الدرس في حلية طالب العلم 81، ألقاها
يناقش الشيخ موضوع الإجهاض الفكري والإسرائيليات الجديدة ويحذر الطلاب من خطورتها. الإجهاض الفكري يؤدي إلى الحكم القاصر أو الفاسد.
المستشرقون يتعلمون علوم الإسلام لينتقدوه، لكن الله يحفظ دينه. حذّر العلماء من الإسرائيليات الجديدة التي ينشرها المستشرقون.
شيخ الإسلام يحذر من الإسرائيليات الجديدة ويبين حكمها، وينتقد مصطلح 'الفكر الإسلامي' لأنه يوحي بأن الدين من صنع العقل البشري.
المقطع يتضمن أدعية وذكر لله تعالى، يشمل تسبيح الله وحمده والاستغفار والتوبة إليه. الأدعية تعبر عن التقرب من الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى في كتاب حلية طالب العلم، في الفصل السابع منه في المحاذير التي ينبغي أن يحذرها الطالب في سيره في طلب العلم. قال: «الثاني والستون: الإجهاض الفكري». قال رحمه الله: «احذر الإجهاض الفكري بإخراج الفكرة قبل نضوجها». وكما بيّن الشيخ رحمه الله تعالى معنى الإجهاض الفكري، وهو كما ذكر أن يخرج الإنسان ما يخرجه من مكتوب أو مسموع من غير استكمال، من غير أن تكمل الفكرة، وكذلك تكمل الفائدة. ففيه إشارة لطيفة من الشيخ إلى ما تقدم من أن الإنسان إذا ألف أو إذا تكلم، ينبغي له أن يعلم أنه وضع عقله في إناء بين يدي الناس، يقومونه وينقدونه، وينظرون ما يصلح وما لا يصلح، فينظرون إلى عقل ذلك الكاتب من كتابه، فيعلمون هل هو من أهل العقول الزاكية، من أهل العقول المكتملة، من أهل التأني والعلم، أم أنه مستعجل، أم أنه غير متأن، أم أنه ضعيف العلم والفائدة والعقل، إلى غير ذلك من المعاني. فكل هذا يكون بسبب أنك ربما أقدمت على شيء لم تتقنه، أو أقدمت على شيء فاستعجلت بإخراجه. فشبه الشيخ إخراج ما يخرج من العلم كإخراج الأم ولدها قبل وقته بالإجهاد، هل يكون في الولد نفع؟ الجواب: لا. وكذلك الفكرة قبل نضوجها. الفكرة قبل نضوجها. وعلماء المنطق يذكرون قاعدة وهي قاعدة مشهورة: أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. فكما يقول كذلك العلماء: التصور فرع عن الفكرة. إذن عندنا حكم، والحكم مسبوق بالتصور، والتصور مسبوق بماذا؟ بالفكرة. فكيف بإنسان يخرج شيئًا عن فكرة قاصرة؟ كيف يكون التصور في هذه الفكرة القاصرة؟ يكون تصورًا ماذا؟ قاصرًا. وإذا كان التصور قاصرًا، كيف يكون الحكم؟ يكون ماذا؟ يكون قاصرًا. وإذا كان فاسدًا، كان فاسدًا. إذا هو أصل لفرع، هذا الأمر هو أصل لماذا؟ لفرع، وهو أن الحكم لا يكون إلا بالتصور، والتصور لا يكون إلا بماذا؟ إلا بالفكر. والفكر كلما كان صحيحًا وكان سليمًا، كان التصور كذلك سليمًا وصحيحًا، وكلما كان التصور كذلك، كان الحكم إيش؟ كان الحكم كذلك صحيحًا وسليمًا. وكما قيل: على قدر التصور يكون الحكم، على قدر ما يتصور الإنسان المسألة، يصدر حكمه على تلك المسألة بما يناسب ذلك التصور. إذن ينبغي للطالب أن يحضر غاية الحذر من أن يتكلم بكلام من غير ترو، أو أن يكتب كتابًا من غير كذلك ترو، فإنه يكون سببًا للمذمة، فليحذر. قال رحمه الله تعالى: «الثالث والستون: الإسرائيليات الجديدة». والإسرائيليات معروفة، وهو ما يروى عن بني إسرائيل. يقول الشيخ رحمه الله: «الإسرائيليات الجديدة»، أي كأن الشيخ رحمه الله تعالى يقول: احذر الإسرائيليات الجديدة. فكما حصل إسرائيليات قديمة، فكذلك حصلت الآن إسرائيليات جديدة. ما هي؟ يقول رحمه الله: «احذر الإسرائيليات الجديدة». احذر الإسرائيليات الجديدة في نفثات المستشرقين، والمستشرقون لقب لطائفة من الناس من الكفرة، ممن تخصصوا بدراسة علم الشرق. والصواب أنه علم الإسلام، ولكن أرادوا ماذا؟ كما هو الآن الشائع، والله المستعان، إطلاق لفظ الشرق الأوسط على دول إسلام، دول الجزيرة العربية، وما كان في حدودها من تلكم الدول. الشاهد أنهم سموا هذه الدول بدول الشرق، وسمى هؤلاء بالمستشرقين، يطلبون علوم الشرق. وحقيقة ذلك يطلبون علوم أهل الإسلام. وهل يطلبون علوم أهل الإسلام لأجل الإسلام، لأجل أن ينتفعوا؟ الجواب: لا. ولكن يتعلمون لأجل أن يطعنوا في الإسلام، وأن يُظهروا لمن كان على دينهم ومن كان معادل الإسلام أن دين الإسلام دين مضطرب متناقض، فيحاولون ويسعون حثيثًا إلى إظهار هذا المعنى. وبحمد الله جل وعلا، الحافظ لدينه، الرب جل وعلا، فالله جل وعلا هو الحافظ لدينه، وهو الناصر لدينه، وهو المظهر لدينه. قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. فهم كارهون لدين الله، ولكن الله جل وعلا معز لدينه ومظهر لدينه، ولو كره هؤلاء الأرجاس الأنجاس. قال رحمه الله: «احذر الإسرائيليات الجديدة في نفثات المستشرقين من يهود ونصارى». وليعلم المسلم أن لفظ المستشرق يساوي لفظ المعادي للإسلام، والمبغض للإسلام، والمنفر عن الإسلام، والطاعن في دين الإسلام بشتى أنواع الطعونات، على سبيل ماذا؟ جعل أو إظهار أن هذا الدين مضطرب متناقض، ليس من عند الله رب العالمين، ليس من عند الله رب العالمين. فتارة يأتون بشبه منها هنا، وأخرى منها هنا. ولكن الله جل وعلا كما سمعتم ناصر دينه، ومعلن بحمد الله جل وعلا رايات الإسلام، ولو كره المشركون. وصدق الله إذ يقول: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾. الله جل وعلا يأبى إلا أن يتم هذا النور وهذا الخير، فلله الحمد أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، وله الفضل وحده سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «فهي أشد نكاية وأعظم خطرًا من الإسرائيليات القديمة». قال: «فإن هذه قد وضح أمرها ببيان النبي صلى الله عليه وسلم الموقف منها، ونشر العلماء القول فيها»، أي أن الإسرائيليات القديمة ظهر معناها، وظهر حكمها، وبيّن العلماء رحمهم الله تعالى حكمها. ومن حكمها، ومن أحسن من تكلم في حكمها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه العظيم «اقتضاء الصراط المستقيم». وذكر أن الأمر في مسألة الإسرائيليات وما يروى عن الإسرائيليات أولًا، النبي صلى الله عليه وسلم وضع قاعدة عامة كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم». هذا هو الأصل ألا نصدق خبرهم ولا نكذب خبرهم. لكن هل يعني هذه قاعدة عامة في ماذا؟ في إخبارات بني إسرائيل إذا كانت جاءت من غير أسانيد، أو جاءت بأسانيد لكن غير صحيحة. لذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كما سمعتم: وما رد هذا الأمر إلى أصلين. الأصل الأول: أن ينظر إلى ثبوت ذلك النقل عن بني إسرائيل، بمعنى إن كان صحيحًا، كأن يكون ثابتًا بكتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا ثابت قد أثبته الله جل وعلا لنا من حيث الإسناد. بقي من حيث المعنى: هل يكون شرعًا لنا أو لا يكون شرعًا لنا؟ الجواب كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أيضًا قال: «والأصل الثاني: أن ينظر، فإن جاء في شرعنا ما يوافق ذلك»، أو قال: «المعتبر في ذلك ما جاء في شرعنا، فإن جاء موافقًا فالعبرة بما جاء في ماذا؟ موافقًا، وإن جاء مخالفًا فالعبرة بما جاء في شرعنا ماذا؟ مخالفًا، ولا عبرة حينها بخبر بني إسرائيل». قال رحمه الله تعالى: «أما الجديدة المتسربة إلى الفكر الإسلامي في أعقاب الثورة الحضارية واتصال العالم بعضه ببعض، وكبح المد الإسلامي، فهي شر محض وبلاء متدفق، وقد أخذت بعض المسلمين عنها سنة، وخفض الجناح لها آخرون، فاحذرها أن تقع فيها». وقال: «الله المسلمين شرها». يقول رحمه الله: «أما الجديد»، أي أما الإسرائيليات الجديدة، أي الإخبارات التي جاءت عن هؤلاء المستشرقين بغرض الطعن في دين الله جل وعلا، والتشكيك في دين الله جل وعلا. فيقول الشيخ رحمه الله تعالى الحكم: يقول: «هذه متسربة إلى الفكر الإسلامي». وها هنا تنبيه، قوله رحمه الله تعالى: «الفكر الإسلامي»، لفظ منتقد. لفظ منتقد، وممن انتقده الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى نفسه في كتاب «معجم المناهي اللفظية». وخلاصة النقد: أن الفكر كما قيل هو عبارة عما صدر عن العقل، عما صدر عن العقل من ماذا؟ من أفكار. فالفكر أصله من العقل، والعقل ماذا؟ والعقل مخلوق. ودين الإسلام إنما هو ممن من الله رب العالمين، هو وحي من الله رب العالمين. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فالدين من الله هو الذي أنزله، وهو الذي أكمله. وأكبر أن نبيه صلى الله عليه وسلم إنما هو بشر يوحى إليه. قال الله جل وعلا عن نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾. فالحاصل أن دين الإسلام وحي من الله، ليس فكرًا من أفكار أحد كائنا من كان. فقوله رحمه الله تعالى: «أما الجديد المتصرب إلى الفكر الإسلامي في أعقاب الثورة الحضارية»، معناه أنه تدفقت أفكار المستشرقين على أهل الإسلام، حتى صار بعض أهل الإسلام، بل بعض ممن له علم وعرف به، ربما تكلم بكلام هؤلاء المستشرقين دون أن يعلم أو أن يعرف عوار ذلك، وكذلك أبعاد ذلك أو تلك الأقوال وتلك المصطلحات وتلك التعبيرات. فتجد بعض أهل الإسلام يقولون مثلًا: العرب من الجنس السامي. الجنس السامي. والنبي صلى الله عليه وسلم من الجنس السامي. ما شاء الله. الجنس السامي يعني يدل على سمو، لا يدل على ماذا؟ منسوب إلى سام ابن نوح. وسام بن نوح كما يقولون هو الأب الأول للعرب والروم والفرس، فيكون معنى الجنس السامي يشترك فيه من العرب والفرس وماذا؟ والروم. وعلى هذا يكون النبي صلى الله عليه وسلم لا اقتصاص له بماذا؟ بمسألة أنه عربي، وأن الله جل وعلا جعله من العرب، من أوسط العرب نسبًا، إلى غير ذلك من المعاني، إلى غير ذلك من العبارات. يدخلون هذه العبارات التي لا يتفطن لها كثير من الناس. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. سبحانك اللهم وبحمدك.