الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 146، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
كفر العناد والاستكبار يعني عدم الانقياد للحق مع الإقرار به، مثل كفر إبليس. هذا النوع من الكفر يتضمن الإقرار بالحق مع رفض الانقياد له.
يتناول المقطع أمثلة على كفر العناد والاستكبار من تاريخ قريش وفتنة مسيلمة الكذاب وتارك الصلاة. العلماء يعتبرون هذا النوع من الكفر كفرًا عنادًا واستكبارًا.
كفر العناد والاستكبار يعني الاعتراف بالحق مع رفض الانقياد إليه بسبب الاستكبار أو العناد. هذه الصفة ليست من صفات المسلمين بل من صفات أهل الكفر.
الاستهزاء بالحق بعد معرفته يعتبر من أعظم أنواع الكفر. يجب على المسلم اتباع دين الله وعدم التطاول على الحق.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: ما كفر العناد والاستكبار؟ كفر العناد والاستكبار يعتبر، على ترتيب وتقسيم المؤلف رحمه الله تعالى، هو القسم الثالث من أنواع الكفر. ومن أقسامه مر معنا القسم الأول، وهو كفر الجهل، والثاني كفر الجحود، وهذا الذي بين أيدينا هو القسم الثالث، والذي عبر عنه المؤلف رحمه الله تعالى بكفر العناد والاستكبار. قال رحمه الله تعالى: ما كفر العناد والاستكبار؟ قال: هو ما كان بعدم الإنقياد للحق مع الإقرار به، ككفر إبليس، إذ يقول الله تعالى فيه: ﴿إلا إبليس أبى واستكبار وكان من الكافرين﴾. قال: وهو لم يمكنه جحود أمر الله بالسجود ولا إنكاره، وإنما اعترض عليه وطعن في حكمة الأمر به وعدله، وقال: أسجد لمن خلقت طينا، وقال: لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون، وقال: أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. المؤلف رحمه الله تعالى بيّن هاهنا ما هو كفر العناد والاستكبار، بقوله: قال هو ما كان بعدم الإنقياد للحق مع الإقرار به. قد يقول قائل: وما الفرق إذن ما بين هذا النوع من أنواع الكفر وما مضى معنا من قسم الماضي، وهو كفر الجحود؟ الفرق بينهما: لو لاحظت يا عبد الله أن في كفر العناد والاستكبار، فيه أن الإنسان يقر بالدين، يعترف بالحق، لكنه يأبى أن يذعن له، هذا الفرق. أما كفر الجحود الذي مر معنا، كما عبر المؤلف: وكتمان الحق، يكتم ما يظهر ذلك، وإنما يجعل ذلك في قرارة نفسه، يعترف بالحق لكن في قرارة نفسه. أما هنا، وهو كفر العناد والاستكبار، هذا شأنه أعظم، لهذا عرف بعض العلماء من باب التقريب لهذه المسألة أن كفر العناد والاستكبار هو أن يعرف الحق بقلبه ويعترف به بلسانه، وهو أنه يعرف الحق بقلبه ويعترف به بلسانه، ولكنه يأبى أن يقبله وأن يدين الله به. إذن كفر العناد والاستكبار، إخواني في الله، فيه أن العبد والإنسان يعترف بلسانه، يقول: نعم، هذا هو دين الحق، ولكنه يأبى يأبى أن يذعن ويأبى أن يتمسك بشرع الله ويدخل في دين الله. ومثل المؤلف رحمه الله تعالى ها هنا بإبليس، إبليس أبى، لكن هل كان جاهلا بحق الله؟ لا، هل كان جاحدا كاتما؟ لا، وإنما اعترف، يقر بأن الله ربه جل وعلا، ويعترف بأمره، لكنه أبى، لماذا أبى؟ استكبارا وعنادا لأمر خالقه سبحانه وتعالى، فكان هذا الفعل منه مع اعترافه وإقراره ونطقه بوحدانية ربه، وأن الله جل وعلا هو الآمر والناهي، لكنه يأبى أن ينقاد له، كان بذلك معاندا مستكبرا. ثم شرع المؤلف رحمه الله تعالى، كما سمعتم، بذكر تلكم الآيات المبينة لحال إبليس، وأنه هو من رفع راية كفر العناد والاستكبار، عرف ربه واعترف بخالقه، لكن يأبى. وعلى هذا سار أقوام، إخواني في الله، من بني البشر، كبعض كفار قريش ممن يقر بنبوة رسول الله واعترف بها، كأبي طالب، أبو طالب كان يقر، كان يقول بملء فمه: لولا أن تعيرني قريشا لأقررت بها عينك، لولا أن تعيرني خشية المعرة وإلا سأتلفظ أمام الملأ، وإلا أنا أعرف أنك نبي، لكنه أبى. وهكذا جماعات كأبي جهل، وجماعات من الكفرة، ومن من كان ينشد الشعر في بيان نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، وأنه على الجادة، لكن العناد والاستكبار. وهكذا قس من ابتلي بالتعصب من أهل الكفر، ممن يرى العصبية لقومه وأتباعه، عندما ظهرت فتنة مسيلمة الكذاب، نوقش بعض أتباعه في كيف تتبعون هذا الرجل؟ مسيلمة، قال بعضهم: قال إن صاحبكم -يعني رسول الله- إن صاحبكم خير من صاحبنا، هنعترف، هذا لا مقارنة بين رسول الله وبين مسيلمة، لا مقارنة، إن صاحبكم خير من صاحبنا، لكن كذاب اليمامة ولا صادق بني هاشم، الآن أبقي العصبية والنزعة، لكن هذا يرجع منا من بني تميم، ولو كان كاذبا نحن معه، ولا نتبع صادق بني هاشم، فهذا عناد واستكبار، أن الشخص يعرف ويعترف بالحق، لكن يأبى أن يذعن إليه، فهذا كفر عناد، هذا كفر عناد. ومن هذه المسألة كذلك ألحق العلماء مسألة متعلقة بتارك الصلاة، صحيح في تارك الصلاة من يذكر النزاع بين العلماء بين القائل بكفره جملة وتفصيلا، ومنهم من يفصل، إن كان جاحدا أو لم يكن جاحدا، إلا أن من أهل العلم استثنى مسألة، قال: هذه مسألة ما ينبغي أن يقع فيها خصام، ومن ترك الصلاة عنادا واستكبارا، وصورته أن يأتي أو أن يؤتى بتارك الصلاة والسيف أمامه، إما أن تصلي وإما أن تقطع رقبتك، خير بين الصلاة وبين القتل، فإذ به يختار القتل، قال: أقتل. فقالوا: هذا ما ينبغي أن نختلف فيه، ما ينبغي أن نختلف فيه، هل هذا معتقد أو غير معتقد، جاحد أو غير جاحد؟ هذا كافر، ما بعد العناد من عنادك، يعني صلي يا عبد الله، ما أصلي، صلي، فجئ بالسيف والنطع أمامه، سنقطع الرقبة، تعدم، تفارق الحياة، تزهق روحك، وإلا صلي، ما سأصلي، هذا ما يسمى معاندا، وهذا قال علماء: يكون كفرا من هذا الكفر، كفر العناد والاستكبار، يا أبا أن ينقاد لشرع الله سبحانه وتعالى. وهكذا ألحق العلماء بكفر الإعراض كل من علم دعوة الرسول عليه صلى الله عليه وسلم وأباها ومنعها، وهذا كحال جماعات من الكفرة من اليهود والنصارى، وأغلب من اليهود ممن عندهم التوراة، والتي فيها وصف النبي صلى الله عليه وسلم، بل منهم من كان يصرح بأنك نبي، لكنه ما ينقاد له، كما جاء في حديث ثوبان، عندما جاء حبر من أحبار اليهود، عالم من علماء اليهود، أراد أن يسأل رسول الله بعض الأسئلة، فقال له نبينا: أينفعك شيء إن حدثتك؟ فقال هذا الحبر: أسمع بأذني، فرخص، وقال له نبينا: اسأل، اسأل ما بدا لك. فقال: يا محمد، أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ قال نبينا: هم في ظلمة دون الجسر، إذا جاءت القيامة وغيرت تضاريس الأرض حينها، فإن الناس يكونون في ظلمة دون الجسر، وهو الصراط، قال: فمن أول الناس إجازة -أي عبورا- قال نبينا: فقاراء المهاجرين، قال: فما غذاؤهم حين يدخلون الجنة؟ قاله نبينا: ينحر لهم ثور الجنة الذي يأكل من أطرافها، قال: فما تحفتهم عليها -أي هديتهم- قال: زيادة كبيد النون -أي كبيد الحوت- قال: فما شرابهم عليها؟ قال: عينا فيها تسمى سلسبيلا. فقال هذا الحبر: يا محمد، لقد جئت وأسألك عن شيء لا يعلم إلا رجل أو نبي، ونبيا لا يعلم إلا نبي أو رجل ورجلان، قال: هينفعك شيء إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني، جئت وأسألك عن الولد، فقاله نبينا صلى الله عليه وسلم: ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا علاه مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله أصبح ذكرا، وإذا علاه مني المرأة مني الرجل آنث بإذن الله أصبحت أنثى، حينها قال هذا اليهودي: يا محمد، لقد صدقت وإنك لنبي، ثم انصرف، انصرف ولم يعلن الشهادة، هذا ماذا يسمى؟ هذا عناد، هذا استكبار، هذا هو العناد والاستكبار بعينه، يقر ويعترف، عارفه بقلبه واعترافه بلسانه بأن هذا هو النبي المرسل المبعث من قبل ربه سبحانه وتعالى، لكنه أبى. فهذا إخواني في الله هذا هو كفر العناد والاستكبار، أنه يعرف بقلبه ويعترف بلسانه، ولكن يأبى أن ينقاد لما جاء في دين الله سبحانه وتعالى. وبهذا نعلم إخواني في الله أن هذه الصفة، وصفة العناد، هي من صفات أهل الكفر والشقاق، ليس من صفات المسلمين، فالمسلم لا يتحلى بهذه الصفة، شعر بهذا أو لم يشعر، لأن من الناس إخواني في الله من لربما فيه هذه اللوثة، عنده عناد لشرع الله سبحانه وتعالى، يعلم أن هذا هو الحق المبين، يعلم أن هذا هو طريق الإسلام، يعلم أن هذا هو المذهب الذي أمر به رب العالمين، وأن هذا هو المنهاج الذي أتى به نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، مع وضوح الحجة والمحجة، إلا أنه يأبى. بل يعترف بعضهم يعترف من أهل الأهواء والبدع، يعترف بأن هذا والذي جئت به هو الحق، لكن إيش نفعل؟ كيف إيش نفعل؟ هناك حسابات أخرى، حسابات العشيرة، حسابات القبيلة، حسابات المال، الزعامة، الإشارة بالبنان، كيف أرجع إليكم وأنا من أنا؟ وأنتم من أنتم؟ فيجعل بعض الاعتبارات هي الأصل من قبل أن يتنكب عن الحق. وتوعد ربنا جل وعلا أمثال هؤلاء بالوعيد الشديد، ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين، نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا. وهؤلاء في الحقيقة هم أهل الأهواء، كل من استبله الحق ويعرف أنه الحق ويعترف بالحق، لكنه يأبى أن يذعن له، هذا صاحب هواء. قال سبحانه: ﴿فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم﴾، الذي لا يستجيب للحق إخواني في الله صاحب هواء. وناس إخواني في الله في هذا المضمار مراتب شتى، مراتب شتى. فالمسلم يكون على خلاف العناد، وهو أن يكون مطيعه اتباع الحق، هذا الشعار: أنا مع الحق أينما ظهر الحق، أنا معه، ولو كان على نفسي، ولو كان حتى على نفسي، الشخص يرضى بحكم الله وبشرع الله، هذا هو المنصف. فالحق هو ضالة المسلم أينما وجدها فهو أحق بها، فالشخص يقول: الحق على نفسه، فهذا إخواني في الله الذي ينبغي أن يتربى عليه المسلمون في شرع الله جملة وتفصيلا، أن لا عناد ولا استكبار ولا إباء ولا إعراض عن شرع الله. وأعظم من ذلك الاستهزاء، أعظم ذلك الاستهزاء، أنك تعرف الحق، ليس فقط أنك تتنكب عنه، لا وإنما تعود عليه بالسب والشتم والاستهزاء والاستخفاف، هذا أعظم الفرية، من أعظم ما يبغضه ربنا في عباده. أن في ناس يتطاولون على الحق استهزاء واستخفافا، فاتق الله يا عبد الله، والمسلم كما قلنا يكون حاله متبعا لدين الله جل وعلا، فهذا ما يذكر في إخواننا في الله في هذا النوع من أنواع الكفر، وهو كفر العناد والاستكبار في حق من علم بالحق ولم ينقاد له. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.