الدرس في قراءة في فتاوى العلامة العثيمين في الصيام 4، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يناقش هذا الفصل أهمية شهر رمضان ومفهوم الصيام وأقسامه، مشيرًا إلى نعم الله على عباده مثل نزول القرآن وغزوة بدر. يشدد على فضائل الشهر مثل مغفرة الذنوب لمن صام إيمانًا واحتسابًا.
يتناول هذا الفصل أحكام الصيام لمن لا يجب عليهم الصوم مثل الأطفال وكبار السن، كما يشرح أحكام الصيام للمسافرين والمرضى والحائض والنفساء، ويوضح المفطرات التي تبطل الصيام.
يتحدث هذا الفصل عن تفاصيل فقهية متعلقة بالصيام مثل عدم الإفطار للجاهل أو الناسي واستخدام الطيب أثناء الصيام، كما يشدد على أهمية صلاة التراويح وإقامتها كما كان النبي يقيمها.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، فكان من الأسئلة التي تقدم قراءتها السؤال عن أقسام الصيام. وأجاب الشيخ رحمه الله بأن الصيام ينقسم إلى قسمين: مفروض وغير مفروض. والمفروض قد يكون لسبب أو لغير سبب. وهكذا غير المفروض قد يكون مطلقا وقد يكون معينا. والمطلق استثنى منه ما جاء النهي عن صيامه، كيومي العيدين، وهكذا الجمعة بصيام، وأيام التشريق، إلا لمن لم يجد الهدي. وأيام التشريق هي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر. ولعله حصل وهم أو خطأ بذكر الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وإنما هذه صيام أيام البيض. فأيام التشريق الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، أما الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر فهي أيام البيض. ثم سئل رحمه الله تعالى عن كلمة بمناسبة استقبال شهر رمضان، فقال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، الصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، من محمد الصالح العثيمين إلى من يبلغه من عباد الله المؤمنين، سلك الله بنا وبهم طريق الهداية والصواب آمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد، فإنه بمناسبة استقبال شهر رمضان، أقدم لإخواني هذه الكلمة، راجيا من الله تعالى أن يجعل عملنا جميعا خالصا لوجهه وتابعا لما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فنقول مستعينين بالله: لا شك أن من نعمة الله على عباده أن من عليهم بهذا الشهر الكريم الذي جعله موسما للخيرات ومغتنما لاكتساب الأعمال الصالحات، وأنعم عليهم فيه بنعم سابقة ونعم مستمرة دائمة. ففي هذا الشهر أنزل الله القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وفي هذا الشهر حصلت غزوة بدر الكبرى التي أعز الله فيها الإسلام وأهله وخذل فيها الشرك وأهله، وسمي يومها يوم الفرقان. وفي هذا الشهر حصل الفتح الأعظم الذي طهر الله فيه البيت الحرام من الأوثان، ودخل الناس بعده في دين الله أفواجا. وفي هذا الشهر أعطيت أمة محمد صلى الله عليه وسلم خمس خصال لم تعطهن أمة من الأمم قبلهم: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزين الله كل يوم جنته، ثم يقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى ويصيروا إليك، وتصفد فيه مردة الشياطين، فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة، قيل: يا رسول الله، هي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله. ومن صام هذا الشهر إيمانا بالله واحتسابا لما عند الله، غفر الله له ما تقدم من ذنبه. ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر الله له ما تقدم من ذنبه. ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر الله له ما تقدم من ذنبه. هذه التراويح التي نصليها من قيام رمضان. وفي قيام رمضان إيمانا واحتسابا، ما سبق من الأجر قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة. وهذه نعمة كبرى لا ينبغي للمؤمن أن يتركها، بل ينبغي له أن يثابر عليها ويحافظ على التراويح مع الإمام من أولها إلى آخرها. كثير من الناس ضيعوا قيامهم مع الإمام بالتجول في المساجد، فيصلون في هذا المسجد تسليمة أو تسليمتين، وفي المسجد الثاني كذلك، فيفوتهم القيام مع الإمام حتى ينصرف، ويحرمون أنفسهم هذا الخير الكثير، وهو قيام الليل. والأولى للإنسان إذا كان يحب أن يتخير من المساجد أن يذهب إلى المسجد الذي يريد من أول الأمر، ويبقى فيه حتى ينصرف الإمام. كثير من إخواننا أئمة المساجد يسرعون في التراويح في الركوع والسجود إسراعا عظيما يخل بالصلاة ويشق على الضعفاء من المأمومين، وربما أسرع بعضهم إسراعا يخل بالطمأنينة التي هي ركن من أركان الصلاة. ولا صلاة بلا طمأنينة. وإذا لم يخل بالطمأنينة، فإنه يخل بمتابعة المأمومين، إذ لا يمكنهم المتابعة التامة مع هذه السرعة. قد قالها العلماء رحمهم الله: إنه يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يسن، فكيف إذا كانت تمنعهم فعل ما يجب؟ النصيحة لهؤلاء الأئمة أن يتقوا الله تعالى في أنفسهم وفي من خلفهم من المسلمين، وأن يؤدوا تراويحهم بطمأنينة، وأن يعلموا أنهم في صلاتهم بين يدي مولاهم، يتقربون إليه بتلاوة كلامه وتكبيره وتعظيمه والثناء عليه ودعائه بما يحبون من خيري الدنيا والآخرة، وهم على خير إذا زاد الوقت عليهم ربع ساعة أو نحوها، والأمر يسير، ولله الحمد. أوجب الله الصيام أداء على كل مسلم مكلف قادر مقيم. فأما الصغير الذي لم يبلغ، فإن الصيام لا يجب عليه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن ثلاثة، وذكر الصبي حتى يبلغ. ولكن يجب على وليه أن يأمره بالصيام إذا بلغ حدا يطيق الصيام فيه، لأن ذلك من تأديبه وتمرينه على فعل أركان الإسلام. ونرى بعض الناس ربما يترك أولاده فلا يأمرهم بصلاة ولا صوم، وهذا غلط. فإنهم مسؤولون عن ذلك بين يدي الله تبارك وتعالى، وهم يزعمون أنهم لا يصومون أولادهم شفقة عليهم ورحمة بهم. والحقيقة أن الشفيق على أولاده والراحم لهم هو من يمرنهم على خصال الخير وفعل البر، لا من يترك تأديبهم وتربيتهم تربية نافعة. وأما المجنون ومن زال عقله أو بهرم أو نحوه، فإنهم لا صيام عليهم ولا إطعام لعدم العقل عندهم. وأما العاجز عن الصيام، فإن كان يرجو زوال عجزه كالمريض الذي يرجو الشفاء، فإنه ينتظر حتى يعافيه الله، ثم يقضي ما فاته، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. وأما العاجز الذي لا يرجو زوال عجزه كالكبير والمريض الآيس من البرء، فهذا ليس عليه الصيام، وإنما الواجب عليه أن يطعم عن كل يوم مسكينا. وهو بالخيار، إن شاء صنع طعاما ودعا إليه فقراء بعدد أيام الشهر، وإن شاء أعطى كل فقير نصف صاع من البر. والمرأة الحائض والنفساء لا تصوم وتقضي بعد الطهر بعدد الأيام التي أفطرت. وإذا حصل الحيض والنفاس في أثناء يوم الصيام، بطل الصوم، واجب عليها قضاء ذلك اليوم الذي حدث فيه الحيض أو النفاس. كما أنه إذا انقطع الدم في أثناء نهار رمضان، واجب عليها أن تمسك بقية يومها، ولا تحتسب به، بل تقضي بدله. والمسافر مخير، إن شاء صام وإن شاء أفطر، إلا أن يشق عليه الصيام، فإنه يفطر، ويكره له الصيام، لأن في ذلك رغبة عن رخصة الرحيم الكريم، وزهدا فيها. وإن كان الصيام لا يشق عليه ولا يفوت حاجته، فالصوم أفضل، لما في الصحيحين من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعبد الله بن الرواحة. قال رحمه الله تعالى: المفطرات وهي الأكل والشرب من أي نوع كان المأكول أو المشروب. وبمعنى الأكل والشرب الحقن، أي الإبر التي يكون فيها تقوية للجسم أو تكسبه ما يكسبه الطعام من القوة، فهذه تفطر، ولا يجوز استعمالها للمريض إلا حيث يجوز له الفطر، مثل أن يضطر إلى استعمالها نهارا، فهذا يجوز له استعمالها ويفطر ويقضي بدل الأيام التي استعملها فيها. وأما الإبر التي ليست كذلك، مثل إبر البنسلين، فهذه لا تفطر، لأنها ليست طعاما ولا شرابا لا لفظا ولا معنى. لكن على كل حال الأحوط للإنسان تركها في الصيام. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». والجماع وهو من كبائر الذنوب للصائم في نهار رمضان، وفيه الكفارة المغلظة: عتق رقبة، فإن لم يجد رقبة بأن كان ليس له مال أو له مال ولكن لا يوجد رقيق بوجه شرعي، فإنه يصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع، وجب عليه إطعام ستين مسكينا، وتقدم كيفية الإطعام. والإنزال، أي إنزال المني بفعل الصائم، مثل أن يقبل زوجته فيمني، فإنه يفسد صومه. وأما إذا كان الإنزال بغير فعله، مثل أن يحتلم فينزل، فإن صيامه لا يبطل، لأن ذلك بغير اختياره. ويحرم على الصائم أن يباشر مباشرة يخشى من فساد صومه بها، فلا يجوز أن يقبل زوجته أو يلمسها مثلا إذا كان يظن أن ينزل منيه بسبب ذلك، لأن فيه تعريضا لصيامه للفساد. والحجامة، قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» لحديث رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه الترمذي وأحمد، وقال: هو أصح شيء في هذا الباب. وصححه ابن حبان والحاكم. وروى أحمد وأبو داود وابن ماجة من حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس مثله. فأما خروج الدم بالجرح أو قلع الضرس أو الرعاف أو نحوه، فإنه لا يفطر الصائم. والقيء إذا استقاء فقاء، فأما إن غلبه القيء بغير اختياره، فإنه لا يفطر. ولا يفطر الصائم إن فعل شيئا من هذه المفطرات جاهلا أو ناسيا، لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، وقال: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». وقال: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». وثبت في صحيح البخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت: أفطرنا يوما من رمضان في غيم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم طلعت الشمس، ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالقضاء. ومثل ذلك إذا أكل يظن أن الفجر لم يطلع، فتبين أنه طالع، فصومه صحيح، ولا قضاء عليه. وجائز للصائم أن يتطيب بما شاء من الطيب من بخور أو غيره، ولا يفطر بذلك. وجائز للصائم أيضا أن يداوي عينه بما شاء من قطور أو ذرور، ولا يفطر بذلك. والله أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذه كلمة عظيمة قالها الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى، نصحا للأمة. وخلاصة هذه الكلمة فيها النصيحة لأئمة المساجد بأن يقيموا صلاة التراويح كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يقيمها. «صلوا كما رأيتموني أصلي». ونبه على الخطأ الذي يقع فيه بعض الأئمة من الإسراع في الصلاة، ونقر الصلاة، والسرعة فيها، والإخلال بربما بالأركان من الطمأنينة أو كذلك بالمشقة على المأمومين. وهذا حاصل، وهذا حاصل، تجد في بعض المساجد يصلون صلاة سريعة، ينقرونها نقرا، صلاة سريعة جدا، يقرؤون الفاتحة لا اطمئنان فيها. بسم الله الرحمن الرحيم، هذه قراءة سورة الفاتحة على هذا الوجه، أين التدبر لكلام الله جل وعلا؟ وهكذا السورة بعدها، والركوع، الله أكبر، ثم يميطون الله من الحمد، الله أكبر، ما في اطمئنان، ولا في كذلك يعني قراءة فيها شيء من التمهل، ولا اطمئنان في الركوع، ولا في السجود. هل هذه الصلاة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل هكذا كانت صلاة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؟ هل هكذا صلاة الشافعي وأحمد ومالك؟ هل هكذا صلاة السلف؟ صلونا هذه الصلاة صلاة سريعة، وينقرونها نقرا. فنبه رحمه الله تعالى في هذه الكلمة العظيمة الجامعة على هذا الخطأ الذي يقع فيه بعض أئمة المساجد. ونبه كذلك على أن بعض الناس يتتبعون المساجد، يصلون هنا بعض الركعات، ثم يذهبون إلى المسجد الآخر بعض الركعات، فيفوتهم أجر القيام مع الإمام الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «من صلى مع إمامه حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة». صل أنت مع إمام واحد. بعض الناس يتتبع الأصوات، لا يتتبع السنة، يتتبع الصوت. فبعض المساجد السنة فيه ظاهرة بالصلاة، واهتمام في الركوع والسجود، صلاة أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أقرب إلى صلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وبعض المساجد ما فيها إلا الصوت الحسن، ما فيها إلا الصوت الحسن، فيقدمون الصوت الحسن على السنة، وهذا خطأ. الإنسان لا يتبع الأصوات. تجد الآن في بعض المساجد، يزدحمون، يزدحمون سيارات ودراجات، سبحان الله، تعجب. فتجد أن السبب في ذلك أن إمام هذا المسجد يعني صاحب صوت حسن، هذا الذي يجعلهم يأتون. فأنكر بعض العلماء، الشيخ السعدي رحمه الله تعالى عليه، وجمع من العلماء ينكرون على الذين يتتبعون الأصوات. وإنما يتتبع السنة، أي المسجد التي فيها السنة ظاهرة. فغض النظر عن الصوت، ليس الصوت، وإنما أين السنة؟ أين السنة؟ أين الصلاة التراويح في المسجد التي فيها الصلاة أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ في الحرص على السنة، وإقامة السنة، هذا المسجد يحرص على الإتيان إليه، ولو كان بعيدا، لأجل السنة، لا لأجل الصوت. فصار كثير من الناس يتبعون الأصوات، نسأل الله العافية والسلامة. وهكذا أشار رحمه الله تعالى في هذه الكلمة الجامعة إلى بعض أحكام الصيام، على من يجب، وعلى من لا يجب، وذكر بعض المفطرات، وبعضها فيها خلاف. لكن ذكر هو ما ترجح له. الحجامة مثلا، يرى رحمه الله تعالى أنها تفطر. ومذهب الشافعي والجمهور أنها لا تفطر. ولعله الراجح في هذا. فذكر في هذه الكلمة الجامعة العظيمة هذا الذي سمعتم وقرأناه فيما يتعلق بالنصيحة بالقيام، وبالتنبيه على أحكام الصيام، وبالإشارة إلى تمرين الصبيان على الصيام، والتحرز على ذلك، وغير ذلك مما تقدم ذكره. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هنا ننبه على أنه إن شاء الله سيكون الباص في الغد الساعة السابعة. الباص سيدور إن شاء الله الساعة السابعة، بحسب المواقع التي يمر عليها، الساعة السابعة لمن يريد أن يأتي إلى المسجد. والحمد لله رب العالمين.