الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 4، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
تبرأ الشيخ حافظ الحكم من المعتزلة والجبرية ومذاهبهم الضالة. المعتزلة أثبتوا الأسماء ولم يثبتوا الصفات.
يناقش انتقادات المؤلف على الجبرية والمعتزلة، حيث يبرز كيف أن الجبرية يعتقدون أن العبد مجبور، بينما المعتزلة يعتقدون أن العبد يخلق أفعال نفسه.
يتناول الرد على الجبرية ويبين أن العبد له اختيار في أفعاله، ويشير إلى أن دخول الجنة يعتمد على رحمة الله وليس الأعمال وحدها.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ما بعد. قال الشيخ العلامة حافظ الحكم رحمه الله تعالى في منظومته «الجوهرة الفريدة»: قال «ولا بمعتزلي أو أخا جبر ففي السيئات على الأقدار ينتقدوا». تبرأ رحمه الله تعالى في هذا البيت من المعتزلة والجبرية ومذاهبهم الضالة. المعتزلة أتباع واصل بن عطاء الغزال، والمعتزلة سموا بالمعتزلة؛ قيل: لأنهم اعتزلوا حلقة الحسن البصري، فواصل بن عطاء كان تلميذًا عند الحسن البصري. جاء رجل يسأل الحسن البصري عن حكم مرتكب الكبيرة، فجاء واصل بن عطاء في الجواب وقال: هو في منزل بين المنزلتين، بمعنى لا كافر ولا مسلم، ولا مؤمن ولا كافر. فغضب الحسن البصري رحمه الله تعالى فطرده، فاعتزل حلقة الحسن البصري إلى حلقة أخرى، واتبعه أناس معه، فسموا بالمعتزلة. وقيل: سموا بالمعتزلة لاعتزالهم جماعة المسلمين؛ لما اعتزلوا جماعة المسلمين سموا معتزلة. والمعتزلة هم في باب الأسماء والصفات معطلة؛ فأثبتوا الأسماء ولم يثبتوا الصفات، بل عطلوا صفات رب العالمين جل وعلا. حتى الأسماء التي أثبتها المعتزلة إنما هي أسماء مجردة وأعلام مجردة عن الأوصاف؛ لأنهم قالوا: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، حكيم بلا حكمة، عليم بلا علم، إلى آخر ذلك. وهذا ليس فيه إثبات أسماء لله جل وعلا تليق به جل وعلا، وأعلام وأوصاف. ولذلك قال في «مراقي السعود»: «وعند فقد الوصف لا يشتق وأعوز المعتزلية الحق»، يعني: لا يمكن أن يسمى سميعًا إلا من قام به وصف السمع، ولا يسمى عليمًا إلا من قام به وصف العلم، ولا يسمى حكيمًا إلا من قام به وصف الحكمة. فكيف يسمى الله جل وعلا سميعًا وهو غير موصوف بالسمع، أو بصيرًا وهو غير موصوف بالبصر، أو عليمًا وهو غير موصوف بالعلم، أو حكيمًا وهو غير موصوف بالحكمة؟ فهذا باطل، وهذا خلاف ما دلت عليه لغة العرب؛ فإن الأسماء إنما تشتق من أوصافها، فإذا وجد الوصف حصل واشتق منه الاسم. أما مع فقد الوصف فإنه لا يحصل اشتقاق، ولا تشتق أسماء لمن لم تقم به أوصاف؛ الأوصاف التي اشتقت منها تلك الأسماء. والمعتزلة في باب القدر هم قدرية، وهم القدرية غير غلاة؛ لأن القدرية على نوعين: قدرية غلاة، وقدرية غير غلاة. القدرية الغلاة هم الذين ظهروا في أواخر عهد الصحابة، وحديث أول حديث ذكره الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه في حديث عبد الله بن عمر حين رحل إليه بعض التابعين حين ظهرت القدرية في البصرة، يقولون: لا قدر، وإن الأمر أنف. فأنكروا مرتبة العلم والكتابة، وأن الله جل وعلا لا يعلم الأمور إلا بعد وقوعها، وأن الله جل وعلا لم يكتب كل شيء في اللوح المحفوظ. فرحل تابعيان إلى المدينة فلقي عبد الله بن عمر فأخبراه بما ظهر في البصرة من ظهور هؤلاء القدرية، فقال عبد الله بن عمر لهؤلاء: إذا لقيتم أولئك فأخبروهم أني منهم بريء، وأنهم مني براء. والذي يحلف به عبد الله بن عمر -والذي نفسي بيده- لا يؤمن أحدهم حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، ولو أنفق مثل أحد ذهبًا ما قبله الله جل وعلا منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره. ثم ذكر الحديث الذي رواه أبوه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في أسئلة جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام، ومنها السؤال عن الإيمان، فقال عليه الصلاة والسلام: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره». وهؤلاء القدرية انقرضوا؛ لما كفرهم الصحابة في ذلك الزمان، فكان في ذلك الزمان أبو هريرة، وواثلة بن الأسقع، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وجماعة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ممن تأخر موتهم رضي الله تعالى عنهم. وظهرت هذه الفتنة وهذه الفرقة في أواخر عهد الصحابة، فلما كفرهم الصحابة انقرضت هذه الفرقة. وكان على أنقاضها فرقة المعتزلة الذين هم قدرية، لكن غير غلاة؛ حيث أثبتوا مرتبة العلم ومرتبة الكتابة، لكن ضلوا في مرتبتي المشيئة والخلق. فالقدرية المعتزلة غير الغلاة أثبتوا الكتابة لله جل وعلا الأزلية والعلم الأزلي لله جل وعلا، وأن الله جل وعلا قد علم كل شيء قبل أن يوجد، وأنه كذلك كتب ذلك في اللوح المحفوظ. لكن في مرتبة المشيئة والخلق فالقدرية المعتزلة يقولون: العبد له مشيئة مستقلة غير تابعة لمشيئة الله جل وعلا، ويقول: العبد يخلق فعل نفسه. فظلوا في هاتين المرتبتين، والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، فأثبت ربنا جل وعلا مشيئة للعبد وهي تابعة لمشيئة الله جل وعلا، لكن هم يقولون: مشيئة العبد غير تابعة لمشيئة الله، بل هي مشيئة مستقلة. وهذا يقولون: العبد يخلق فعل نفسه، والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: خلقكم وخلق أعمالكم. وعند الحاكم عن حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إن الله يصنع كل صانع وصنعته»، يعني: يخلق العبد ويخلق كذلك عمله. وفي الآية الأخرى قال جل وعلا: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، فالقدرية المعتزلة ظلوا في هذا الباب. ولذلك قال فيهم النبي عليه الصلاة والسلام في حديث يحسنه جماعة من العلماء، ومنهم العلامة الألباني رحمة الله تعالى عليه: «القدرية مجوس هذه الأمة»، لأنهم جعلوا العباد يخلقون أفعالهم، فشابهوا المجوس القائلين بأن خالقين للعالم: خالق الخير وخالق الشر. وهؤلاء جعلوا العباد يخلقون أفعال أنفسهم، فالمعتزلة معطلة في باب الأسماء والصفات، وهم قدرية في باب القدر. وهكذا كذلك المعتزلة في باب أسماء الإيمان والدين، فهم وافقوا الخوارج في الحكم على مرتكب الكبيرة بأنه خالد في النار. فالخوارج يقولون: فاعل الكبيرة إذا مات على الكبيرة فهو خالد مخلد في النار. وافقهم المعتزلة في الحكم، فقال المعتزلة كذلك مثل ما قال الخوارج في حكم مرتكب الكبيرة، وأنه خالد مخلد في نار جهنم، لكن خالفوهم في الاسم؛ خالفوهم في الاسم. فالخوارج يقولون في مرتكب الكبيرة في حكمه في الدنيا أنه كافر، أما المعتزلة فيقولون: في منزل بين المنزلتين، كما تقدم. فالمعتزل الضلال قد خالفوا منهج أهل السنة والجماعة، ولذلك تبرأ المؤلف رحمه الله تعالى منهم ومن مذهبهم. قال: «أوخ جبر»، وهذا فيه براءة من الجبرية، والجبرية هؤلاء هم الذين يقولون: إن العبد مجبور على فعله، فليس له اختيار، وإنما هو مجبور كالريشة في مهب الريح، كمن الريشة تتحرك وتحركها الريح، ولا اختيار للريشة في حركتها. فكذلك العبد إنما هو مجبور على فعله وعلى حركته وعلى فعله للمعاصي، فإذا فعل الذنوب والمعاصي فهو مجبور على فعلها، كما أن تلك الريشة مجبورة على تلك الحركة. فهؤلاء هم الجبرية الذين قال فيهم رحمه الله تعالى: «أوخى جبر ففي السيئات على الأقدار ينتقدوا»، أي: أنه إذا فعل الذنوب والمعاصي قال: أنا مجبور على فعل هذه الذنوب والمعاصي، وهذا باطل بدلالة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة. فإن الله جل وعلا جعل للعباد اختيارًا، لم يجبرهم جل وعلا لا على فعل الطاعات ولا على فعل المعاصي، بل ربنا سبحانه وتعالى هو جل وعلا جعل لهم الاختيار، وكذلك خلق الله جل وعلا فيهم الإرادة، وخلق الله جل وعلا فيهم كذلك الحركة التي يقومون بها في فعل الطاعة أو فعل المعصية. فهذا هو خلق الله جل وعلا؛ لأن العبد وأفعاله خلق لله جل وعلا. ومع هذا أعطاهم الله جل وعلا الاختيار: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾، ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، فخلق فيهم الإرادة والاختيار والقدرة، وأعطاهم الاختيار إن أرادوا فعل الطاعات أو أرادوا فعل المعاصي. لكن الجبرية يقولون: العبد مجبور على فعل نفسه. والجبرية على نوعين: جبرية غلاة، وجبرية غير غلاة. فالجبرية الغلاة هم الجهمية، وهم الذين يقولون: إن العبدء العبد مجبور في الظاهر والباطن؛ فالعبد مجبور ظاهرا وباطنا. والجبرية غير الغلاة هم الأشاعرة؛ فالأشاعرة في باب الإيمان مرجئة، وهم كذلك في باب القدر جبرية، لكن جبرية غير غلاة؛ فقالوا بالجبرية في الباطن والاختيار في الظاهر؛ فالعبد يقولون في الظاهر مختار، ولكنه في الباطن مجبور. ولذلك اخترع أبو الحسن الأشعري لفظ الكسب؛ لما قيل له: كيف يكون العبد مجبورًا على فعل نفسه وهو يفعل الأعمال وتنسب إليه؟ قال: إنما تنسب إليه كسبًا؛ إنما تنسب إليه كسبًا حين يباشر العمل، فينسب إليه ذلك العمل كما ينسب القطع للسكين حين يباشر القطع بهذه السكين الخبز وغير ذلك. وحين يلتقي الزجاج مع الحجر فيحصل انكسار، وهذا حين يلتقي العبد مع العمل يحصل ذلك الاكتساب. وهو كلام لا وجود له في الواقع، وإنما هو في أذهان في ذهن أبي الحسن الأشعري رحمه الله، وفي أذهان من وافقه. حتى الأشاعرة لما اختلق أبو الحسن الأشعري لفظ الكسب اختلفوا فيه على أقوال كثيرة، لم يتفقوا على معنى صحيح لهذا الكسب. فصار الكسب من محالات العقول التي لا دليل لها في الواقع ولا وجود، وإنما هي من محالات العقول؛ كطفرة النظام، وهكذا كالحال عند البهشم. وذلك قال القائل: «مما يقال ولا مقولة تجتني تحته معقولة لدي الأفهام»، الكسب عند الأشعري، والحال عند البهشم، وطفرة النظام؛ هذه أشياء ثلاثة اخترعها أصحابها لا وجود لها في الواقع، وإنما لها وجود في أذهانهم، وهي من المستحيلات. فالأشاعرة جبرية غير غلاة، ونصوص الكتاب والسنة واضحة ظاهرة في أن العبد غير مجبور، ولكن هؤلاء ظلوا. ولذلك كانوا حتى يقولون: «هلكاه في اليم مكتوفًا»، وقال: «إياك إياك أن تبتل بالماء»، كأنهم يقولون: يعني كيف يلقى الشخص مكتوفًا في الماء، ثم يقال له: إياك إياك أن تبتل بالماء؟ فكأنهم نسأل الله العافية والسلامة. نسأل الله جل وعلا أنه أمر العباد بعدم فعل المعصية، وهو قد جبرهم عليها؛ كما أن ذلك الرجل قد كتف هذا ورماه في البحر، ثم يقول له: انتبه لا تبتل بالماء. وهذا من الانتقاد على قدر الله جل وعلا، ومن نسبة ما لا يليق بالله سبحانه وتعالى. بل ربنا سبحانه وتعالى هو العدل، لم يجبر العباد لا على فعل طاعة ولا على فعل معصية، بل ربنا سبحانه وتعالى جعلهم الاختيار. وذكر أمثلة عظيمة عبد الرحمن بن سعدي رحمة الله تعالى عليه في «الشرح التائية» القدرية في القدر، ذكر أمثالا كثيرة يتبين من خلالها أن العبد غير مجبور على فعل نفسه. أذكر اختصارًا مثالا في قصة رجل جبري ذكره رحمه الله تعالى: أنه كان له عامل عنده، وكان هذا الرجل جبريًا، كان يفعل الذنوب والمعاصي ويسرف في فعل الذنوب والمعاصي، وكان هذا ينصحه يقول له: اتق الله لا تفعل الذنوب والمعاصي، يقول: أنا مجبور، أنا مجبور على فعل الذنوب والمعاصي. يا فلان اتق الله، يقول: أنا مجبور على فعل المعاصي. فكان صاحبه ينتظر الفرصة واليوم الذي يلقنه درسًا عظيمًا. ففي ذات يوم جاء عامله على ماله، فقال له: المال ضاع وهلك، كيف؟ قال له: سلكت طريقًا فيها قطاع طرق فأخذوا المال. قال: كيف تسلك طريقًا فيها قطاع طرق وأنت تعلم أن هذه الطريق خطرة؟ فكيف تمر في هذه الطريق؟ قال: قدر الله، أنا مجبور، أنا مجبور على ذلك. فالمال أخذ والتجارة هلكت، وأنا مجبور على ذلك. فغضب غضبًا شديدًا، لكن ما تجرأ أن يقول له: لا لست بمجبور؛ لأنه يعلم هو يقول: مجبور حين يقال له: لماذا تفعل المعاصي؟ فجاء الثاني الذي هو عامله على كذلك أولاده، فقال له: يا فلان أولادك هلكوا جميعًا، كيف هلكوا؟ قال: خرجت بهم إلى بئر يتسبحون فيها. قال: كيف تخرجهم إلى البئر وأنت تعلم أنهم لا يجدون السباحة؟ قال: مجبور على ذلك، وهذا قدر الله. فاشتد غضبًا أشد من الغضب الأول. ثم جاء عامله على إبله، فقال له: الإبل هلكت والمواشي هلكت، لماذا هلكت؟ قال: لقد رعيتها في أرض مجدبة فهلكت. قال: كيف ترعاها في أرض مجدبة وأنت تعلم أنها هلكت؟ لماذا لم ترعها في أرض خصبة؟ فقال: قدر الله. فاشتد غضبًا. فقال له صاحب عجبًا لك يا فلان، عجبًا لك يا فلان. كنا ننهاك عن فعل الذنوب والمعاصي وتقول: أنا مجبور، أنا مجبور، أنا مجبور. الآن جاءك هذا بالخبر، وجاءك الآخر بالخبر، وجاءك هذا الآخر بالخبر، وأنت قد اشتدت غضبًا وزدت غضبًا، كيف هذا؟ قال: الآن أنا تيقنت مما أنا عليه، والله إن ذهاب هذه الأموال عندي أسهل مما يعني حصل لي من الخير، وأنني تيقنت أن العبد غير مجبور. يعني هانت عليه هذه المصائب كلها؛ في سبيل أنه قد عرف الحق. ولذلك عمر لما جئ إليه بسارق في عهده وقد سرق، فأراد أن يقطع يده، قال: يا أمير المؤمنين، أنت رجل عادل، أنت أمير المؤمنين موصوف بالعدل، كيف تقطع يدي وأنا مجبور على هذه السرقة؟ قال: نعم أقطع يدك بقدر الله؛ أنت سرقت بقدر الله، وأنا أقطع يدك بقدر الله، فكل بقدر الله. أنت سرقت بقدر الله، وأنا أقطع يدك بقدر الله. وأعرابي قال لعمرو بن عبيد المعتزلي الذي قد أضلت ناقته -يعني ظلت ناقة العرابي- فجاء العرابي فرأى عليه تلك الآية العظيمة، وقال له: يا إمام، إن ناقتي قد سرقت، فادع الله أن يردها علي. فرفع هذا المعتزلي عمرو بن عبيد يديه، قال: يا رب، إنك لم ترد سرقة ناقة هذا العرابي، اللهم فردها عليه. قال: لا حاجة لي بدعائك؛ إذا كان الله جل وعلا لا يريد سرقة ناقة بسرقة، فأخشى أن يريد أن ترد ولا ترد. فأخشى أن يريد أن ترد ولا ترد. يعني: إذا كان الأمر ليس بتقدير الله جل وعلا، فإذن فقد يريد أن ترد الناقة ولا ترد. فلقنه درسًا عظيمًا. هذا المعتزل الذي قضى السنين العديدة في الفلسفة وعلم الكلام، وعرابي على الفطرة قد ألجمه الجامع. فالشاهد أن القدرية هؤلاء الجبرية جبرية غلاة وجبرية غير غلاة، فقد ظلوا في باب القدر؛ حيث زعموا أن العبد مجبور على فعل نفسه. بل العبد له اختيار يختار المعاصي أو يختار الطاعات، وليس بمجبور. وربما يستدلون بحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم». فالجبرية لأنه إذا استدل عليهم يقال لهم: كيف يعذب الله جل وعلا العاصي وهو مجبور على معصيته؟ كيف يعذب الله جل وعلا فاعل المعصية وهو مجبور على معصيته؟ هذا ظلم. فيقولون: لا، أفعال الله لا تعلل. كيف أفعال الله لا تعلل؟ يعني: الله جل وعلا يفعل ما يشاء لغير حكمة. يعني: حتى عندهم أنه لو عذب الطائع هذا له ذلك جل وعلا، وهكذا لو نعم العاصي له ذلك. وهذا باطل وضلال يخالف الحكمة؛ فالله جل وعلا هو الحكيم الموصوف في صفة الحكمة الذي يضع الشيء في موضعه. وليس من الحكمة أن يعذب الطائع، وليس من الحكمة أن ينعم العاصي، وليس كذلك من الحكمة أن يعذب العاصي وهو مجبور على معصيته. فماذا قالوا؟ قالوا: هذا العبد الله جل وعلا إذا عذب العبد فله ذلك؛ لأنه لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه فعذبهم وهو غير ظالم لهم. وكما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، والفهم هذا باطل وليس بصحيح، وإنما فهم الحديث أن الله جل وعلا لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لكان عذابه لهم جل وعلا جزاء ما اقترفوا. فإنه إذا عذب أحدًا لم يعذبه بظلم؛ فهو الذي جل وعلا قد حرم الظلم على نفسه. وتفسير آخر: أنه جل وعلا لو أنه حاسبهم الحساب جزاء ما أنعم عليهم من النعم؛ فإن العباد لا يستطيعون أن يفوا حق نعمة واحدة أنعم الله جل وعلا بها عليهم؛ كالبصر وغيرها. وإنما رحمة الله سبحانه وتعالى حيث وسعت رحمته كل شيء، وهو الرحيم جل وعلا. فلم يعامل عباده بهذا الميزان، وإنما عاملهم جل وعلا برحمته. وذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اعلموا أنه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله»، قالوا: «ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته». فرحمته سبحانه وتعالى بعباده جعلهم يعملون هذه الأعمال؛ جزاء أسبابًا لتحصيل الجنة، وليس هي أعمالا عوضًا عن الجنة. فجنة الله سبحانه وتعالى إنما يدخلها العباد برحمة الله سبحانه وتعالى. فخلاصة البيت التحذير من المعتزلة والجبرية، وبيان منهجهم الباطل وضلالهم، وبيان الحق والصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة. نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبرك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.