الدرس في حلية طالب العلم 65، ألقاها
يؤكد الشيخ على أهمية جرد المطولات وكتب أهل العلم لتوسيع المعارف والمدارك واكتساب المعرفة. جرد المطولات يساعد الطالب على معرفة مناهج العلماء في كتبهم واستخراج الفوائد والفرائد منها.
يشير الشيخ إلى أهمية معرفة طرائق المصنفين واصطلاحهم في تآليفهم، حيث يمكن للطالب فهم كتبهم بشكل أفضل والاستفادة منها. هذا يساعد في فهم الحكم على الرواة عند عدم التصريح به.
يشرح المقطع طرق العلماء مثل الحافظ ابن حجر والخطيب البغدادي والإمام الذهبي في الحكم على الرواة، حيث يبين كيفية استنتاج الحكم عند عدم التصريح به. كما يوضح دلالات استخداماتهم المختلفة في كتبهم.
الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم ما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى: جرد المطولات وتقدّم معنا في درسنا الماضي الكلام على شيء من الوسائل والطرق التي بها يستطيع الطالب أن يجرد ما تيسر من المطولات. وكما مضى أيضًا معنا في الدرس الماضي أن الطالب يبدأ بالأيسر والأسهل؛ لأن النفس إذا قرأت الشيء الذي هو طويل أو فيه شيء من الثقل ربما ملت، وكان سببًا في انقطاعها عن سلوك هذا الطريق. وهذه طريقة مسألة جرد المطولات، طريقة من الطرق التي يستعان بها على معرفة أمور كثيرة، منها ما سيأتي ذكره في كلام الشيخ رحمه الله تعالى، ونضيف بإذن الله جل وعلا إليه غيره. قال رحمه الله تعالى: الجرد للمطولات من أهم المهمات لتعدد المعارف وتوسيع المدارك، واستخراج مكنونها من الفوائد والفرائد، والخبرة في مضان الأبحاث والمسائل، ومعرفة طرائق المصنفين في تآليفهم واصطلاحهم فيها. وقد كان السلف يكتبون عند وقوفهم على ما يهمهم؛ حتى لا يفوتهم عند المعاودة، لا سيما مع طول الزمن. كما ترون أن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر جملة من الفوائد في قراءة أو من قراءة وجرد المطولات، منها قال: لتعدد المعارف، أي يصير عند الطالب معرفة بطريقة العلماء في كتبهم، الشروح أو المصنفات أو المباحث التي يطرقها العلماء، كيف طريقة العلماء في ذلك؟ ومنها أيضًا معرفة مناهج العلماء في كتبهم. ومنها أيضًا معرفة كيف يتوصل الطالب إلى الفائدة من الكتاب المعين. إذا قال الشيخ: وتوسيع المدارك، أي تتوسع معارف الطالب بما تقدم ذكره وغيره، وكذا تتوسع مداركه، تتوسع إدراك الطالب في التوصل للعلم، والتوصل كذلك لطريقة العلماء، والتوصل كذلك للمسائل العلمية، والتوصل كذلك لأسلوب العلماء في طرقها وفي توضيحها وفي تجليتها، وطريقة استدلالهم، وطريقة استنباطهم، إلى غير ذلك مما يجده الطالب في كتب أهل العلم. فهذه توسع المدارك؛ يعني الطالب ينظر مثلًا إلى كتاب فيه شرح للأحاديث، مثلًا «فتح الباري»، يقف عند الحديث الواحد، يبدأ بالرواة، وما شاء الله فوائد هذا الراوي: روى في البخاري كذا وكذا، روى له البخاري كذا وكذا حديثًا، هذه فائدة، وهو من الثقات، من مشايخ البخاري الثقات، هذه فائدة أخرى، وهو ممن عرف بالإتقان، وإلى غير ذلك، هذه فائدة ثالثة، وهو لا يروي إلا من كتاب، مثلًا، هذه فائدة رابعة. قال: واستخراج مكنونها من الفوائد والفرائد، أي استخراج المكنون، ما خفي ودق وغفل عنه بعض الناس في تلك الكتب، في بطونها من الفوائد الجليلة العظيمة التي لا تكاد تجدها إلا بالجرد. وكم من مسألة تكون عالقة في ذهن الطالب مشكلة عليه، أو أنها طرحت لكن ذلك الطرح يرى أن فيه شيء، فإذا به يقرأ في بعض كتب أهل العلم المطولات، فإذا العالم الفلاني أو الإمام الفلاني يكون طرحها بأحسن طرح، واستنبط من الأدلة أحسن الاستنباط، فإذا هو يطمئن بذلك القول، وذلك الترجيح، وذلك المذهب، وما شابه ذلك. قال رحمه الله: والخبرة في مضان الأبحاث والمسائل، هذا أمر مهم، تكون عند الطالب خبرة، أنا أبحث في مسألة فلانية، أين سأجدها؟ كيف سأجدها؟ كيف سأقف عليها؟ يقول الشيخ: من الطرق المعينة على ذلك جرد كتب أهل العلم؛ لأنه بمجرد أن تطلق المسألة المعينة، إلا ويتبادر إلى الطالب أن هذه المسألة قد مرت به في كتاب الإمام الفلاني، وهذا البحث قد طرقه العالم الفلاني، فمباشرة يذهب إلى ذلك الكتاب وينظر ذلك البحث، ويستخرج ما يريد استخراجه من الحكم في تلك المسألة. قال رحمه الله: ومعرفة طرائق المصنفين في تآليفهم واصطلاحهم فيها، واصطلاحهم فيها، أي الإنسان عند قراءة كتب أهل العلم يتوصل كذلك إلى هذا الأمر، وهو من الأمور المهمة، أن يعرف الطالب اصطلاح كل عالم، ما معنى قوله كذا وكذا، ولماذا ذكر هذا؟ على سبيل المثال، وهي من باب الفائدة: الحافظ ابن حجر رحمه الله في «فتح الباري» يقول: أي حديث سكت عنه في كتاب الفتح فهو حسن، هذه فائدة. من أين سنجدها إلا بقراءة كتب أهل العلم؟ أو أن ينص عليها من قرأ كتب أهل العلم. فائدة استفدناها من هذه الطريق: أن الحافظ إذا ذكر أورد حديثًا في كتاب «فتح الباري» وسكت عنه، لم يحكم عليه بصحة أو ضعف، فهو حسن عند الحافظ. مثال آخر: وهي كذلك فائدة، الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى طريقته في كتابه «تاريخ بغداد» أنه يورد ترجمة الراوي، فيقول: قال فلان ابن فلان ثقة، وقال فلان ابن فلان ثقة، وقال فلان ابن فلان لا بأس به، وقال فلان ابن فلان ضعيف. طيب، ماذا يختار الخطيب البغدادي في هذه الحال؟ ما هو اختيار الخطيب؟ لأن الخطيب أحيانًا ينص على الراوي، يقول: ثقة، صدوق، لا بأس به، وأحيانًا يقول: ضعيف، كذا، إلى غير ذلك من العبارات. أحيانًا يذكر التراجم دون أن يحكم على الراوي بحكم خاص، فما هو قول الخطيب البغدادي فيه؟ مثل هؤلاء الرواة، نص الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى أن مذهبه في هذا الباب: أنه إذا أورد ترجمة الراوي، فقوله آخر قول قاله، ذكره مثلًا، قال فلان ابن فلان ابن فلان، قال الإمام أحمد: ثقة، وقال يحيى بن معين: ثقة، وقال فلان: لا بأس به، وقال فلان: لا، ما شابه ذلك، وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف، وقال أبو زرعة: لا شيء، وقال النسائي: سيء الحفظ، انتهت الترجمة، أي حكم عند الخطيب البغدادي؟ سيء الحفظ؛ لأن ترجم عنده بماذا؟ بما ختم به ترجمة الراوي. هذا من أين يعرف؟ يعرف بقراءة كتب أهل العلم واصطلاحهم. مثال ثالث: الإمام الذهبي رحمه الله تعالى، كذلك مذهبهم في كتاب «الميزان»، في كتاب «الميزان» يذكر ترجمة الراوي، وكتاب «الميزان» الأصل أنه للمجروحين، ولكن أحيانًا يذكر فيه الرواة الذين قد جرحوا دفاعًا عنهم، وهم ثقات، لكن يذكرهم من باب الدفاع عنهم. كيف نعرف أن الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى أراد بيان أو حال هذا الراوي؟ أحيانًا يصرح، بل الأغلب الأكثر يصرح بحال الراوي، إما ثقة، وإما ليس بثقة، أو بين ذلك من العبارات. وأحيانًا يذكر ترجمة الراوي ولا يذكر شيئًا، قال الإمام أحمد: ثقة، وقال يحيى بن معين: ضعيف، مشى. أيش حكم هذا عند الإمام الذهبي؟ الإمام الذهبي رحمه الله تعالى اصطلاح: إذا ذكر في بداية الترجمة، في بداية الترجمة كلمة «صح»، إذا ذكر في بداية الترجمة الراوي كلمة «صح»، معناه أن الصحيح أنه مقبول، الصحيح أنه ممن يحتج به، مختلف فيه، والصحيح أنه ماذا؟ ممن يحتج به. فهذه بعض الطرق التي يستفاد منها من طرق الجرد. والله تعالى أعلى وأعلم، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.