حلية طالب العلم 49

الدرس في حلية طالب العلم 49، ألقاها

أهمية الرحلة في طلب العلم وتاريخها

الرحلة لطلب العلم سنة من سنن الإسلام، وقد قام الصحابة بالانتشار في أرجاء الأرض لنشر العلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. كما أن القرآن الكريم ذكر قصة موسى عليه السلام في طلب العلم.

أدلة وأمثلة على أهمية الرحلة في طلب العلم

يبرز أهمية السفر لطلب العلم كما فعل موسى عليه السلام والصحابة والعلماء الأجلاء، مستدلًا بقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾. يُظهر استمرار هذه العادة حتى الوقت الحاضر.

التحذير من التوجهات المخالفة في طلب العلم

يؤكد الشيخ على أهمية الرحلة في طلب العلم للقاء العلماء والاستفادة منهم، ويحذر من التوجهات الصوفية التي تفضل علم الخرق على علم الورق وتستهين بالعلم المنقول عن العلماء.

تحذير من فئة لا تنصر الإسلام ولا تقاوم الكفر

تحذير من فئة لا تقف مع الإسلام ولا ضد الكفر، بل تسبب البأس والبلاء للإسلام. وختامًا بالذكر والتسبيح والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قال الشيخ رحمه الله تعالى: الرحلة للطلب، أي من آداب الطالب في حياته العلمية، الرحلة لطلب العلم، والرحلة لطلب العلم كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم أنها سنة من سنن الإسلام، رحلة للحفاظ على العلم، وكذلك للحفاظ على الأسانيد. فالإسلام بحمد الله جل وعلا محفوظ، وحفظه الله جل وعلا بأهل العلم، وأهل العلم بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم معلوم أن العلم مأخوذ من كتاب الله جل وعلا أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فالإسلام مترقى من الله جل وعلا أوحاه الله جل وعلا إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل، والنبي صلى الله عليه وسلم علمه هذه الأمة، علمه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، والصحابة بعد موته صلى الله عليه وسلم وبعد الفتوحات انتشروا في أرجاء الأرض، وهذا التفرق، أي انتشار الصحابة في أرجاء الأرض، كان سببًا لنشر العلم في تلك البقاع التي دخلها الإسلام. فانطلق الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم معلمين وفاتحين لتلك البلاد التي فتحت بفضل الله جل وعلا، وبعد ذلك صار العلماء، علماء كل قطر أو كل بلد، يأخذون علمهم عن الصحابة. فأهل العراق يأخذون ممن وصلهم من الصحابة إلى العراق، مثل ابن مسعود، وكذلك في الشام مثل أبي الدرداء، وفي الشام كذلك سلمان الفارسي، وكذلك معاذ بن جبل، وكذلك طائفة أخرى من الصحابة. قال: «إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما، واجدهما من ابتغاهما وجدهما». ثم قال: «عليكم بثلاثة: ابن مسعود، وسلمان، وأبي الدرداء». فهذه حالة من معاذ هؤلاء الصحابة الأجلة لطلب العلم عندهم. بل أخبر القرآن الكريم أن رسول الله وكليم الله موسى عليه السلام خرج رحلة في طلب العلم، ﴿لَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾، جاءت القصتين من حديث ابن عباس عن أبي بن كعب أن الله عز وجل أوحى إلى موسى: من أعلم أهل الأرض؟ فقال: أنا. فأوحى إليه ربه جل وعلا أن هناك رجلًا عنده من العلم ما ليس عنده، وهو الخضر. فذهب موسى عليه السلام رحلة في طلب العلم لأجل أن يتلقى العلم عن الخضر، وموسى أجل وأعظم من الخضر، ولكنه ذهب لأجل أن يأخذ العلم الذي ليس عنده. فإذا كان هذا في حق نبي، فغيره من باب أولى. كذلك قصة جابر بن عبد الله معروفة مشهورة، رواها البخاري في الأدب المفرد وغيره، حينما ذهب من المدينة إلى مصر، وهي الأصوب، ذهب إلى عبد الله بن أُنيس يسأله عن حديث واحد. ذهب إلى عبد الله بن أُنيس رحلة شهر، ذهب وشهر آخر إياب. وهكذا قل في بقية علماء الأمة رحمهم الله ورضي الله عنهم. الإمام أحمد دخل اليمن أكثر من مرة، أين اليمن من بغداد؟ إذا كان من بين مكة إلى الشام مسافة شهر، ومن مكة إلى اليمن مسافة شهر، فمن العراق وهي محاذية للشام إلى اليمن، كم ستكون المسافة؟ تقريبًا نحو شهرين مشيًا، إما على الأقدام وإما على البعير، لأجل ماذا؟ لأجل طلب العلم. كذلك الإمام يحيى بن معين دخل اليمن هو والإمام أحمد، وأخذا عن إمامها عبد الرزاق الصنعاني رحمه الله. الإمام البخاري رحمه الله تعالى رحل من بخارى أو من العراق إلى الشام، وكذلك إلى مصر، وغيرهم، إما رحمهم الله تعالى ذهبوا رحلة في طلب العلم، تلقيًا للعلم وحفظًا للعلم. فلولا الله جل وعلا أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا أن يسر لهؤلاء هذا الأمر، لما حفظ الدين. فكان من حفظ الله جل وعلا لهذا الدين بأن يسر لهؤلاء سبل الرحلة لطلب العلم، وكذلك لتلقي العلم. وبحمد الله جل وعلا، الرحلة ما زالت إلى يومنا هذا مستمرة متصلة بحمد الله جل وعلا. يرحل طلبة العلم من بلدانهم إلى بلاد أخرى لتلقي العلم ولتزود من العلم، فإذا أخذوا من العلم ما تيسر لهم رجعوا إلى بلدانهم داعين إلى الله جل وعلا بذلك العلم. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾. قال الشيخ رحمه الله تعالى: من لم يكن رحلة لن يكون رحلة، ومعنى هذا أن من لم يرحل لن يرحل إليه. مثل ما أنه زهد في الرحلة، كذلك يكون هذا سببًا للزهد في الرحلة إليه؛ لأن الغالب في طلبة العلم يحبون أن يأخذوا ممن قد لاقى العلماء وتزود عنهم وأخذ العلم من أفواههم. قال رحمه الله: فمن لم يرحل في طلب العلم للبحث عن الشيوخ والسياحة في الأخذ عنهم، فيبعد تأهله ليرحل إليه؛ لأن هؤلاء العلماء الذين مضى وقت في تعلمهم وتعليمهم والتلقي عنهم، لديهم من التحريات والضبط والنكات العلمية، أي الخفايا والفوائد اللطيفة أو الخفية، ما ليس في الكتب. قال: والتجارب ما يعز الوقوف عليه أو على نظائره في بطون الأسفار، أي الكتب المطولة؛ لأن العالم غالبًا ما يكون قد قرأ وتضلع من العلم وخالط غيره من العلماء، وكسب خبرة في العلم، وكذلك في التعامل مع المسائل العلمية واستنباطها. فالطالب إذا جالس العالم أخرج له الفائدة جاهزة مجهزة دون تعب ولا عناء. واحذر القعود عن هذا على مسلك المتصوفة البطالين الذين يفضلون علم الخرق على علم الورق. أي أن الطالب عند هؤلاء المتصوفة يرون أنهم لو تعلموا العلم، علم الورق، فهذا تضييع وهذا انشغال. قال رحمه الله تعالى: وقد قيل لبعضهم: ألا ترحل حتى تسمع من عبد الرزاق؟ فقال: ما يصنع بسماع من عبد الرزاق، من يسمع من الخالق؟! من يسمع ممن يوحى إليه من الخالق؟ النبي صلى الله عليه وسلم يسمع بواسطة من يوحى إليه جبريل عليه السلام. أما هؤلاء: ليس هناك واسطة من الله إليه، من الله جل وعلا إليه، كأنه موسى الكليم عليه السلام. فالحاصل أن هذه من الشطحات الصوفية، وحال هؤلاء إما أن يكون جاهلًا ضالًا قد استحوذ عليه الشيطان، فأبعده عن العلم وأهله، وإما أن يكون زنديقًا من الزنادقة يحارب العلم وأهله. قال رحمه الله تعالى: وقال آخر: إذا خاطبونا بعلم الورق، أي حدثنا وأخبرنا، قال: برست عليهم بعلم الخرق، مباشرة حدثني ربي جل وعلا، أو بعضهم يتواضع قليلًا فيقول: أخذت عن اللوح المحفوظ، ونظرت في اللوح المحفوظ. قال: فاحذر هؤلاء؛ فإنهم لا للإسلام نصر ولا للكفر كسر، بل فيهم من كان بأسًا وبلاءً على الإسلام. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على