الدرس في وقفات عرفان مع صحابة النبي العدنان 11، الدرس الحادي عشر:( فضائل أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها ). ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
خديجة بنت خويلد أول من آمن بالنبي ودعمته مالياً ومعنوياً في بداية الدعوة. لعبت دوراً حاسماً في تثبيت النبي ونصرة الإسلام.
ذكرت فضائل خديجة مثل نصرتها للنبي وحب النبي لها وإكرامه لأحبائها. بشرت ببيت في الجنة لفضلها ونصرتها لدين الله.
قورنت خديجة وعائشة في الفضل، حيث فضلت خديجة في السبق إلى الإسلام ونصرتها للنبي، وفضلت عائشة في العلم والفقه. كلتاهما لهما دور مهم في تاريخ الإسلام.
أكد المقطع الأخير على أهمية طاعة الله ورسوله وجزاء المطيعين. اختتم بالصلاة على النبي وآله وصحبه، معرباً عن الامتنان للمشاهدين.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فهذه وقفة من وقفات العرفان مع صحابة النبي العدنان، مع أم المؤمنين خديجة رضي الله تعالى عنها. فهي خديجة بنت خويلد ابن أسد ابن عبد العزى ابن قصي، الطاهرة العفيفة، أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها. توفيت في رمضان في السنة العاشرة بعد النبوة. وفضائلها كثيرة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فهي الطاهرة في جاهليتها وفي إسلامها. كانت تلقب بالطاهرة؛ وذلك لطهارتها عن الأخلاق السيئة، ولذلك شرفها ولمكانتها وليعفتها رضي الله تعالى عنها وأرضاها. وهي من السابقات إلى هذا الدين العظيم، فخديجة رضي الله تعالى عنها هي أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كانت من السابقات وحازت السبق في الدخول في دين الله جل وعلا، وفي نصرة رسول الله عليه الصلاة والسلام ودين الله سبحانه وتعالى. فقد نصرت رسول الله عليه الصلاة والسلام نصرا مؤزرا، فقد هيأت له البيت الهادئ ليقوم بأداء هذه الرسالة العظيمة والدعوة إلى دين الله جل وعلا، فقد يسرت له ذلك بمالها، أوسته مواساة عظيمة. وهكذا ثبتته رضي الله تعالى عنها وأيدته منذ بداية دعوته عليه الصلاة والسلام. في البخاري من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي الرؤية الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم إنه عليه الصلاة والسلام كان يتحنث -أي يتعبد- الليالي ذوات العدد في غار حراء. فجاءه جبريل عليه الصلاة والسلام إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له: «اقرأ»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أنا بقارئ». فقال: فغطني حتى بلغ مني الجهد مبلغا، ثم أرسلني، فقال: «اقرأ». قال: ما أنا بقارئ. قال: فغطني المرة الثانية حتى بلغ بي الجهد، ثم أرسلني، فقال: «اقرأ». قال عليه الصلاة والسلام: ما أنا بقارئ. قال: فغطني الثالثة حتى بلغ بي الجهد، ثم أرسلني، فقال: «اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم». فجاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى خديجة يرجف فؤاده عليه الصلاة والسلام، قائلا لخديجة: «زملوني، زملوني». فزملوه، فبعد أن أفاق عليه الصلاة والسلام، وبعد أن ذهب عنه الروع عليه الصلاة والسلام، أخبر خديجة بما حصل له عليه الصلاة والسلام، حتى قال عليه الصلاة والسلام لها: «لقد خشيت على نفسي». فقالت خديجة: «كلا والله، ما يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وإنك لتحمل الكل، وإنك لتقرئ الضيف، وإنك لتكسب المعدوم، وإنك لتعين على نوائب الحق». فأتت به ورقة ابن نوفل ابن عمها، وقد كان شيخا كبيرا، وقد كان يكتب بالعبرانية ما شاء أن يكتب من الإنجيل، وقد عمي. فأخبرته بما حصل للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال ورقة للنبي عليه الصلاة والسلام: «أخبرني خبرك». فقال له النبي عليه الصلاة والسلام ما حصل له. فقال ورقة: «ذلك الناموس الذي نزل الله على موسى، ذلك الناموس الذي نزل الله على موسى. ليتني فيها جذعا، ليتني فيها جذعا إذ يخرجك قومك». فقال عليه الصلاة والسلام: «أو مخرجي هم؟» فقال ورقة: «ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، ولئن أدركني يومك لأنصرك نصرا مؤزرا». هذا من فضلها رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وواسته بمالها وبنفسها رضي الله تعالى عنها وأرضاها. ومن فضائل أم المؤمنين خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها أن النبي عليه الصلاة والسلام قد رزق حبها. في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها أنها قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما غرت على خديجة، وما رأيتها، ولم أدركها؛ لكثرة ما كان عليه الصلاة والسلام يذكرها، حتى إنه عليه الصلاة والسلام كان ليذبح الشاة ويقطعها أعضاء، ثم يبعث بها إلى صدائق خديجة وإلى خلائلها. قالت: فأغضبته يوما، فقلت له: كأنه ليس في الدنيا إلا خديجة. فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله جل وعلا قد رزقني حبها». وكذلك من فضل أم المؤمنين خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج عليها في حياتها. كما جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها أنها قالت: لم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم على خديجة في حياتها، وتزوجني بعد ثلاث سنين بعد وفاتها رضي الله تعالى عنها وأرضاها. وهكذا من فضائل أم المؤمنين خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها أن الله جل وعلا رزق النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها الولد. فما كان للنبي عليه الصلاة والسلام من أولاد إلا من خديجة، وأما إبراهيم فهو من السريّة مارية القبطية. ومن فضائل خديجة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب من يحب خديجة، ويكرم من كان يكرم خديجة. فكما تقدم كان عليه الصلاة والسلام يذبح الشاة ويقطعها أعضاء، ويبعث بها إلى أصدقاء خديجة. وفي حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه وأرضاه في الصحيحين أيضا أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أتى إليه بالشيء قالوا: «اذهبوا به إلى أصدقاء خديجة». وكان يفرح ويسر باستئذان هالة بنت خويلد أخت خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. ثبت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها قالت: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعرف استئذانها عليه الصلاة والسلام، فكان يفرح بذلك عليه الصلاة والسلام؛ لما يعرف من استئذان خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. وهكذا من فضائل أم المؤمنين خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها أنها من فضليات أهل الجنة، فقد بشرها النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة بأمر الله جل وعلا. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: أتى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له: «هذه خديجة، معها إدام أو طعام أو شراب، فإذا أتتك فقري عليها السلام». فقال جبريل له: «فقري عليها السلام من ربها ومني». وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا نصب فيه ولا وصب. قال العلماء: بيت من قصب، أي من قصب اللؤلؤ المجوف، فهو قصر مجوف باللؤلؤ إكراما لخديجة رضي الله تعالى عنها. ومن فضائل أم المؤمنين خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها أنها كانت من سيدات نساء أهل الجنة. ثبت في حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه عند أحمد وأبي يعلى والطبراني وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في «الصحيحة» أن النبي عليه الصلاة والسلام خط أربعة خطوط، قالوا: أتدري ما هذا؟ قال: «سيدات نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون». فبين النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أن خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها من سيدات نساء أهل الجنة. وهذا من الفضل العظيم الذي حازته أم المؤمنين خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. وقد اختلف أهل العلم أيهما أفضل: خديجة بنت خويلد أم عائشة رضي الله تعالى عنها؟ فمنهم من قال: خديجة، ومنهم من قال: عائشة، ومنهم من جمع، وهو الصواب. ذهب إلى ذلك السفاريني رحمه الله تعالى، كما قال في أبياته في «السفارينية»: عائشة في العلم، مع خديجة في السبق. فافهم نكتة النتيجة. أي نكتة النتيجة أن عائشة رضي الله تعالى عنها أفضل في العلم، فكانت عالمة فقيهة، وهي فقيهة هذه الأمة وأعلم نساء هذه الأمة. وخديجة رضي الله تعالى عنها فضلت عائشة في سبقها إلى هذا الدين، وفي نصرتها لرسول الله عليه الصلاة والسلام ولدين الله جل وعلا. وهذا هو مذهب جماعة من العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة. ولكل منهن فضائل رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن. وسيأتي معنا في الدرس اللاحق إن شاء الله تعالى وقفة مع أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنها، بذكر فضائلها ومنزلتها عند رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفي قلوب أهل الإيمان إن شاء الله تعالى. صلى الله وسلم وبارك علينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. نريد نصيحة للآباء الذين يأتون بأولادهم إلى المساجد؛ لأن الأبناء يودون المعتكفين، ويشوشون عليهم، ويلعبون ويتضاربون. هذا ما يحتاج كلام، يكفي نصيحة. الأولاد الذين يشوشون على المعتكفين ما ينبغي، بارك الله فيكم. الأولاد إذا كان في مجيئهم تشويشا للآخرين، الإنسان يضبط أولاده، أو يكون عندهم الأمر لا إفراط ولا تفريط. بعض العوام عندهم غلو في أمر الأولاد، يمكن إذا مجرد أنه يرى الولد في المسجد ينقبض، هذا ما ينبغي، هذا غلو. الأمر وسط، الأولاد يأتون المساجد يتربون ويرون المسلمين يصلون، يتعلمون، يتخلقون بالأخلاق، لكن بضوابط الشرع، لا نجعل أولادنا يأتون المساجد يؤذون الناس، الناس في صلاة، وهم يلعبون، كيف يخشعون هؤلاء المصلون في صلاتهم؟ أو الناس في اعتكاف، وهؤلاء يشوشون. فعلى أولياء أمور هؤلاء الأولاد أن ينتبهوا لأولادهم، لا نقول لهم: لا تأتوا بهم إلى المسجد ومنعهم، لا، أتوا بهم إلى المسجد، لكن عليكم أن تراقبوهم، وأن تهتموا بهم. وهل ورقة بن نوفل من الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ نعم، ورقة بن نوفل شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وهو من آمن به عليه الصلاة والسلام. ودخل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 71]، والله تعالى أعلم. صلى الله عليه وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شكرا للمشاهدة.