شرح لامية شيخ الإسلام 6

الدرس في شرح لامية شيخ الإسلام 6، الدرس السادس : ( وَأَقُولُ قَالَ اللهُ جَلَّ جَلاَلُهُ ... وَ الْمُصْطَفَى الْهَادِي وَلاَ أَتَأَوَّلُ ). ألقاها

مقدمة في شرح قصيدة اللامية لشيخ الإسلام

يبدأ الشيخ بشرح بيت من قصيدة اللامية، مؤكدًا على اعتقاده في القرآن والسنة وعدم تأويل كلام الله ورسوله. يُفصّل معنى الإصطفاء للنبي محمد ودوره كمرشد.

مفهوم أهل السنة والجماعة في التعامل مع النصوص

يشرح المقطع مفهوم أهل السنة والجماعة في التعامل مع النصوص الشرعية، ويبين اختلافهم مع فرق أخرى في فهم وتفسير هذه النصوص. يؤكد على الأخذ بالظاهر دون تأويل.

التأويل في الإسلام وتطوره ومعانيه

يناقش مفهوم التأويل وتطوره عبر الزمن، حيث تطور من وصف تفسير الآيات إلى صرف اللفظ عن ظاهره بقرينة، مع توضيح أنواع التأويل المختلفة.

ختام الحديث واعدًا بالاستكمال

يختتم المتحدث حديثه ويعد باستكماله في ليلة قادمة، داعيًا الله للجميع بالتوفيق لما يحب ويرضى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في اللامية: وأقول في القرآن ما جاءت به آياته فهو الكريم المنزل، وأقول قال الله جل جلاله والمصطفى الهادي ولا أتأول. تقدم معنا في الدرس الماضي الكلام على البيت الأول، وذكرنا هناك بعض المسائل المتعلقة بالقرآن، وفي هذا البيت في قوله: وأقول قال الله جل جلاله كما تقدم وتكرر، ولعله أن يكون تقرر أن القول يطلق ويراد به أيضًا الاعتقاد والمذهب، فقوله وقال الله وأقول قال الله أي أقول ما قال الله، أي ما جاء في كتاب الله عز وجل، وقاله الله عز وجل وقرره الله عز وجل، فأنا أقول به وأعتقده. قال وأقول قال الله جل جلاله، وجل بمعنى عظم، جل جلاله أي عظم عظمت عظمته سبحانه وتعالى، لأن الجلال يذكر ويراد به العظمة. قال والمصطفى الهادي ولا أتأول، والمصطفى المراد به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فهو مصطفى من الخلق صلى الله عليه وعلى آله وسلم، اصطفاه الله عز وجل فحمله الله عز وجل هذه الرسالة التي هي أعظم الرسائل وأجلها، وجعله الله عز وجل إمام النبيين وجعله الله عز وجل خاتم النبيين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالإصطفاء والإجتباء والاختيار معاني متقاربة، فالمصطفى هنا بمعنى المختار والمجتبى. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم» كما في حديث واسلة عند مسلم. وجاء أيضا أنه قال: «أنا من خيار» صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنسبه خير الأنساب، فهو من ولد هاشم صلى الله عليه وعلى آله وسلم اصطفاه الله عز وجل كما سمعتم بحمل رسالته التي جعلها الله عز وجل آخر الرسالات والناسخة لجميع الرسالات. قوله الهادي والمصطفى الهادي أي أن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم هادي إلى الله عز وجل، كما قال الله عز وجل عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، فنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم جعل له الله عز وجل وجعل فيه الهداية هداية الدلالة والإرشاد، فهو يبين وهو يرشد وهو يوضح ويبين وينصح إلى طريق الله عز وجل وإلى صراط الله عز وجل المستقيم. فقالها هنا والمصطفى الهادي أي الهادي إلى صراط مستقيم. وقوله وأقول قال الله جل جلاله والمصطفى الهادي ولا أتأول أي أن اعتقاد أهل السنة والجماعة هو مأخوذ من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فلا يخرج عنهما، لا يخرج معتقد أي السنة والجماعة عن هذين الأصلين عن الكتاب والسنة. فما جاء به كتاب الله عز وجل أخذنا به وآمنا به، وما جاء في صحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك آمنا به وأخذنا به دون أي غضاضة، بل يؤخذ بالتسليم والإيمان والإذعان، ومعرفة أن ما جاء به الله عز وجل وما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن ما جاء به هو الحق لا ريب فيه ولا لبس فيه ولا شك فيه. فالله عز وجل كلامه أصدق الكلام، كما قال ربنا عز وجل: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، ومن أحسن من الله حديثا، كلامه أيضا أحسن الكلام وأوضحه وأبينه. والله عز وجل يريد للناس شرعا سلوك طريق الخير، كما قال الله عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُبُلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾. فالله عز وجل يريد منا شرعا أي يحب منا شرعا ولنا شرعا أن نسلك سبيله وطريقه المستقيم. وكما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الكلام إذا جمع الصدق وحسن البيان والنصح وإرادة الخير للسامع فيجب الأخذ به، وهذه الشروط متوفرة في كلام الله عز وجل وكذا في كلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فهو أصدق الناس وأصدق الناس وخير الناس للناس وأرحم الناس بالناس صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. لذا كما سمعتم كان من معتقد أهل السنة والجماعة بل هو أساسه ورأسه ورأس معتقدهم الكتاب والسنة، فهم يأخذون من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يؤمنون بكل ما جاء عن الله عز وجل وما جاء عن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على مراد الله عز وجل وعلى مراد رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقرون بالمعاني الظاهرة ويفوضون المعاني الباطنة. قال رحمه الله: وَلَا أَتَأَوَّلُ، وقوله لَا أَتَأَوَّلُ فِيهِ إشارة إلى مذهب أهل السنة والجماعة وإلى مذهب من خالف أهل السنة والجماعة في هذا الباب. فأهل السنة والجماعة يقرون بما جاء عن الله عز وجل وبما جاء عن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا يخرجون شيئا من ذلك عن ظاهره إلى معاني أخرى وضعتها لهم عقولهم، بل يقبلون ذلك ويتلقون ذلك بالقبول والتسليم. بخلاف غيرهم يذهبون يمنة ويسرة في صرف النصوص عن ظاهرها، وما ذاك إلا لأنهم أولا حرموا التوفيق، ثانيا لم يقتنعوا بكتاب الله عز وجل ولا بسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثالثا لأنهم حسنوا الظن بالعقل، رابعا أساءوا الظن بالنقل، خامسا اعتقدوا في نصوص القرآن والسنة أنها ظاهرها التشبيه والكفر والعياذ بالله. لذا حينما ظن هؤلاء أن ظاهر كتاب الله عز وجل وظاهر سنة رسوله صلى الله عليه وسلم التشبيه، صاروا إلى فريقين: أهل تشبيه وأهل تأويل. أهل التشبيه قالوا: ما نفهم من نصوص الكتاب والسنة إلا ما هو موجود فينا. فإذا قال الله عز وجل: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، قالوا: لله عز وجل وجه مثل وجوهنا. إذا قال ربنا عز وجل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، قالوا: الله عز وجل يدان مثل أيدينا، وهكذا وقعوا في التشبيه والتمثيل. وهذه بدعة النكراء، بل هو من الظلم ومن المنكر العظيم، إذ أنهم شبه الكامل سبحانه وتعالى من كل وجه بالمخلوق الناقص. ومن شبه الكامل بالناقص فقد انتقصه، لذا كان من قول أهل السنة والجماعة أن من شبه الله بخلقه فقد كفر لأنه تنقص الله عز وجل. والطائفة الأخرى طائفة أهل التأويل، أهل التأويل قالوا: إن النصوص ظاهرها التشبيه، وكوننا نشبه الله عز وجل بخلقه هذا لا يجوز لأنه كفر. إلى هنا الكلام جيد، ثم ماذا قالوا؟ إذن الظاهر غير مراد. أولا قولهم جيد باعتبار ماذا؟ باعتبار أن من قال إن من شبه الله بخلقه هذا كفر ومنكر، لأنهم جعلوا نصوص القرآن والسنة ظاهرها ماذا؟ الكفر والتشبيه، هذا قول باطل ومنكر. فهؤلاء يفروا من هذا التشبيه الذي هم وضعوه من عند أنفسهم، وانتقلوا إلى ماذا؟ إلى التأويل، وإن شئت فسمه التحريف، لأنهم أخرجوا نصوص الكتاب والسنة عن ظاهرها المراد إلى معاني أخرى وضعتها لهم عقولهم. فمثلا قال أهل التأويل: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، قالوا: أي ذات ربك، ولا نثبت لله عز وجل الوجه. قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، قالوا: المراد باليد النعمة أو القوة، ولا نثبت لله عز وجل اليد. وهكذا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قالوا: لا نثبت لله عز وجل استواء لأنه يلزم منه التشبيه، فماذا تصنعون؟ قالوا: الاستواء بمعنى الاستيلاء. وهكذا أخرجوا النصوص عن ظاهرها، فلذا أشار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في هذا البيت إلى هذه الطائفة، فقال: وأقول في القرآن ما جاءت به آياته فهو الكريم، وأقول قال الله جل جلاله والمصطفى الهادي ولا أتأول. ولا أتأول، والتأويل لغة من آل الشيء، يقول أولا إذا رجع. إذا رجع، ومنه قول الله عز وجل عن يوسف عليه السلام: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلِ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾، أي آلت وتأولت حتى ظهرت عيانا. وهكذا كما جاء في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أنزلت عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، كان يتأول هذه الآية أو هذه السورة، فكان يسبح يسبح الله عز وجل يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، سبحان الله وبحمدك أستغفرك» أو كما قال صلى الله عليه وسلم، كان يسبح الله عز وجل ويستغفر، لأن الله عز وجل قال له: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. فكان يتأول القرآن، لذا كان التأويل في عرف السلف كان التأويل في عرف السلف يطلق على معنيين، التأويل في عرف السلف كان يطلق على معنيين، الأول كما سمعتم بمعنى حقيقة الشيء، من آل يؤول أولا إذا رجع إليه وظهرت حقيقته، ودليله ما تقدم. والمعنى الثاني يطلق التأويل ويراد به تفسير، ويراد به التفسير، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل»، والمراد بتعليمه التأويل أي تعليمه التفسير. وهكذا كان الأئمة كابن جرير الطبري وغيره يقولون: جاء في تأويل قول الله عز وجل، أي في تفسير قول الله عز وجل. وعند المتأخرين صار التأويل يطلق كذلك على معنى ثالث، بل إذا أطلق التأويل عند المتأخرين لا يفهم منه إلا هذا المعنى، وهو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر، ويضيفون بقرينة، صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر بقرينة، هذا عرف التأويل عند المتأخرين. وقد ذكر علماء أصول الفقه أن القرينة على ثلاثة أقسام، أن القرينة على ثلاثة أقسام، إما أن تكون قرينة صحيحة، فهذا التأويل يسمى تأويلا صحيحا، يسمى تأويلا صحيحا إن كانت هناك قرينة صحيحة. وإما أن يكون التأويل أو القرينة ليست بصحيحة، ويظنها ذاك المؤول صحيحة وهي ليست بصحيحة بل باطلة، فهذا يسمى في عرفهم تأويل باطل أو فاسد. والنوع الثالث تأويل بغير قرينة أو بقرينة ظاهرة الفساد، وهذا التأويل يسمونه لعبا، يسمونه ماذا؟ لعبا. وهذا كتأويل الرافضة والقرامطة ومن كان على شاكلتهم، حينما فسروا قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، قالوا: المراد بها عائشة، المراد بها عائشة رضي الله عن عائشة وأرضاها، هذا تأويل منكر ويسمى في عرف الأصوليين تأويل ماذا؟ يسمى لعبا، لأنه لعب بكتاب الله عز وجل وبسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والشاهد من كلامنا أن قول شيخ الإسلام رحمه الله: «ولا أتأول»، المراد بالتأويل هنا التأويل عند الأصوليين المسمى بالتأويل الفاسد، وهو النوع الثاني من أنواع التأويلات، صرف اللفظ عن ظاهري بقرينة ليست صحيحة، بقرينة ليست صحيحة. وهذا هو الميدان الذي ساح وراح فيه أهل الأهواء وأهل التأويل وأهل البدع، عاملهم الله بما يستحقون. أتفى بهذا في هذه الليلة، ونكمل إن شاء الله في ليلة قادمة، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.

شاركنا على