الدرس في حلية طالب العلم 56، ألقاها
يؤكد الشيخ على أهمية اعتراف الطالب بضعفه وافتقاره إلى الله تعالى في طلب العلم، ويشدد على ضرورة اللجوء إلى الله بالدعاء والتوكل عليه لتحصيل العلم النافع.
يُظهر المقطع أهمية التذلل لله تعالى في طلب العلم والفتح الإلهي، ويشدد على أهمية الجمع بين الدعاء بلسان القلب والجوارح وإظهار الذل لله لتحقيق الفتح الإلهي.
يؤكد الشيخ على أهمية شكر الله على ما يمنحه من العلم، ويشير إلى أن العجز عن فهم بعض العلوم أو المسائل لا يجب أن يثني الطالب عن مواصلة التعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى: أهو لا يزال في صدد ذكر آداب الطالب في حياته العلمية. قال رحمه الله: هو يذكر الخصلة. قال رحمه الله: اللجوء إلى الله تعالى في الطلب والتحصين. اللجوء إلى الله تعالى في الطلب والتحصين، ومعنى هذا أن الطالب في سيره في طلب العلم، في تحصيله للعلم، وبحثه عن العلم، وطلبه للعلم، هو مفتقر إلى الله جل وعلا، هو عاجز إن لم يقدره الله، إن لم يعنه الله جل وعلا، ويرزقه القدرة، هو ضعيف إذا لم يقوه الله جل وعلا. فإذا ينبغي للطالب أن يعتني بهذا الأمر اعتناءً تامًا عظيمًا، وليعلم أنه إذا اعتنى في طلبه للعلم بهذا المقام، فليعلم أن هذا من توفيق الله جل وعلا له، توفيق من الله جل وعلا أن جعله ينظر إلى نفسه نظرة العاجز، نظرة الضعيف، نظرة الفقير إلى ربه جل وعلا. وأنه مهما بذل من الوقت، وبدل من الجهد، وبدل من العمر، إن لم يوفقه الله جل وعلا بتوفيقه وإعانته، فإنه لا يستطيع أن يصل إلى شيء، ولا يستطيع أن يحصل إلى ما يظن تحصيله. فالأمر من الله جل وعلا وإليه، فلا حول ولا قوة إلا بالله. لا حول ولا قوة إلا بالله. لا حول العبد من حال إلى حال، ولا قوة له في تحصيل ما أراد وسعى إليه إلا بتوفيق الله جل وعلا وعونه. فإذا يحتاج منك أيها الطالب أولًا إلا أن تتعرف على هذا الأمر، أن تتعرف أنك فقير فقرًا ذاتيًا إلى ربك جل وعلا. ثانيًا أن تعلم أن الأمر كله بيد الله جل وعلا. ثالثًا أن تسعى جادًا في تحصيل ما أردت تحصيله، مستعينًا بالله رب العالمين. فتكون جامعًا بين بذل الأسباب الظاهرة، وبين تعلق القلب برب العالمين. وهذا حقيقة هو حقيقة التوكل على الله، وحقيقة العبادة لله رب العالمين، بأن الإنسان يعلم أنه فقير إلى الله جل وعلا في كل وقت وآن، بل في كل زمان ومكان، مفتقر إلى الله، مهما كان ذكاؤه، ذكاؤه، مهما كان حفظه، مهما كان حرصه، مهما كان اجتهاده. فليعلم أنه فقير إلى الله، وذلك الذكاء، وذلك الحفظ، وذلك الحرص، وذلك الاجتهاد إنما هو من الله، إنما هو من الله سبحانه وتعالى. فهو يحتاج إلى ربه جل وعلا في هذه الأمور ابتداء، ويحتاج إليها كذلك في أثناء الطلب، أن تدوم هذه الأمور وتستديم وتستمر، ويحتاج إليها دائمًا وأبدًا. لذا فإن الناظر في أحوال النبي صلى الله عليه وسلم يراه كما يقال مثالًا عمليًا لهذه الأمور. وتأمل معي إلى قول الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. فهو يحتاج إلى لجوء إلى الله، وإلى دعاء أن يدعو الله جل وعلا، دعاء متضرع، دعاء عاجز، دعاء ضعيف، فينطرح بين يدي ربه جل وعلا، وعليه التمسكن، وعليه الذلة لله رب العالمين، حتى يفتح الله جل وعلا عليه من فضله. ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وهذا أدب قرآني في أن طالب العلم يحتاج إلى كثرة الدعاء، أن يكثر من الدعاء، يدعو ربه جل وعلا في جميع الأوقات، أن يبلغه العلم، وأن يزيده علمًا، وأن يرزقه العلم النافع، أن يرزقه العلم النافع الذي ينفع العبد في دنياه وأخراه. فهو إذن مفتقر إلى ربه جل وعلا دائمًا وأبدًا. لذا ذكر الشيخ رحمه الله تعالى تحت هذا الفصل أن هذا مما ينبغي أن يعتني به طالب العلم، وأن الطالب إذا أهمل هذا الأمر ولو عمل ما عمل، فإنه لا يصل إلى المقصود، لا يصل إلى مقصوده، إذا لم يكن كثير اللجوء إلى الله، وكثير التضرع إلى الله، وكثير كذلك التمسك إلى الله جل وعلا سبحانه وتعالى. فالطالب يحتاج إلى هذه الأمور في حياته العلمية، يكون دائمًا مع الله، قبل أن يدخل في المسألة العلمية يتضرع إلى ربه جل وعلا، وعند البحث والنظر والتحقيق في تلك المسألة أيضًا يسأل الله جل وعلا أن يفتح عليه وأن يعينه، وعند الانتهاء يدعو الله، يدعو ربه جل وعلا أن يكون قد وفق فيما كتب أو بحث أو حقق أو خرج من الحكم أو تحصل من العلم، فيشكر ربه جل وعلا. فهو إما مستعينًا بالله جل وعلا، وإما شاكرًا لله جل وعلا، فيكون بذلك قد قام بعبادتي الاستعانة والعبادة، الاستعانة قبل العمل وفي أثنائه، والعبادة إذا فرغ من ذلك العمل، وتكون بالشكر. فإن الشكر من أجل العبادات، الشكر من أجل العبادات. وما صلاة العبد وتسبيحه وتهليله، وكذلك غير ذلك من الأعمال، إلا من هذا الباب. وانظر إلى حال نبينا صلى الله عليه وسلم حينما كان يقوم حتى تتفطر قدماه. فلما قيل له: كان يقوم يصلي، فلما قيل له: يا رسول الله، أتفعل هذا العمل وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال صلوات الله وسلامه عليه: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟». إذن الشكر عبادة، لذا تأمل: «ألا أكون عبدًا»، أي عابدًا لله جل وعلا، وشكورًا لله جل وعلا. فحاصل هذا أن العبد يحتاج كما سمعتم إلى هذه الأمور في حياته العلمية. قال الشيخ رحمه الله تعالى: لا تفزع إذا لم يفتح لك في علم من العلوم، فقد تعاصت بعض العلوم على بعض الأعلام المشاهير، ومنهم من صرح بذلك، كما يعلم من تراجمهم. ومنهم الأصمعي في علم العروض، والرهاوي المحدث في الخط، وابن الصلاح في المنطق، وأبو مسلم النحو في علم التصريف، والسيوط في الحساب، وأبو عبيدة ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري، وأبو الحسن القطيعي، وأبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، وأبو حامل الغزالي، خمستهم لم يفتح لهم بالنحو، لم يفتح لهم بالنحو. معنى هذا أن الإنسان قد يدخل في فن من الفنون أو مسألة من المسائل، فما يفتح الله جل وعلا عليه في ذلك الفن أو في تلك المسألة المعينة، فليس معنى هذا أن يترك العلم، بل ينبغي له أن يحاول وأن يعيد وأن يكرر. فإن عجز عجز بعد ذلك، فيتجاوز ذلك العلم أو ترك المسألة إلى غيرها، إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع. وهذا كما ذكر حال جماعة من العلماء الأكابر، ما استطاعوا فيه فانتقلوا إلى ما يحسنونه من العلوم، فنفع الله جل وعلا بعلومهم الأخرى. وكذا قل في المسائل الخاصة، تعرض أحيانًا على الطالب، بل قد تعرض على العالم الكبير مسألة، فما يظهر له فيها حكم، ينظر يمينًا، ينظر شمالًا، ما يظهر له فيها حكم. فماذا يصنع؟ يترك العلم لا، هناك أبواب أخرى. فإذا كانت المسائل التي يحتاجها الناس أو يحتاجه هو إليها في وقتها، فالعلماء في هذا المقام خاص للمجتهد يكون يسوغ له الاجتهاد أو يسوغ له التقليد أن يقلد أعلم من هو أعلم منه. فحاصل هذا أنه قد يحصل هذا لبعض الناس. ونعرف بعض الإخوة في زماننا هذا درس وطلب العلم في بعض الفنون، أغلقت عليه، يعني درس في النحو التحفة الثانية شرح الأجرومية، درسها أول مرة فما فهمها، وثاني مرة وثالث مرة ورابع مرة وخامس مرة وسادس مرة وسابع مرة، فتح عليه في سابع مرة، فتح عليه بعد أن فتح عليه في الأجرومية، سار فإذا به يعد من أقوى أو قل أقوى طالب علم في النحو في دماج حينها، وهو في ابتداء أمره، لم يستطع. فحاصل هذا أن الإنسان لا يعجز ولا يضعف، يحاول، يحاول، مستعينًا بالله وملتجئًا إلى الله، يكسر من السؤال، ويكسر من المذاكرة، ويكسر من الإطلاع. فإن فتح الله جل وعلا عليه بعد ذلك فليحمد الله، وإن لم فكما سمعتم: دعه وجاوزوا إلى ما تستطيع، جاوزوا إلى فن آخر وعلم آخر تستطيعه، هذا هو الذي ينبغي للطالب. لذا قال الشيخ رحمه الله: فيا أيها الطالب، ضاعف الرغبة، أي إلى الله جل وعلا. قال: وافزع إلى الله في الدعاء واللجوء إليه والانكسار بين يديه، أي إذا أصابك هذا الأمر فالجأ إلى الله، فإن الأمور بيده، والأمر منه سبحانه وتعالى. ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، فالأمر من الله، الأمر من الله، والعلم رحمة. قال الله جل وعلا في نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، فالعلم رحمة، والعلم رحمة، والرسول رحمة، والله جل وعلا أرسله رحمة. فالأمر من الله، فإذا كان من الله جل وعلا وبيده، فينبغي للطالب أن يسأل رحمة جل وعلا، سؤال متضرع، وسؤال منكسر بين يدي ربه جل وعلا، عالم وهو عالم بضعفه، وعالم كذلك بفضل ربه جل وعلا وغناه، وأن الأمر بيد الله جل وعلا سبحانه وتعالى وحده. قال رحمه الله تعالى: وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كثيرًا ما يقول في دعائه إذا استعصى عليه تفسير آية من كتاب الله تعالى: «اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني». فيجد الفتح في ذلك. وهذا مثال كما يقال عملي، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى الذي وصفه العلماء بالمجتهد المطلق، مجتهد اجتهادًا مطلقًا، اجتمعت عنده من العلوم ما تفرقت عند غيره من العلماء. ومع هذا ربما كما ذكر استعصى عليه فهم آية، مع ما آتاه الله جل وعلا من الذكاء الخارق، حتى وصفهم من رأيهم وجالسهم بأنه أعجوبة الزمان، وعجوبة الزمان، عجوبة عجيب من حيث الذكاء والحفظ وقوة البديهة وسعة العلم وسعة الإطلاع وقوة الاستنباط، إلى غير ذلك، إلى جانب ما آتاه الله جل وعلا من جانب كبير عظيم في التعبد والتأله والتوكل على الله جل وعلا والتضرع بين يديه. ومع هذا ربما استعصى عليه بعض المسائل، فإذا كان مثل ابن تيمية رحمه الله تعالى ربما تستعصى عليه بعض الأمور على علمه الغزير. لكن انظر إلى حال العلماء الربانيين وإلى حال الصالحين، كيف يعملون إذا حصل لهم هذا الأمر، كيف يتصرفون، وكيف يتعاملون مع ذلك الأمر؟ قال: بأنه كان إذا استعصى عليه تفسير آية من كتاب الله، آية، مع أنه كما يذكرون في ترجمته أنه ربما يقف عند الآية الواحدة فيجلس فيها مجالس، مجالس كما ذكر في ترجمته، آية واحدة ما ينتهي منها في مجلس، مجالس يستنبط الأحكام في الفقه والمسائل العلمية، مسائل الصفات، مسائل في القضاء والقدر، إلى غير ذلك، إلى غير ذلك، في الآية الواحدة، ربما جلس مجالس، مجلس تلو مجلس، وبعده مجلس، وبعده مجلس، وهو ما زال يستنبط من الآية الواحدة. ومع هذا ربما استعصى عليه آية، فإذا فعل أو حصل له ذلك، ماذا صنع؟ قال: كان يقول: «اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمني»، أي أنه يتضرع إلى ربه جل وعلا بهذه الأمور. وجاء عنه أنه ربما كان يمرغ وجهه بالتراب، تضرعًا إلى الله وتذللًا لله رب العالمين، حتى يفتح عليه، حتى يفتح عليه. لذا قال: «ويا مفهم سليمان فهمني». قال: فيجد الفتح في ذلك، فيجد الفتح في ذلك، فيكون رحمه الله تعالى جامعًا بين الدعاء لله رب العالمين بلسانه وقلبه، بل وجوارحه، وإظهار الذل والمسكنة لله رب العالمين ظاهرا وباطنا، فيجد الفتح من الله رب العالمين، من أرحم الراحمين. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرًا.