الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 99، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يبدأ الدرس بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، معتبراً إياها من الأفعال المحببة إلى الله ورسوله.
يشرح المقطع المانع والسبب في الأحكام الوضعية، حيث يبين أنواع المانع وتعريف السبب في اللغة والأصوليين، مع توضيح كيفية تأثيرهما على الأحكام.
يتناول هذا الفصل تعريف السبب في الاصطلاح الأصولي وأمثلته، ثم ينتقل إلى تعريف الشرط وأقسامه الأربعة في الأصول الفقهية، موضحاً الفروق بينهما وتطبيقاتهما.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، وبعد. فقد كان آخر الكلام في المانع من الأحكام الوضعية، وقلنا إن المانع على نوعين: مانع تحت قدرة المكلف، ومانع ليس تحت قدرة المكلف. فالمانع الذي تحت قدرة المكلف كالكفر، الكفر مانع من قبول الأعمال، قال جل وعلا: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، فالكافر لا يقبل له عمل؛ لأن الكفر مانع من موانع قبول الأعمال، فلا بد من الإسلام. لكن هذا المانع تحت قدرة المكلف، يستطيع المكلف أن يتخلص منه يسلم، فتقبل أعماله. وهكذا المن مانع من قبول الصدقات والنفقات، قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾، إنسان يتصدق، لكن يكون عنده من، فهذا المن مانع من قبول صدقاته، تحت قدرة المكلف، لن يستطيع أن يتخلص من المن، يتصدق ولا يمن على أحد. وهكذا الرياء مانع من قبول الأعمال، تحت قدرة المكلف، يترك الإنسان الرياء ويخلص، فتقبل منه الأعمال. وهكذا القتل مانع من الإرث، تحت قدرة المكلف، يستطيع أن يتخلص منه، ألا يقتل حتى يرث من قريبه. اختلاف الدين مانع من الإرث، تحت قدرة المكلف؛ لأنه مثلا إذا كان نصرانيا وأبوه مسلما، أسلم صار مسلما، فيتحصل الإرث. فهذه موانع تحت قدرة المكلف، بمعنى أنه يستطيع أن يتخلص منها. إذا تزوج البنت، حرمت خالتها وحرمت أختها وحرمت عمتها؛ لأن زواجه بهذه البنت مانع من الزواج بخالتها أو بعمتها أو بأختها، لكن هو مانع تحت قدرة المكلف، بمعنى أنه يستطيع أن يتخلص منه، يطلق البنت ثم يتزوج خالتها أو يتزوج عمتها أو يتزوج أختها. هناك موانع ليست تحت قدرة المكلف، لا يستطيع أن يتخلص منها، مثلا الحيض والنفاس، الحيض والنفاس من موانع الصلاة والصيام، لا تصح الصلاة ولا يصح الصيام من المرأة الحائض أو النفساء؛ لأن الحيض والنفاس مانعان من الصلاة والصيام، هذا المانع ليس تحت قدرة المكلف، لا يمكن أن يتخلص منه. لا تستطيع المرأة أن تتخلص من الحيض إذا جاء، لا تستطيع أن تمنعه لتصلي أو تصوم، إلا إذا كان قبل مجيئه، مثلا بعض النساء قرب رمضان تستعمل حبوب تؤخر الحيض لكي لا يأتي الحيض، لكي لا يأتي هذا المانع فيمنعها من الصلاة أو فيمنعها من الصيام. نعم، هذا يحصل، لكن إذا جاء الحيض، لا تصح أن تدفعه وتتخلص منه. وينصح بعدم استخدام الحبوب التي تؤخر الحيض لأجل الصيام؛ لأن هذا له عواقب سلبية، هذا شيء كتبه الله جل وعلا على بنات آدم. الحمد لله الذي يسر وتغضي أياما أخر خير لها، وأفضل من أن تستخدم هذه الحبوب التي ربما تتضرر منها فيما بعد. كذلك مثلا الرضاع مانع من الموانع التي ليست تحت قدرة المكلف، مثلا شخص رضع من امرأة، فحرمت عليه، صارت أمه من الرضاع، بناتها أخواته من الرضاع، لا يجوز أن يتزوج بأحد من هذه البنات أخواته من الرضاع؛ لأن الرضاع مانع، وهو مانع ليس تحت قدرة المكلف، لا يمكن أن يتخلص منه. ثم ذكر رحمه الله تعالى السبب، قال: «وعكسه سبب يدريه مجتهد». السبب حكم من الأحكام الوضعية. والسبب في اللغة كما في القاموس هو: «ما يتوصل به إلى غيره». قال له سبب: ما يتوصل به إلى غيره. يقال له سبب. ولذلك سمي الحبل سببا؛ لأنه يتوصل به لإخراج الماء من البئر. ولذلك قال جل وعلا: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾، فليمدد بسبب إلى السماء بحبل، بطريقة توصله. لأن السبب هو ما يوصل، ما يتوصل به إلى غيره. وقال جل وعلا: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾، أي الوصل والمودات؛ لأن الصلة مثل الحبل توصل بين هذا وهذا، تتقطع يوم القيامة، لا تنفع إلا الأعمال. وتقطعت بهم الأسباب. وهكذا في قوله جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾، كما في سورة الكهف. قال مجاهد -كما عند ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره-: أي طريقا في الأرض. فالطريق يسمى سببا. الطريق يسمى سببا؛ لماذا؟ لأنه يتوصل بالمشي عليه إلى المقصود. إنسان أراد الذهاب إلى السوق، ما سبب وجوده في السوق؟ وما سبب حصول هذا الأمر له؟ المشي طريق، هذه ستوصله إلى السوق، فهي سبب للوصول للغرض. طريق الموصل للغرض فيسمى الطريق سببا. والسبب في اصطلاح الأصوليين هو: «ما يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم لذاته». السبب اصطلاح الأصوليين: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته. وهنا عرفوه بتعريف سهل مختصر، قالوا: «عكسه أي عكس المانع». فالمانع مانع من حصول الحكم، والسبب سبب لوجود الحكم. فاختصار تعريف السبب هو: «ما به يوجد الحكم»، والمانع: «ما به ينتفي الحكم». تعريف سهل ويسير. لكن أهل الأصول أخذوا التعريفات من أهل المنطق، ففيها تعقيدات. «ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته»، أي بمعنى: يلزم من وجود السبب وجود المسبب، ويلزم من عدم وجود السبب عدم وجود المسبب. مثلا دلوك الشمس سبب لدخول صلاة الظهر، سبب لصلاة الظهر. دلوك الشمس: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، صلاة الظهر تقام إذا دلكت الشمس. ويقال: دلكت الشمس. قالوا: لأن الناظر إلى الشمس في هذا الوقت وهي في الوسط يحتاج إلى أن يدلك عينه. دلوك الشمس وتحركها من كبد السماء -وسط السماء- إلى جهة الغرب. طيب صلاة الظهر تقام إذا دلكت الشمس، فدلوك الشمس سبب. إذا وجد وجدت الصلاة. ما يلزم من وجوده الوجود. سبب صلاة الظهر دلوك الشمس. فدلوك الشمس سبب إذا وجد، وجد المسبب وهو الصلاة. ويلزم من عدمه العدم، يلزم من عدمه العدم. إذا عدم السبب عدم المسبب. ما دلكت الشمس، بعد الشمس ما دلكت، إذا لا صلاة، لا صلاة الظهر. يلزم من عدم وجود السبب عدم المسبب، فلا صلاة. كذلك مثلا صيام رمضان، صيام رمضان سببه رؤية هلال رمضان. لا يصام رمضان إلا بعد رؤية الهلال. فروية الهلال سبب. وعلى من الصيام؟ متى وجد هذا السبب وجد الصيام، وإذا عدم عدم الصيام. قال جل وعلا: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وفي حديث ابن عمر في الصحيحين: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له». فإذا صيام رمضان سببه رؤية هلال رمضان. إذا وجد السبب -وهو رؤية الهلال- وجد الصيام. إذا لم ير الهلال، ويلزم من عدمه العدم، إذا لم ير الهلال فلا صيام. لا يقول شخص: أنا سأصوم آخر شعبان من رمضان، ما يصح. أو قال: أؤخر شعبان، رمضان إلى بعد شوال، نجعل رمضان في شهر كذا من أشهر الشتاء، هذا ما يجوز. لا كما قد سمعنا في سنوات مرت، تقريبا قبل خمسة عشر سنة أو عشرين سنة، في دولة من الدول التي سقطت مؤخرا، مما يدل على أنهم أهل جبروت، نسأل الله العافية والسلام، وأهل جرأة على شرع الله. منهم من قد أصدر بيانا بأن رمضان هذه السنة سيؤخر عندنا، أعمال وعندنا كذا وكذا، نوخر رمضان هذه السنة، ما نصوم، نصوم في كذا. سبحان الله، ما أعظم الجرأة على شرع الله جل وعلا. رمضان برؤية الهلال، رمضان برؤية الهلال. مثلا أسباب الميراث: النكاح والولاء والنسب، هذه أسباب. النكاح كما قال الرحبي رحمه الله تعالى في الرحبية: «أسباب ميراث الورى ثلاثة ... كل يفيد ربه الوراثة»، نكاح وولاء ونسب، ما عداهن للموارث سبب. فأسباب الميراث ثلاثة: النكاح والولاء والنسب. إذا وجد السبب وجد المسبب. إذا وجد النكاح وجد الميراث، تحقق الميراث. أو الولاء أو النسب. امرأة جاءت سمعت برجل تاجر من كبار التجار أنه قد توفي، فجاءت تقاتل قاضي: أريد الميراث، ميراثي من فلان من فلان، هذا التاجر الذي مات. قال: ما شاء الله، أيش أنت زوجة له؟ قالت: لا. طيب لك نسب معه؟ قالت: لا. لك ولاء؟ قالت: لا. لا نكاح ولا نسب ولا ولاء، كيف تريدين الميراث؟ قالت: جارة له من الجيران. الجيران، الجار ليس من أسباب الميراث، ليس الجار من أسباب الميراث. وفي الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»، حتى ظننت أنه سيورثه، يعني سيجعل له حظا في الميراث. فلا ميراث للجار، لا ميراث للجار. فيقال: لا شيء لك. لماذا؟ لأنه لم يوجد سبب حتى نعطيك الميراث، لا أنت زوجة ولا لك ولاء ولا أنت من النسب، من أنت؟ نسب هذا الرجل. وهكذا فالسبب ما يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم لذاته. هذا ما يتعلق بالسبب. ثم ذكر رحمه الله تعالى بعد ذلك الشرط، قال رحمه الله تعالى: «والشرط ما رتب الإجزاء وصحته عليه أو نفي حكم حين يفتقد». ذكر من الأحكام الوضعية الشرط. الشرط حكم من الأحكام الوضعية. والشرط لغة هو: إلزام الشيء والتزامه، كما في القاموس. الشرط: فتح الشين وسكون الراء، إلزام الشيء والتزامه. ويجمع على شروط. وهنا يحصل خلط، يعني في التعريف، فالبعض ربما يسهو، يعرف الشرط بالعلامة الذي هو بفتح الشين والراء، لا ليس هذا الشرط لغة. العلامة الذي بمعنى العلامة هو الشرط بفتح الشين والراء، شرط يجمع على أشراط، هذا بمعنى العلامة. وأما الشرط بفتح الشين وسكون الراء، فهذا يجمع على شروط، وهو لغة إلزام الشيء والتزامه. وهو في تعريف الأصوليين: «ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته». الشرط ما يلزم من عدمه العدم، أي إذا عدم الشرط عدم الحكم وانتفى. ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. مثلا الطهارة الشرط من شروط صحة الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بالطهارة. فإذا الطهارة الشرط من شروط صحة الصلاة، إذا عدمت الطهارة، فقد علمت الصلاة، لماذا؟ لأن الطهارة شرط من شروط صحة الصلاة. فإذا عدم هذا الشرط يلزم من عدمه العدم، أي عدم صحة الصلاة. مثال آخر: بيع ما لا يملك، من شرط صحة البيع أن يبيع الشخص ما يملك، سيارته، بيته، دكانه، قلمه، إلى آخر ذلك، ساعة. أما أن يبيع ما لا يملك، فهذا لا يصح؛ لأنه من شروط صحة البيع الملكية، أن يبيع ما يملك بيعه. فإذا عدم هذا الشرط انتفى الحكم، ولم يصح البيع؛ لأن الشرط ما يلزم من عدمه العدم، إذا عدم الشرط عدم الحكم وانتفى. ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، إذا وجدت الطهارة مثلا، لا يلزم من وجود الطهارة الصلاة؛ لأنه قد يكون طاهرا لكن ليس وقت الصلاة. لا يلزم أن نقول لكل من تطهر صل، لا. لا يلزم من وجود الطهارة الصلاة؛ لأنه قد يتطهر في أي وقت غير وقت الصلاة، هل نقول كل من تطهر تلزمه صلاة؟ لا. لكن نقول: يلزم كل من لم يتطهر ألا يصلي. يلزم كل من لم يتطهر ألا يصلي. ولا يلزم كل من تطهر أن يصلي. نعم، إذا كان وقت الصلاة فيصلي. فهذا معنى الشرط: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. إنسان يملك السلعة، طيب من شروط صحة البيع أن يبيع ما يملك بيعه. إنسان يملك سيارة، يملك دارا، هل نقول: يلزم من وجود هذا الشرط البيع؟ لا. لا نقول: يلزم لكل من ملك سيارة أن يبيع، لا. أو ملك دارة أن يبيع، لا. لكن نقول: يلزم كل من أراد أن يبيع سيارة أو أن يبيع دارا أو أن يبيع غلما أو أن يبيع ساعة أن يكون مالكا لهذا المبيع. فالشرط ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. الشرط على أربعة أنواع: شرط عقلي، وشرط شرعي، وشرط لغوي، وشرط عادي. شروط أربعة: عقلي وشرعي ولغوي وعادي. الشرط العقلي مثل: وجود الحياة للعلم. وجود الحياة للعلم، من شرط وجود العلم الحياة. ما يمكن أن يوجد علم من غير حياة. ما يمكن أن يوجد علم من غير حياة. يلزم من عدم الحياة عدم العلم. فالشرط ما يلزم من عدمه العدم. فالحياة شرط للعلم. إذا عدمت الحياة عدم العلم. هل يمكن أن يوجد علم من غير حياة؟ أبدا. العلم موجود عند من هو حي. فإذا يلزم من العلم وجود الحياة، شرط للعلم الحياة. ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. لا يلزم من وجود الحياة العلم. ألاف الناس أحياء وهم جهال. ألاف الناس أحياء وهم جهال. وجود الحياة، ولم يوجد العلم. لكن لا يمكن أن يوجد علم من غير حياة. فالشرط اللغوي مثل: قول الرجل لزوجته: «أنت طالق إن قمت». أنت طالق إن قمت. فهذا الشرط اللغوي. الشرط الشرعي: هذا كثير، طهارة للصلاة، ملك للبيع، كذلك الولي للنكاح على الصحيح، والشهود كذلك. هذه شروط يقال: شروط الصلاة، شروط الصيام، شروط الزكاة، شروط النكاح، شروط البيع، شروط الجهاد، شروط كذا، شروط كذا. هذه كلها شروط شرعية؛ لأن الشرع جعلها شروطا. الشرط العادي يمثلون بذلك مثلا: كالغداء للحيوان. الغداء للحيوان، لا يمكن أن يوجد حيوان إلا بغداء. فإذا عدم الغداء عدم الحيوان، فلا حيوان إلا بالغداء. هذه أربعة شروط يذكرها أهل العلم في الشروط. فهذا خلاصة ما يذكر في الشرط. وبقي من الأحكام الوضعية الصحيح والفاسد. وهذا إن شاء الله تعالى نذكره في درسنا اللاحق لانتهاء الوقت. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.