الدرس في من أحكام شهر رمضان 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح هذا الفصل معنى فرحة الصائم عند فطره وأسبابها، حيث يبين أن هذه الفرحة ترجع إلى فطرة النفس على حب الطعام والشراب واستجابة للشرع. كما ينتقد بعض الممارسات الخاطئة في تأخير الفطر.
يفصل هذا الفصل بين الفرح المحمود والفرح المذموم، حيث يفرح المسلم بتمكين الله له من الرزق الحلال وبإتمام عبادة الصيام، بشرط ألا يصل هذا الفرح إلى حد العجب بالنفس أو المن على الله والناس.
يتناول هذا الفصل الفرح بالعبادات مثل الصيام والحج والصلاة، ويبين أنه أفضل من الفرح بالدنيا، كما يعتبر أن الفرح بالطاعة والعبادة دليل على الإيمان الصادق.
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، مُوَاصِلًا إخْوَانِي فِي اللَّهِ لِمَا مَضَى ذِكْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَالَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي». وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسَائِلِ وَالْفَوَائِدِ وَالتَّنْبِيهَاتِ وَالْإِرْشَادَاتِ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا الْعُلَمَاءُ وَالْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ إثْرَ شَرْحِهِمْ لِهَذَا الْحَدِيثِ، ثُمَّ قَالَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ». وَهَذِهِ كَذَلِكَ مِنْ مَزَايَا وَمِنْ خَصَائِصِ الصَّائِمِينَ. قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ»، وَهَلْ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ الصَّائِمَ لَا يَفْرَحُ إلَّا بِهَاتَيْنِ الْفَرْحَتَيْنِ؟ لَا، لَيْسَ هَذَا الْمَقْصُودُ، وَإِنَّمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ هَاتَيْنِ الْفَرْحَتَيْنِ مِمَّا تَمَيَّزَ بِهِ الصَّائِمُ عَنْ غَيْرِهِ، مِمَّا تَمَيَّزَ بِهِ الصَّائِمُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ، أَنَّهُ يَفْرَحُ بِهَاتَيْنِ الْفَرْحَتَيْنِ: الْأُولَى فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَالثَّانِيَةُ فَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَالْمَقْصُودُ بِفَرْحَةِ عِنْدَ فِطْرِهِ أَيْ فِي فِطْرِهِ مِنْ نَهَارِ رَمَضَانَ يَصُومُ ثُمَّ يُفْطِرُ، فَفِي هَذِهِ السَّاعَةِ الَّتِي يُفْطِرُ فِيهَا فَإِنَّهُ بِذَلِكَ يَفْرَحُ، وَحَقٌّ لَهُ أَنْ يَفْرَحَ. وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْفَرَحُ عِنْدَ الْفِطْرِ لِأَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ، الدَّاعِي لِهَذِهِ الْفَرْحَةِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ يَرْجِعُ لِأَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ. الْأَمْرُ الْأَوَّلُ يَرْجِعُ إلَى مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ وَفُطِرَ عَلَيْهَا الْبَشَرُ، وَهُوَ أَنَّ النَّاسَ وَأَنَّ الْجِبِلَّةَ تَسْتَدْعِي أَنْ الشَّخْصَ إذَا مُنِعَ مِنْ شَيْءٍ مِمَّا تَتَوَقَّهُ إلَيْهِ النَّفْسُ وَتَشْتَاقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَإِنَّهُ بِذَلِكَ يَفْرَحُ، وَهَذَا مِنْ الْفَرَحِ الْجِبِلِيِّ، مِنْ الْفَرَحِ الطَبِيعِيِّ. الصَّائِمُ يَمْتَنِعُ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَهُوَ مِمَّا أَبَاحَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وَهُوَ قَبْلَ ذَلِكَ مِمَّا تَشْتَاقُ إلَيْهِ النَّفْسُ، النُّفُوسُ مَجْبُولَةٌ إلَى حُبِّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، بَلْ عَيْشُهَا عَلَيْهِ، عَيْشُهَا عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَتَمْتَنِعُ وَتَحْتَبِسُ عَنْهُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تُمَكَّنُ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَبِهَذَا يَفْرَحُ، يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا قَدْ أَحَلَّ لَهُ الطَّيِّبَاتِ، قَدْ أَحَلَّ لَهُ الطَّيِّبَاتِ، فَهَا هُنَا يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُ بِذَلِكَ، وَهَذَا مِنْ الْفَرَحِ الطَبِيعِيِّ. بَلْ لِعِظَمِ مُرَاعَاةِ الشَّرْعِ لِلطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَةِ أَنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا أَمَرَ وَحَثَّ الصَّائِمَ عَلَى اسْتِعْجَالِ الْفِطْرِ، الْأَدِلَّةُ الْكَثِيرَةُ فِي الشَّرْعِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّائِمَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَسْتَعْجِلَ بِفِطْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَاذَا؟ الْآنَ مَا مَرَّ مِنْ الصِّيَامِ يَكْفِي فِي بُرْهَانِ إيمَانِكَ وَصِدْقِ انْقِيَادِكَ وَصِدْقِ امْتِثَالِكَ لِرَبِّكَ، قَدْ مَرَّ مَا عَلَيْكَ مِنْ وَاجِبَاتٍ، الْآنَ جَاءَتْ مَاذَا؟ الرُّجُوعُ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ النَّفْسُ مَجْبُولَةً، وَهُوَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ. وَلِهَذَا عَجَّلَ وَاسْتُحِبَّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى أَصْلِهِ، وَذَلِكَ بِاسْتِعْجَالِ الْفِطْرِ. قَالَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلَ الْفِطْرَ، مَا عَجَّلَ الْفِطْرَ». وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي سُنَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَرَى تِلْكَ الْمَوَاقِفَ الْكَثِيرَةَ وَالْعَظِيمَةَ الَّتِي بَلَغَتْ فِي حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ يُسَارِعُ أَيَّمَا مُسَارَعَةٍ، فَقَطْ بِسُقُوطِ وَغَيْبَةِ قُرْصِ الشَّمْسِ عَنْ الْأُفُقِ، سَارَعَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الْفِطْرُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. بَخَلْقِ النَّاسِ هَذِهِ الْأَيَّامِ أَوْ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ مِنْ التَّنَطُّعِ وَالْغَفْلَةِ، سَمِعْنَا أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ مِمَّنْ يَتَوَرَّعُ عَنْ الْفِطْرِ لِدَرَجَةِ أَنَّهُ مَا يُفْطِرُ إلَّا بَعْدَمَا يَصِلَ الْمَغْرِبُ، يَسْمَعُ الْأَذَانَ وَيَسْمَعُ الْإِقَامَةَ، فَلَا تَرْتَعُ نَفْسُهُ وَلَا يَرْتَاحُ جِسْمُهُ إلَّا إذَا سَمِعَ التَّسْلِيمَ، إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ حِينَهَا انْبَرَى لِلْفِطْرِ وَأَفْطَرَ، هَذَا التَّنَطُّعُ وَهَذَا عَيْنُ الْمُشَاقَّةِ لِسُنَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الَّذِي أَمَرَ بِالتَّعْجِيلِ. وَمِنْهُمْ مَنْ هَدَاهُمْ سُوءًا، مِمَّنْ لَرُبَّمَا لَا يُفْطِرُ إلَّا بَعْدَ الْأَذَانِ، تَرَاهُ مَعَ الْمُصَلِّينَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي بَيْتِهِ، وَبِيَدِهِ التَّمْرَةُ، فَيُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ فَيُؤَمَرُ وَيُذَكَّرُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ الْأَذَانُ قَدْ أَذَّنَ، يَقُولُ: أَنْتَظِرُ مَا إيش؟ أَنْتَظِرُ، قَالَ: حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَذَانُ، هَذَا تَوَرُّعٌ، تَوَرُّعٌ بَارِدٌ، السُّنَّةُ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ؛ لِأَنَّ بِالْأَذَانِ إعْلَامٌ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، وَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ أَفْطَرَ الصَّائِمُ. وَمِنْ بَعْضِ النَّاسِ وَهُمْ أَقَلُّ سُوءًا فِي هَذَا التَّعَجُّلِ، أَنَّ بَعْضَهُمْ لَرُبَّمَا لَا يُفْطِرُ إلَّا عَلَى أَذَانِ حَيِّهِ، الْآنَ مَسَاجِدُ وَلِلَّهِ الْحَمْدِ مُنْتَشِرَةٌ فِي الْبُلْدَانِ وَمُتَوَزِّعَةٌ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ، هُنَا مَسْجِدٌ وَذَاكَ الْمَسْجِدُ وَذَاكَ الْمَسْجِدُ، وَبَعْضُ النَّاسِ مِمَّنْ الْعَوَامِّ خَاصَّةً يَسِيرُ فِي رَمَضَانَ بِسِيَاسَةٍ وَسِيَاسَةِ التَّعَصُّبِ وَالتَّعَصُّبِ لِمَسْجِدِهِ: أَنَا تَابِعٌ لِمَسْجِدِ فُلَانٍ، هَذَا مَسْجِدُ حَافَتِي وَمَسْجِدُ حَارَتِي، مَا أُفْطِرُ إلَّا عَلَيْهِ. فَيُؤَذِّنُ ذَاكَ وَيُؤَذِّنُ ذَاكَ وَكُلُّهُمْ عَلَى الْوَقْتِ وَكُلُّهُمْ عَلَى الْوَقْتِ، لَكِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْمَسْجِدِ يَتَأَخَّرُ كَبَقِيَّةِ مَا يَتَأَخَّرُ احْتِيَاطًا دَقِيقَةً وَالدَّقِيقَتَيْنِ، وَصَاحِبُنَا الْعَامِيُّ يَنْتَظِرُ حَتَّى يُؤَذِّنَ مُؤَذِّنُ هَذَا الْمَسْجِدِ، لَا تَنَطُّعَ إذَا أَذَّنَ أَيُّ مُؤَذِّنٍ مِنْ الْمُؤَذِّنِينَ وَهُمْ مِمَّا يُعْلَمُ عَنْهُمْ أَنَّهُ قَدْ أَذَّنَ عَلَى الْوَقْتِ، فَإِنَّكَ تَأْخُذُ بِأَذَانِهِ. الشَّاهِدُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ، وَلَسْنَا نَحْنُ فِي مَقَامِ الْمَجَالِ الْفِقْهِ فِي دِرَاسَةٍ وَفِقْهِ وَدِرَايَةٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ مِنْ ذَلِكَ الْفَوَائِدُ الْأَدَبِيَّةُ وَالتَّوْجِيهِيَّةُ وَالْإِرْشَادِيَّةُ. فَالشَّاهِدُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ أَنَّ فِي هَذَا فَائِدَةٌ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ إذَا مُكِّنَ مِنْ الرِّزْقِ الْحَلَالِ وَمِنْ الطَّيِّبَاتِ الَّتِي أَبَاحَ اللَّهُ فَإِنَّهُ بِذَلِكَ يَفْرَحُ، فَإِنَّهُ بِذَلِكَ يَفْرَحُ فَرْحَةً عِنْدَ فِطْرِهِ كَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ، وَذَلِكَ لِمَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ مِنْ الطَّيِّبَاتِ. وَأَمَّا قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: كَيْفَ أَنَّ أَسْمَعُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾، كَيْفَ هُنَا يَقُولُ نَبِيُّنَا فَرْحَةً عِنْدَ فِطْرِهِ؟ وَفِي الْقُرْآنِ يَقُولُ رَبُّنَا: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾، كَيْفَ الْآنَ أَفْرَحُ وَلَا أَفْرَحُ؟ لَا يُقَالُ: الْعُلَمَاءُ افْرَحْ فِي مَوْقِفٍ وَلَا تَفْرَحْ فِي مَوْقِفٍ، الْقُرْآنُ لَهُ وَجْهٌ وَالسُّنَّةُ لَهَا وَجْهٌ. فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾، وَذَلِكَ لِمَنْ فَرِحَ بِالْمَلَذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ الْمُحَرَّمَةِ، لَا تَفْرَحْ بِهَا، كَحَالِ مَنْ نَزَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ لِقَارُونَ وَمَنْ كَانَ مِنْ زُمْرَتِهِ وَمَنْ كَانَ عَلَى شَاكِلَتِهِ مِمَّنْ فِيهِ الْأَشَرُ وَالْبَطَرُ وَالْعُلُوُّ فِي الْأَرْضِ وَالِاسْتِكْبَارُ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ. وَمَنْ يَفْرَحُ بِمَا حَرَّمَ اللَّهُ فَهَذَا لَا يَفْرَحْ، رَجُلٌ يَفْرَحُ مَاذَا إذَا أَصَابَ بَِرْكَةٍ أَوْ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً يَفْرَحُ بِهَا، رَجُلٌ بَلَغَ مِنْ ضَعْفِ إيمَانِهِ أَنَّهُ أَخِيرًا قَدْ وَصَلَتْهُ قَارُورَةُ خَمْرٍ فَفَرِحَ بِهَا، يُقَالُ لَهُ: لَا تَفْرَحْ، اتَّقِ اللَّهَ، لَا تَفْرَحْ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾، كَيْفَ تَفْرَحُ عَلَى إصَابَةِ الْمَعْصِيَةِ عَلَى نَيْلِكَ لِهَذِهِ الْقَارُورَةِ مَثَلًا؟ لَا، لَا تَفْرَحْ. وَهُنَا تَنْزِلُ هَذِهِ الْآيَاتُ، أَمَّا إذَا كَانَ الْفَرَحُ عَلَى الرِّزْقِ الْحَلَالِ، رَجُلٌ كَانَ عَلَى فَقْرٍ وَعَلَى ضَنْكٍ فَمَنَّ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا عَلَيْهِ بِرِزْقٍ حَلَالٍ، تَفْرَحُ، افْرَحْ يَا عَبْدَ اللَّهِ. قَالَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ، نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ». فَإِذَا مُكِّنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ مِنْ الْحَلَالِ مِنْ أَرْزَاقٍ طَيِّبَةٍ فَافْرَحْ بِهَا. وَعَلَى هَذَا تَنْزِلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ». مِنْ صُوَرِ الْفَرَحِ عِنْدَ الْفِطْرِ أَنَّ اللَّهَ مَكَّنَكَ مِنْ شَيْءٍ الْحَلَالِ. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ الْفَرَحِ، وَهُوَ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي بِهَا يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُ عِنْدَ فِطْرِهِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْفَرَحُ بِأَنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا يَسَّرَ لَكَ الصِّيَامَ وَيَسَّرَ لَكَ إتْمَامَ الْعِبَادَةِ، وَهَذَا هُوَ الْفَرَحُ الثَّانِي لِفَرَحِكَ عِنْدَ الْفِطْرِ. وَهَذَا النَّوْعُ الثَّانِي أَعْظَمُ مِنْ الْأَوَّلِ، بِهَذِهِ الْفَرْحَةِ، بِهَذِهِ النِّيَّةِ، هَذَا أَعْظَمُ مِنْ الْأَوَّلِ. كَمَا قُلْنَا: الْمُسْلِمُ الصَّائِمُ إذَا أَفْطَرَ فَإِنَّهُ يَفْرَحُ، فَبَعْضُهُمْ يَفْرَحُ لِأَنَّ اللَّهَ مَكَّنَهُ لِشَيْءٍ جِبِلِّيٍّ يَرْجِعُ لِلْأَكْلِ وَالشَّرَابِ وَالطَّعَامِ وَالْمَاءِ بَعْدَ مَنْعٍ مِنْهُ، فَهَذَا فَرَحٌ لَكَ. وَهُنَاكَ فَرَحٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّكَ تَفْرَحُ لِأَنَّ اللَّهَ أَتَمَّ لَكَ الْعِبَادَةَ، أَتَمَّ لَكَ الْعِبَادَةَ بِرَحْمَتِهِ وَبِفَضْلٍ مِنْهُ جَلّ وَعَلَا، أَنَّ اللَّهَ يَسَّرَ لَكَ الصِّيَامَ، هَذَا الْيَوْمَ مَرَّ عَلَيْكَ الصِّيَامُ وَأَنْتَ تَارِكٌ لِلطَّعَامِ وَتَارِكٌ لِلشَّرَابِ وَتَارِكٌ لِلشَّهَوَاتِ، فَسَلَّمَ لَكَ الْعِبَادَةَ، فَتَفْرَحُ. وَلِهَذَا مِنْ الْفَرَحِ الْمَحْمُودِ أَنَّكَ تَفْرَحُ لِلطَّاعَةِ وَتَفْرَحُ لِلْعِبَادَةِ. قَالَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، قَالَ الْعُلَمَاءُ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَكَثِيرٌ مِنْ أُمَّةِ السَّلَفِ: أَنَّ الْفَضْلَ الْمَقْصُودَ هُنَا الْفَرَحُ بِفَضْلِ اللَّهِ وَالْفَرَحُ بِرَحْمَتِهِ، أَنَّ الْفَضْلَ وَالرَّحْمَةَ تَدُورُ عَلَى الْإِسْلَامِ، تَدُورُ عَلَى السُّنَّةِ، تَدُورُ عَلَى الْقُرْآنِ، تَدُورُ عَلَى التَّوْحِيدِ، تَدُورُ عَلَى الْفِقْهِ فِي الدِّينِ. هَذِهِ الْمِثَالُ تَحْمَدُ اللَّهَ وَتَفْرَحُ عَلَيْهَا وَتَفْرَحُ بِهَا، أَنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا مَكَّنَ لَكَ الْعِبَادَةَ، مَكَّنَ لَكَ الْعِبَادَةَ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ تَحْمَدُ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا، وَيَنْشَرِحُ صَدْرُكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا مَكَّنَ لَكَ الْعِبَادَةَ. كَانَ بِمَقْدُورِكَ أَنْ تُفْشِلَ فِي صِيَامِكَ، تُفْشِلَ، يَأْتِيكَ النَّصَبُ وَالْجَهْدُ وَالضَّلَلُ وَتَعْفَى، تُفْطِرُ فَيَذْهَبُ صِيَامُ صَوْمِكَ، أَوْ تَقَعُ فِي ذَنْبٍ مَاذَا؟ مِنْ أَنَّكَ تَتَعَمَّدُ فِي الْإِفْطَارِ فَتَشْقَى فِي هَذَا الصَّوْمِ فَتَشْقَى فِي إفْطَارِكَ، فَيَذْهَبَ عَنْكَ الْأَجْرُ، كُلُّ ذَلِكَ كَانَ بِالْمَقْدُورِ. لَكِنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا سَلَّمَ لَكَ الصِّيَامَ، فَتَفْرَحُ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ أَتَمَّ لَكَ الْعِبَادَةَ، فَتَفْرَحُ بِفَضْلِ اللَّهِ. وَلِهَذَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ فَالْفَرَحُ بِالْعِبَادَاتِ أَفْضَلُ مِنْ الْفَرَحِ بِالدُّنْيَا، الْفَرَحُ بِالْعِبَادَاتِ أَفْضَلُ مِنْ الْفَرَحِ بِالدُّنْيَا. رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ غُلَامًا لَهُ إلَى إبِلِ الصَّدَقَةِ، وَكَانَتْ الْإِبِلُ قَدْ جُمِعَتْ فِي الْمَدِينَةِ فِي خَارِجِ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا خَرَجَ إلَيْهَا مَعَ غُلَامِهِ، إذْ بِالْغُلَامِ يَنْدَهِشُ مِنْ ذَلِكُمُ الْعَدَدِ الْكَبِيرِ وَالْكَثِيرِ وَالْوَافِرِ مِنْ الْإِبِلِ. لَمَّا رَأَى عُمَرُ ذَلِكَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، حَمِدَ اللَّهَ عَلَى نِعْمَةِ هَذِهِ الْأَمْوَالِ، لَكِنَّ الْغُلَامَ مَاذَا قَالَ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا وَاَللَّهِ فَضْلُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ، هَذَا وَاَللَّهِ فَضْلُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ. فَغَضِبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَقَالَ: كَذَبْتَ، وَالْكَذِبُ فِي لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ بِمَعْنَى أَخْطَأْتَ. فَقَالَ: كَذَبْتَ، إنَّمَا فَضْلُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ وَالْقُرْآنُ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. فَكَانَ السَّلَفُ عِنْدَهُمْ أَنَّ أَعْظَمَ فَضْلٍ وَأَعْظَمَ رَحْمَةٍ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْعِبَادِ أَنْ يَفْرَحُوا بِهَا: أَنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا أَتَمَّ لَهُمْ الدِّينَ، أَنْ جَعَلَكَ مُسْلِمًا، أَنْ جَعَلَكَ عَلَى هِدَايَةٍ، أَنْ جَعَلَكَ عَلَى اسْتِقَامَةٍ، أَنْ جَعَلَكَ عَلَى طَاعَةٍ. هَذِهِ الَّتِي يُحْمَدُ عَلَيْهَا الْعَبْدُ، تَفْرَحُ بِهَا، تَتَلَذَّذُ بِهَا، يَنْشَرِحُ بِهَا صَدْرُكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ. وَلِهَذَا كَانَ مِنْ شَأْنِ السَّلَفِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَلَذَّذُونَ بِالْعِبَادَاتِ، يَتَلَذَّذُونَ بِالْعِبَادَاتِ. يَقُولُ بَعْضُ السَّلَفِ: يَقُولُ: مَسَاكِينُ أَهْلِ الدُّنْيَا خَرَجُوا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا ذَاقُوا أَلَذَّ مَا فِيهَا، ذِكْرُ اللَّهِ وَطَاعَتُهُ، ذِكْرُ اللَّهِ وَطَاعَتُهُ، هَذَا أَلَذُّ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا. كَانَ أَهْلُ الصَّفْحَةِ يَتَلَذَّذُونَ يَتَلَذَّذُونَ بِذِكْرِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. وَيَقُولُ مُحَمَّدُ الْمُنْكَدِرُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ: مَا بَقِيَ لِي شَيْءٌ فِي الدُّنْيَا أَتَلَذَّذُ بِهِ إلَّا الصَّلَاةَ فِي الْجَمَاعَةِ وَقِيَامَ اللَّيْلِ وَمُجَالَسَةَ الصَّالِحِينَ، هَذَا الَّذِي بَقِيَ لِي فِي الدُّنْيَا أَتَلَذَّذُ بِهِ. فَالسَّلَفُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى كَانَتْ أَعْظَمُ لَذَّةٍ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَ فِي الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ، لَا، بَلْ كَانَتْ هِمَمُهُمْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، كَانُوا يَتَلَذَّذُونَ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، يَتَلَذَّذُونَ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. فَنَعْلَمُ بِإِخْوَانِي بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ»، أَنَّ مِنْ الْفَرَحِ عِنْدَ الْفِطْرِ أَنَّكَ تَحْمَدُ اللَّهَ وَتَفْرَحُ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا أَتَمَّ لَكَ الصِّيَامَ. وَهُنَا تَأْتِي مَسْأَلَةٌ، قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: إذَنْ هَلْ يَجُوزُ لِي أَنْ أَفْرَحَ بِالْعِبَادَاتِ؟ يُقَالُ: نَعَمْ، يَجُوزُ، إذَا صَلَّيْتَ تَفْرَحُ بِأَنَّ اللَّهَ أَتَمَّ لَكَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا حَجَجْتَ، وَإِذَا صُمْتَ، وَإِذَا زَكَّيْتَ، وَإِذَا طَلَبْتَ الْعِلْمَ، تَحْمَدُ اللَّهَ وَتَفْرَحُ لَكَ أَنْ تَفْرَحَ. لَكِنْ قَالَ الْعُلَمَاءُ عَنْ مَا بِشَرْطِ أَنْ هَذَا الْفَرَحُ لَا يَصِلُ بِكَ إلَى حَدِّ الْعُجْبِ، لَا يَصِلُ بِكَ إلَى حَدِّ الْعُجْبِ بِالنَّفْسِ، أَوْ أَنْ هَذَا الْفَرَحُ لَا يَصِلُ بِكَ إلَى حَدِّ الْمَنِّ، أَنْ تَمُنَّ عَلَى النَّاسِ، تَمُنَّ عَلَى رَبِّكَ جَلّ وَعَلَا: أَنَا فَعَلْت، أَنَا حَجَجْتُ خَمْسِينَ حَجَّةً، أَنَا صَلَّيْتُ كَذَا صَلَاةٍ، تَذْكُرُ وَأَرَدْتَ بِهَذَا الذِّكْرِ مَاذَا؟ الْفَخْرَ وَالْمَنَّ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى النَّاسِ، هَذَا لَا يَجُوزُ، بَلْ هَذَا مِنْ الْفَرَحِ الْمَذْمُومِ، مِنْ الْفَرَحِ الْمَذْمُومِ. وَإِنَّمَا إذَا أَرَدْتَ أَنْ تَفْرَحَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بِمَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ بِتَوْفِيقِهِ أَنَّهُ يَسَّرَ لَكَ إتْمَامَ الْعِبَادَةِ، فَهَذَا مِنْ الْفَرَحِ مَاذَا؟ الْجَائِزِ، بَلْ هُوَ كَمَا يَقُولُ الْعُلَمَاءُ: ذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ الصِّدْقِ الْإِيمَانِ، مِنْ عَلَامَاتِ الصِّدْقِ الْإِيمَانِ، أَنَّكَ تَفْرَحُ بِالطَّاعَةِ وَتَفْرَحُ بِالْعِبَادَةِ. فَأَسْأَلُ مَوْلَى جَلّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.