الدرس في حلية طالب العلم 10، ألقاها
ذكر الشيخ تحذير العلماء من الطبوليات وهي المسائل التي يراد بها الشهرة، وأثرها على إخلاص النية. وأوضح أن هذا المصطلح ليس مشتهرًا ولكن ورد في بعض كتب أهل العلم.
ناقش المقطع أهمية التمسك بالإخلاص لله وخشية الوقوع في نواقضه، وخطورة اتباع زلات العلماء خاصة علماء الضلال. وحذر من الشرك والرياء.
أكد الشيخ على أهمية الإخلاص ومراقبة النية في العبادة، واستدل بقول سفيان الثوري عن صعوبة التعامل مع النية، وأهمية الاستعانة بالله لتحقيق الإخلاص.
تضمن المقطع ذكر الله تعالى والاستغفار والتوبة إليه، حيث يقر العبد بتوحيد الله ويطلب العفو والمغفرة ويتوب من الذنوب والمعاصي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى: قال وللعلماء في هذا أقوال ومواقف، بيّنت طرفا منها في المبحث الأول من كتاب التعالم. قال: ويزاد عليه نهي العلماء عن الطبوليات، قال: وهي المسائل التي يراد بها الشهرة. وقد قيل: زلة العالم مضروب لها الطبل. يقول الشيخ رحمه الله تعالى: بعد أن ذكر وبيّن أهمية الإخلاص وما يشوب الإخلاص وما يناقض الإخلاص، ذكرها هنا رحمه الله أن العلماء قد اعتنوا بهذا الباب اعتناء فائقا، وحذروا من الأمور التي تشوب النية تحذيرا بالغا. ومن هذه الأمور ما يلقبه بعض أهل العلم بالطبوليات. وهذا الإصطلاح، كما علق عليه العلامة العثيمين رحمه الله تعالى، بأنه إصطلاح فيه نوع غرابة، أي ليس بمشتهر. ليس بمشتهر بمعنى أنك لا ترى في كتب أهل العلم المشهورة مثل هذه التعابير. ولكن الشيخ رحمه الله تعالى صاحب استقراء، فلعله وقف على مثل هذه التعبيرات لبعض أهل العلم. ورأيت في بعض الكتب، ككتاب إحياء علوم الدين للغزالي، ذكر مثل هذه التعبيرات. وكتاب إحياء علوم الدين للغزالي فيه من المخالفات الشيء الكثير، فليحذر. قوله رحمه الله تعالى: عن الطبوليات، ويزاد عليه نهي العلماء عن الطبوليات. قد يقول قائل: ما هي الطبوليات؟ قال الشيخ: وهي المسائل التي يراد بها الشهرة. ما هي الطبوليات؟ المسائل التي يراد بها الشهرة. وتقدم معنا أن قصد الشهرة هذا مما يشوب إخلاص النية، مما يؤثر على النية. يأتي بمسألة غريبة ومسألة شاذة ومسألة لم يسبق إليها حتى يقال بأن فلانا قد قال. وقد قال الشيخ العلامة العثيمين رحمه الله تعالى في التعليق ها هنا: لماذا سميت بالطبوليات؟ قال: لأنها مثل الطبل لها صوت ورنين. قال: فهذا إذا جاء في مسألة غريبة عند الناس واشتهرت عنهم، كأنها صوت الطبل، فهذه يسمونها الطبوليات. قال: ولم أسمع بهذا، لكن وجهها واضح، وهو كما قال رحمه الله تعالى. وكلما كثر جهل وترأس رؤساء الجهل من علماء الضلالة، تجد مثل هذه المسائل. وما أكثرها عند علماء الضلالة. تجد الرجل يحب أن يأتي بالغريب حتى يقال بأن فلانا قد قال، حتى يقال ويشتهر بأن فلانا قد قال. فهذا مما يحذر منه. وكذلك مما يحذر منه طالب العلم. قال: وقد قيل: زلة العالم مضروب لها الطبل. الزلة من العالم، العالم هو بشر من بني آدم يصيب ويخطئ. إلا أن العلماء رحمهم الله تعالى حذروا من الأخذ بزلة العالم. لماذا؟ لأنها كما قيل لها أتباع. العالم إذا زل كان لزلته أتباع، فينبغي في مثل هذا أن يراعى هذه المسائل التي تكون غالبا خارج عن الأصل. فإذا رأى إنسان مسألة أفتى بها عالم لم تعهد هذه الفتوى عن مثل هذا العالم، أو لم تعهد هذه الفتوى عن العلماء، فهل لهم أن يقلدوا ذلك العالم ويقولون قد قال بها فلان؟ الجواب: لا. لذا تجد في كتب أهل العلم يحذرون من هذه المسألة، خاصة فيقولون: اتقوا زلة العالم. وقد قال من قال من السلف رحمهم الله تعالى: من تتبع رخص العلماء تزندق. بعض أهل العلم باجتهاد منه قد يقول المسألة لا يتفطن لهذه المسألة، أو يكون لم يتصورها تصورا تاما، فحكم بحكم لم يكن ذلك الحكم صوابا. فماذا ينبغي على الناس؟ ينبغي على الناس ألا يتبعوه على تلك الزلة. فكيف إذا كان ذلك العالم من علماء الضلال؟ فينبغي عليهم وجوبا أن لا يتبعوا، أن لا يكونوا أتباعا لذلك العالم الضال. وما أكثرهم في زماننا من علماء السوء، والذين يفتون بمسائل يتعجب منها الإنسان كيف يفتون بها. بعض الناس يفتون في مثل هذه الأيام ببعض المسائل يتعجب الإنسان كيف يفت بها هؤلاء. لكن كما قيل: إذا جاء شهر رجب، بطل العجب. قال رحمه الله تعالى: وعن سفيان -وسفيان هاهنا هو سفيان بن عيينة- قال: كنت أوتيت فهم القرآن، فلما قبلت الصرة -جاء في الجامع للخطيب أنه قال: فلما قبلت الصرة من أبي جعفر، وكان هو الوالد أنا ذاك- سلبته، أي سلب فهم القرآن. وهذا فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا انصرف ولو بشيء يسير عن ما هو فيه من الخير والعلم، كان ذلك الشيء سببا لضياع بعض الخير عنه، ولفقد بعض الخير عنه. قال رحمه الله تعالى: فاستمسك -رحمك الله تعالى- بالعروة الوثقى العاصمة من هذه الشوائب. أن ينبغي للإنسان أن يكون حريصا على قلبه من هذه الشوائب ما استطاع إلى ذلك سبيلا. قال رحمه الله تعالى: بأن تكون مع بذل الجهد في الإخلاص، شديد الخوف من نواقضه، عظيم الافتقار والالتجاء إليه سبحانه. ويؤثر عن سفيان الثوري رحمه الله قوله: ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي. وعن عمر بن ذر أنه قال لوالده: يا أبي، ما لك إذا وعدت الناس أخذهم البكاء، وإذا وعد غيرك لا يبكون؟ فقال: يا بني، ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة. قال الشيخ: وفقك الله لرشدك، آمين. قوله رحمه الله تعالى: فاستمسك -رحمك الله تعالى- بالعروة الوثقى العاصمة من هذه الشوائب، وهو الإخلاص لله جل وعلا، إخلاص الدين لله جل وعلا، وإخلاص العمل لله جل وعلا. قال: بأن تكون مع بذل الجهد في الإخلاص، شديد الخوف من نواقضه. وهذا هو حقيقة المؤمن، هذه الخصلة هي من حقيقة من حقق التوحيد. من حقق التوحيد خاف على نفسه من نواقضه. ورحم الله الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى، إذ بوب في كتابه التوحيد: باب من حقق التوحيد. ثم ذكر قول الله جل وعلا عن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾. فهذا إبراهيم الخليل الذي كسر الأصنام بيده، هدم الأصنام بيده، وهو خليل الرحمن، وهو سيد الحنفاء. ومع هذا يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾. فهذا فيه ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى: أن من حقق التوحيد خاف على نفسه الشرك. وكذلك من حقق الإخلاص خاف على نفسه الرياء. نسأل الله جل وعلا أن يسلمنا منه جميعا. قال رحمه الله تعالى: بأن تكون مع بذل الجهد في الإخلاص، شديد الخوف من نواقضه. وهذا يحتاج، كما يقال، بين الوقت والآخر أن ينظر الإنسان في نيته، وأن يتحرى، وأن ينظر، وأن يحاسب نفسه: هل قام بذلك العمل لله أو أراد غير الله جل وعلا؟ فيستغفر الله جل وعلا دائما وأبدا من تقصيره. قال رحمه الله تعالى: عظيم الافتقار والالتجاء إليه سبحانه، لأنه يعلم أنه لا حول له ولا قوة إلا بالله جل وعلا. فلا حول له من حال إلى حال، ولا قوة له كذلك من حاله الذي هو فيه إلى آخر، إلا بالله جل وعلا. فإذا هو دائما وأبدا محتاج إلى الله جل وعلا، مفتقر إلى الله جل وعلا في تحقيق الإخلاص. فهو يحتاج إلى عون الله جل وعلا في عبادة الله جل وعلا. ومن تأمل قول الله جل وعلا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ظهر له هذا المعنى جليا. الله جل وعلا في فاتحة الكتاب قال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ومعنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي: لا نعبد إلا إياك. وهذا فيه معنى إخلاص العبادة لله جل وعلا وحده. وأن الله جل وعلا هو المستحق للعبادة وحده، لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. وإياك ها هنا قدمت على العامل فيها، وهي قوله: ﴿نَعْبُدُ﴾. ثم قال: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ كذلك: لا نستعين إلا بك. فإذا الاستعانة محصورة مقصورة على الله، وهي ملك لله جل وعلا. وكذلك العبادة خاصة بالله جل وعلا. قال رحمه الله: ويؤثر عن سفيان الثوري رحمه الله -وهو الإمام الحجة رحمه الله- قوله: ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي. هذا يقوله سفيان الثوري الذي قد بلغ من العلم والاستقامة والإخلاص ما بلغ. ومن العجب العجاب أن ترى بعض الناس من عوام الناس إذا قيل له: افعل كذا، أطع الله، اعمل من الصالحات، يقول: أنا نية طيبة، الحمد لله، أنا نية صالحة، أنا نية لله. مسكين هذا. إذا كان هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى كسفيان الثوري -وهو الإمام الحجة الثقة الذي يضرب به المثل في الحفظ، بل والتقوى والخوف من الله والورع والزهد إلى غير ذلك من سمات الخير- ومع هذا يقول رحمه الله تعالى: ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي. وكذا في الأثر الآخر عن عمر بن ذر أنه قال لوالده: يا أبي، ما لك إذا وعدت الناس أخذهم البكاء، وإذا وعد غيرك لا يبكون؟ مثل: لماذا بعض الناس إذا تكلم أثر في الناس وانتفع الناس بكلامه، وآخر ربما يتكلم بنفس الكلام أو بأبلغ منه وأفصح منه، ولكن لا يؤثر؟ ما السبب؟ قال رحمه الله تعالى: قال: يا بني، ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة. قال: مثل الأخرى أتي بها لأجل أن تبكي وتنوح بمال. كيف يكون البكاء؟ هذه تصيح وتبكي وهذه تصيح وتبكي، لكن هل البكاء كالبكاء؟ الجواب: لا. لماذا؟ لفرق النية. وإن كانت النية حكمه ومعلوم محرمة، والنائحة ملعونة. والله تعالى أعلم. إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.