المسائل أن الجنة والنار موجودتان الآن، كما دل على ذلك الكتاب والسنة. وذكرنا بعض الأدلة من ذلك. فإن الله عز وجل أخبر أنه أعد الجنة، وكذلك أخبر أنه أعد النار، كما في قول سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وأيضًا قول سبحانه وتعالى في آية أخرى: ﴿وَسَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾. وقال في النار: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. وكذلك ما جاء في مسند أحمد، وذكرناه في الدرس الماضي، أن الله لما خلق الجنة، قال لجبريل: «اذهب فانظر إليها». فنظر إليها، فقال: «لا يسمع بها أحد إلا دخلها». ثم حفت بالمكاره، فقال: «خشيت أن لا يدخلها أحد». ثم قال له: «انظر إلى النار». فقال: «لا يسمع بها أحد وعزتك يا رب إلا دخلها». ثم حفت بالشهوات، فقال: «وعزتك يا رب خشيت أن لا ينجو منها أحد». أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، وهو حديث صححه العلامة الألباني وكذا العلامة الوادعي. وكذلك ذكرنا البيت الآخر، وهو قول رحمه الله تعالى: «ولكل حي عاقل في قبره عمل يقارنه هناك ويسأله». وذكرنا هناك أن الله عز وجل رتب دخول الجنة بسبب الأعمال، فرتب الأعمال لتكون سببًا لدخول الجنة، وكذلك أعمالًا تكون سببًا لدخول النار. فمن عمل بالطاعات دخل بسببها الجنة بعد فضل الله عز وجل ورحمته، ومن كان من أهل أو عمل الكفر والمعاصي وما شابه ذلك من الشركيات، فهو يدخل النار بسبب عمله، وهذا مقتضى عدله سبحانه وتعالى وحكمته. فقوله رحمه الله تعالى: «ولكل حي عاقل في قبره عمل يقارنه»، لكن هناك ما ثبت في مسند أحمد وغيره، في حديث البراء، أن العمل يكون جليسًا لصاحبه، فإما أن يكون العمل صالحًا فيكون مؤنسًا لصاحبه في الجنة. يكون ذلك العمل مؤنسًا لصاحبه في الجنة. وقد جاء في مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات الإنسان تبعه ثلاثة: عمله وماله وولده». قال: «فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع المال والولد، ويبقى العمل». أن يبقى العمل مع الرجل مع ذلك العبد في قبره، إن كان خيرًا فخير يجد، وإن كان شرًا شرًا يجد، ولا يظلم ربك أحدًا. فالله عز وجل رتب الأمور وجعل لكل شيء سببًا، فرتب الأسباب وجعلها أسبابًا لأمور أخرى لدخول جنة أو دخول نار. وهذه الأعمال كما سمعتم سبب، ولكن الأمر كله لله عز وجل. فإن أدخل الله عز وجل العبد الجنة وإن عمل من الأعمال ما عمل، فهو بفضل الله عز وجل ورحمته. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حينما قيل له: «ولا أنت يا رسول الله؟» قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أكمل الناس علمًا بالله عز وجل وتقى وإيمانًا وعملًا صالحًا، ومع هذا يقول هذه المقالة ليبين أن الأمر لله عز وجل أولًا وآخرًا، وما هذه الأعمال إلا هي أسباب لدخول الجنة، فالفضل من الله عز وجل وإليه. وقوله رحمه الله تعالى: «ولكل حي عاقل في قبره عمل هناك ويسأل»، ذكرنا أمس أيضًا على قوله: «ويسأل»، أن هذا في إشارة إلى فتنة القبر. وفتنة القبر تكون قبل العذاب أو النعيم، وهذا بسؤال الملكين العبد عن ربه ودينه ونبيه. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في مسائل القبر بعض المسائل. نذكر بعضها. من هذه المسائل التي ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى في هذا الباب، مسألة العذاب أو النعيم، هل يكون على الروح أو يكون على الجسد؟ العذاب في القبر أو النعيم في القبر، هل يكون على الروح أو يكون على الجسد؟ أهل السنة والجماعة في هذا المقام يقولون: إن النعيم أو العذاب في القبر يكون على الروح والجسد تابع له. والجسد تابع له، بمعنى أنه يقع عليهما، يقع على الروح وعلى الجسد. قالوا: إن الإنسان له ثلاث مراحل. المرحلة الأولى في الدنيا، والمرحلة الثانية في القبر في البرزخ، والمرحلة الثالثة في الجنة أو في النار. فأما المرحلة الأولى فيقع النعيم والعذاب على الجسد والروح تابعة له، هذا في الدنيا. لذا تجد الأصل أن التنعم يكون للجسد والروح تابعة له. وفي القبر العكس، يحصل النعيم أو العذاب على الروح والجسد كذلك تابع له. وفي الجنة أو في النار يكون النعيم أو العذاب لكليهما، أي للروح والجسد، لأن حياة الآخرة في الجنة أو النار تكون أتم الحياة لهذا المخلوق. فلذا يقع النعيم على الروح والجسد معًا، ويقع العذاب كذلك على الروح والجسد معًا. هذه مسألة من المسائل، أي في مسألة عذاب القبر أو مسألة ما ينعم، الروح أم الجسد؟ وكذلك هناك بعض المسائل المتعلقة بنعيم القبر وعذابه. من هذه المسائل المتعلقة بفتنة القبر، هل فتنة القبر وعذاب القبر يكون للمؤمنين أم للكفار؟ العذاب في القبر هل يكون للمؤمن والكافر أم يكون للكافر فقط؟ الجواب: أنه يكون للمؤمن ويكون للكافر، يكون للمؤمن ويكون للكافر، إلا أن عذاب الكافر أشد من عذاب المؤمن، وذلك لأن المؤمن معه أصل الإيمان، وهذا يخفف عنه. لذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى بناء على هذه المسألة مسألة أخرى، وهي: هل العذاب في القبر دائم أم أنه ينقطع؟ العذاب في القبر هل هو دائم أم أنه منقطع؟ والجواب: أن عذاب القبر نوعان، منه الدائم ومنه المنقطع. الدائم ما يحصل للكافرين، وهذا قد دلت عليه الأدلة الكثيرة، منها قول الله عز وجل في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. فهذا يدل على أن عذاب هؤلاء مستمر إلى قيام الساعة، فإذا قامت الساعة انتقلوا إلى النار واشتد عليهم العذاب أكثر وأكثر في نار جهنم. وأما بالنسبة للمؤمنين، فمنهم من يخفف عنه، ومنهم من يستمر عليه العذاب، بحسب جرم ذلك المؤمن. وقد أشار العلماء رحمهم الله تعالى إلى أن من أسباب تخفيف العذاب وانقطاعه، الأعمال الصالحة. أي قد يكون الرجل لذاك الذي فعل من الأعمال ما تتكاثر، فينفعه الله عز وجل بها، كما يدل عليه حديث أبي هريرة: «إذا مات الإنسان قطع عمله إلا من ثلاث». وقالوا: كذلك قد يكون باستغفار ولد له أو ما شابه ذلك. وقد يكون التخفيف جزئيًا، أي يقع تخفيف ثم يستمر العذاب. واستدلوا على ذلك بما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس في قصة الرجلين الذين مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبريهما، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير». ثم قال: «بلى، إنه لكبير». ثم ساق الحديث، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع على كل قبر منهما جزءًا من جريدة رطبة، ثم قال: «إنه لا يخفف عنهما ما كانتا رطبتين». أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم علق التخفيف بكون هذه الجريدة رطبة، ومعناه أنها إذا يبست ذهب ذلك التخفيف، كما ذكر ذلك بعض أهل العلم. قال رحمه الله تعالى: «هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد». ينقل هذا اعتقاد الشافعي، أي الإمام الشافعي محمد بن إدريس بن شافع القرشي، أحد أئمة الأمة الأعلام، وهو كما يقال: «نار على علم». فهو إمام مذهب من المذاهب المشهورة من زمنه إلى زماننا هذا. وقد كان رحمه الله تعالى يلقب بناصر السنة، وقد آتاه الله عز وجل فقهًا وفهما دقيقًا لكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مع رحابة صدر واسعة عقل وعلم، رحمه الله تعالى. قال: «ومالك»، ومالك هو إمام دار الهجرة، مالك بن أنس الأصبحي، كما يذكر العلماء من اليمن. كان إمام دار الهجرة، أي إمام المدينة في زمنه، وكان إمامًا حافظًا ثقة جليلًا نبيلًا رحمه الله تعالى، مهابًا وقورًا. وكان كما سمعتم من الأثبات، بل كما ذكر بعض أهل العلم أنه كان أحد أركان الدين في زمنه، وأحد حجة الله عز وجل على الناس في زمنه، رحمه الله. قال: «وأبي حنيفة»، وهو النعمان بن ثابت، وهو كذلك من أصحاب المذاهب المشهورة. قوله رحمه الله تعالى: «ثم أحمد»، والمراد به الإمام أحمد بن حنبل بن محمد بن حنبل، إمام السنة والجماعة، وهو ممن رفع الله عز وجل شأنه وأعلى ذكره ومنزلته من زمنه إلى زماننا هذا وإلى ما شاء الله عز وجل، لما ابتلاه الله عز وجل في مسألة فتنة خلق القرآن، وصبره واحتسابه وبذله لنفسه في طاعة الله وفي سبيل الله عز وجل، حتى كشف الله عز وجل به تلك الفتنة، فكان الناس بعده مؤتمين به متبعين له، لما كان يحمله من السنة والثبات عليها والنصر لها. فقول الإمام رحمه الله تعالى: «هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد»، ينقل في إشارة إلى أن هذا المعتقد المذكور من أوله إلى آخره، هؤلاء الأئمة الأعلام الذين شهد لهم الناس بالإمامة في الدين، أن هذا هو معتقدهم، وأن هذا ما كانوا عليه من المعتقد وما كانوا عليه من الدين وما كانوا عليه من الطريق القويم. وفي قول: «هذا اعتقاد»، إشارة إلى ما تقدم في أول الدروس من قوله: «اسمع كلامًا محققًا»، ومعنى في قوله: «كما مر»، معنى أنه أراد في اعتقاده وفي تحقيقه لما يقول. لذا قال رحمه الله تعالى في آخر بيت: «فإن اتبعت سبيلهم فموفق، وإن ابتدعت فما عليك معول». بعد أن ذكر المعتقد من أوله إلى آخره، وأخبر أن هذا المعتقد معتقد الأئمة الأعلام، وذكر منهم أربعة من أئمة المذاهب المشهورة. ثم قال رحمه الله: «فإن اتبعت سبيلهم فموفق»، لماذا موفق؟ لأنك اتبعت سبيل من قد شهد له بالإمامة في الدين، وأنه على صراط مستقيم، وأنه على هدى وعلى تقى وعلى إيمان وعلى علم وعلى خير واستقامة. ومن كان هذا حاله اتبع. لذا قال: «فإن اتبعت سبيلهم»، أي طريقهم الذي ساروا فيه وماتوا عليه. ولما كان هذا الطريق الذي ساروا عليه طريقًا قويما وصراطًا مستقيما، استمر الناس في الثناء عليهم وفي ذكرهم بالخير في كل زمن ومكان. فالشيخ رحمه الله يقول: «فإن اتبعت سبيلهم»، أي سبيل هؤلاء الذين ساروا على سبيل سواء، فموفق، أي هذه علامة من علامات توفيق الله عز وجل لك. قال: «وإن ابتدعت فما عليك معول». وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان ما عنده إلا طريقان، إما طريق الاستقامة والسلامة والخير، وإما طريق آخر وهو طريق الشر والبدعة وفتح باب المحدثات. لذا قال: «وإن ابتدعت»، أي أحدثت في الدين ما ليس فيه. والبدعة كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى لغة: هو من «بدعة يبدع بدعة»، وهو أن يحدث شيئًا لا أصل له، أن يحدث شيئًا من عند نفسه. وأما شرعًا، فقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى معناها، كما ذكر ذلك الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى، فقال: «هي طريقة في الدين مخترعة، أتي بها أو سلكت للتعبد، أي للتقرب إلى الله عز وجل، ومضاهاة الشريعة»، أي قصد بها التعبد بسلوكها، قصد بها التعبد بسلوكها، وإلا هي في الحقيقة مخترعة. فالحاصل من هذا أن الإنسان كما سمعتم بين طريقين، بين طريق الهدى وبين طريق الضلالة، وبين سنة أو بدعة. فإن كان خلف هؤلاء الأئمة الأعلام، فهو على خير وسنة واستقامة. وإن رأى أن يحدث أو يحدث لنفسه طريقًا آخر، فهذا فاتح باب ضلالة والعياذ بالله. لذا قال الشيخ رحمه الله: «فما عليك معول»، أي ما عليك يتعول ولا ينظر إليك، لأنك خالفت هديهم وسلكت طريقًا غير طريقهم. فما عليك معول، فلا ينظر إليك ولا يقتدى بك، بل تكون منبوذًا مبعدًا في قلوب الناس ونفوسهم، لأنك فتحت باب شر وبدعة على الإسلام والمسلمين. وبهذا نكون انتهينا من هذه المنظومة. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه قريب مجيب. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.