حلية طالب العلم 24

الدرس في حلية طالب العلم 24، ألقاها

التحلي بترك الترفه والتواضع في اللباس

ينبغي لطالب العلم أن يتحلى بترك الترفه والرفاهية، وأن يتواضع في ملبسه. يسلك سبيل البذاذة والخشونة في لباسه.

تحذير من التأنث وتأثير الحضارة الزائفة

يحذر الشيخ من تأثير الحضارة الزائفة على الشباب وتأنثهم، ويشدد على أهمية التحلي بالرجولة والقوة. يحذر من الاغترار بمظاهر الحضارة الزائفة.

أهمية اللباس وانعكاسه على الشخصية

يُنبّه الشيخ على أهمية اللباس في التعبير عن الذات وانعكاسه على تقويم الشخصية. يُنصح طالب العلم بارتداء ما يدل على شرفه العلمي.

ختام وتأكيد على الصلاة والسلام على النبي

المقطع يؤكد على علم الله تعالى ويختم بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يشدد على أهمية هذه العبادة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال رحمه الله تعالى: العاشر: هجر الترفه، أي مما ينبغي لطالب العلم أن يتحلى به وأن يتصف به ترك الترفه. قال الشيخ رحمه الله: لا تسترسل في التنعم والرفاهية. ومعنى لا تسترسل: أي لا تكن مسترسلًا فيها مطمئنًا إليها متزودًا منها، تكون قاصدًا للتنعم والرفاهية طالبًا لها مؤثرًا لها على غيرها. هذا مما ينبغي لطالب العلم أن لا يكون مقصوده ذلك، بل ولا ينبغي له أن يلتفت إلى ذلك؛ لأن طالب العلم نظره يكون إلى معالي الأشياء، إلى معالي الأشياء من الأخلاق، معالي الأشياء من الزهادة في الدنيا، معالي الأخلاق في كل ما يقربه إلى الله جل وعلا. قال الشيخ رحمه الله: لا تسترسل في التنعم والرفاهية؛ فإن البذاذة من الإيمان. وهذا حديث حسن رواه الإمام أحمد رحمه الله، رواه الإمام أحمد وغيره؛ الإمام أحمد وأبو داود، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في «الصحيحة». قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في «الزهد»: البذاذة التواضع في اللباس. الإمام أحمد يفسر البذاذة الذي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «البذاذة من الإيمان»، قال الإمام أحمد رحمه الله: البذاذة التواضع في اللباس. وهذا المعنى الذي قصده الشيخ رحمه الله تعالى في إيراده لهذا الحديث في هذا الباب. ونقل البيهقي عن الإمام عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله بأنه قال: البذاذة التواضع. وقال الإمام أبو داود رحمه الله تعالى بعد إخراجه لهذا الحديث: يعني التقحل. وابن ماجة كذلك روى الحديث ثم قال: البذاذة القشافة، أي التقشف. وفي «القاموس» وغيره: البذاذة هو ترك مداومة الزينة. وهو -كما ترون- المقصود من إيراد الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الحديث في هذا المقام: لا تسترسل في التنعم والرفاهية؛ فإن البذاذة من الإيمان، أي: فإن ترك مداومة الزينة من الإيمان. والمراد بالزينة: أي الإكثار من الملابس التي فيها من معاني الزينة جديدة غالية ثمينة، ولابد أن تكون كذلك مميزة: شُريت نعلي بكذا، وثوبي بكذا، وما شابه ذلك. هذا ينبغي لطالب العلم أن يترفع عن ذلك. لا مانع من أن يلبس شيئًا من ذلك إن تيسر من غير كلفة، ولكن العبرة -كما سمعتم- بأن يتحرى ويتعمد أن يتحرى وأن يتعمد ويسترسل في ذلك، وأن يسترسل في ذلك، لا يحب أن يلبس إلا أجود ما في السوق وأفضل ما في السوق. هذا مما ينبغي أن يترفع عنه طالب العلم. وإن حصل أن تيسر له شيء من ذلك فلا مانع من أن يلبس، لكن ينبغي له تارة وتارة وتارة: يلبس هذا وتارة يلبس غيره من الملابس التي فيها معنى التواضع، التي فيها معنى التواضع وترك الاستمرار في الرفاهية والاسترسال فيها. قال رحمه الله تعالى: وخذ بوصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كتابه المشهور، وفيه: «وإياكم والتنعم، وزي العجم، وتمعدد، واخشوشن». ومعنى «وإياكم والتنعم» -كما هو ظاهر- التنعم، أي: الإكثار والاسترسال منه كما ذكر الشيخ. «و» «زي العجم»: وهذا تحذير من أن يتشبه المسلم بزين العجم مما هو من خصائص العجم. «ومن تشبه بقوم فهو منهم». «و» «تمعدد»: ومعنى تمعدد: أي تشبه بعيش معد بن عدنان الذي هو أبو العرب. وقد قيل: إنه كان أهل شظف وغلظ في العيش، فأنتم عرب وأنتم معديون؛ أمن معد بن عدنان، فعليكم أن تتشبهوا بأبيكم في هذه المعاني. قال: «واخشوشن»: ومعناه: من الخشونة، أن ينبغي للرجل أن يكون فيه معنى الخشونة الذي بمعنى الرجولة، ولا يكون فيه معنى التأنث، وكذلك التكسر والتخضع. وقد روى عبد الرزاق وابن أبي شيبة في «المصنف»: أن عليًا رضي الله عنه وأرضاه مر برجل بين نسوة قد وضعن له وسادة فجلس عليها، وجعل يتكلم معهن ويتخضع بالكلام، فضربه علي رضي الله عنه ضربة برأسه، ثم جره إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، إن هذا ضربني في رأسي! فقال له عمر رضي الله عنه وأرضاه: ما لك ضربته في رأسه؟ قال: يا أمير المؤمنين، مررت به فإذا به يجلس مع النساء، وإذا بهن يحدثهن، وإذا به يخضع لهن في الكلام، يتكلم بكلام في معنى الأنوثة. فقال له عمر: «أما الضارب فيرحمه الله، وأما المضروب فإن الله جل وعلا سلط عليه عينًا من عيونه». وهذا فيه ما كان عليه السلف رضي الله عنهم وأرضاهم من هذا المعنى: القوة والخشونة، وأنهم كانوا يبغضون أن يتكسر الرجل في كلامه، أو يكون فيه نوع من أنواع الأنوثة، وينبغي له أن يكون عنده نوع من الخشونة والقوة. قال رحمه الله: وعليه: فازور عن زيف الحضارة. ومعنى ذلك: أيعدل وابتعد عن زيف الحضارة. والشيخ رحمه الله تعالى يقول: زيف؛ لأن هذه المظاهر التي تظهر بدعاية الحضارة وأنها من الحضارة إنما هي شيء زائف، إنما هو شيء زائف لا حقيقة له، وإنما هو غش، وإنما هو إبعاد عن معالي الأخلاق، وإنما هو هدم لمكارم الأخلاق؛ لذا هو في الحقيقة: ماذا هو في الحقيقة زيف الحضارة؟ قال: فازور عن زيف الحضارة؛ فإنه يؤنث الطباع. قال: ويرخي الأعصاب. قال: ويقيدك بخيط الأوهام. هذا من اغتر بالحضارة، والناظر في حال كثير من الناس -ولا سيما الشباب- في هذه الأيام ممن اغتر بزخرف الحضارة، وكذلك بزيف الحضارة: كيف صار أخلاق أولئك الشباب صار كالإناث، صار -كما يقال- مؤنثي الطباع، ما هناك خشونة، ما هناك رجولة، ما هناك قوة، يتشبهون بالغرب، ويتشبهون بأن الحضارة تدعو إلى ماذا؟ إلى أن يكون طبعه لينًا، أشبه ما يكون بالإناث، أو قل: بخليط بين الرجال والإناث. قال الشيخ رحمه الله: فإنه يؤنث الطباع؛ يجعل الطباع مؤنثة، أقرب ما تكون إلى طبع النساء. قال: ويرخي الأعصاب. وهذه كناية: أن من خالط هذه الحضارة يصير طبعه إلى هذه الحال، أشبه ما يكون بما يعبر عنهم بعض الناس اليوم بالشباب المائع. قال رحمه الله: ويقيدك بخيط الأوهام؛ في أوهام لا حقيقة تحتها. قال: ويصل المجدون لغاياتهم. المجدون الذين شمروا عن ساعدي الجد يصلون إلى غاياتهم؛ لأنهم لم يغتروا بتلك الحضارة، بل أقبلوا على الحقائق المأخوذة من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، على ما كان عليه سلفهم الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم. قال: ويصل المجدون لغاياتهم، وأنت لم تبرح مكانك! أنت مشغول تارة بالمرأة، وأخرى بالمشت، وأخرى بالمودل الجديد من الملابس، وأخرى وأخرى، والناس قد مشوا وقد قطعوا وجاوزوا ووصلوا إلى ما أرادوا، وأنت مشغول بما ينشغل به النساء. قال رحمه الله تعالى: وأنت لم تبرح مكانك؛ مشغول بالتأنق في ملبسك. وإن كان منها أشياء ليست محرمة ولا مكروهة، لكن ليست سمتًا صالحًا. بمعنى أن من هذه الملابس الملبوسات ما يكون فيه ألوان، وإن كانت غير معهودة، وإن كانت غير معهودة، ولكنها ليست محرمة ولا مكروهة؛ الألوان -كما تعرفون- عادة بعض الشباب أن يتحرى الألوان -كما يقال- غريبة، لون غير موجود في السوق. فهذه وإن قيل: بأنها ليست محرمة، بل ولا مكروهة، ولكنها -كما قال الشيخ رحمه الله تعالى- ليست سمتًا صالحًا، ليست سمتًا صالحًا ينبغي أن يتحلى به أهل الصلاح. قال رحمه الله تعالى: والحلية في الظاهر كاللباس؛ عنوان على انتماء الشخص، بل تحديد له. وهل اللباس إلا وسيلة من وسائل التعبير عن الذات؟ انظر الشيخ رحمه الله تعالى يلفت النظر إلى مسألة مهمة، وهي: أن المظهر يدل على المخبر، والظاهر يدل على الباطن؛ الإنسان -كما قيل- بزيه يعرف ما يكون في باطنه. قال رحمه الله: والحلية في الظاهر كاللباس؛ عنوان على انتماء الشخص، بل تحديد لشخصية شخص. قال: وهل اللباس إلا وسيلة من وسائل التعبير عن الذات؟ فكن حذرًا يا طالب العلم؛ فكن حذرًا في لباسك؛ لأنه يعبر لغيرك عن تقويمك في الانتماء والتكوين والذوق. ولهذا قيل: الحلية في الظاهر تدل على ميل في الباطن. والناس يصنفون -كما تعرفون- بلباسك، بل إن كيفية اللباس، إن كيفية اللبس تعطي للناظر تصنيف اللابس: من الرصانة والتعقل، أو التمشيق والرهبنة، أو التصاب وحب الظهور. بمعنى أن الإنسان إذا نظر إلى الإنسان -ولا سيما من كان عنده فراسة وكان عنده تمييز- ربما نظر إلى الإنسان من مجرد ملبسه، لباسه، وهيئة لباسه، يستطيع أن يقوم ذلك الشخص، يستطيع أن يقوم ذلك الشخص: أي شخصية يحملها ذلك الشخص. قال: من الرصانة والتعقل، من ملبسك وهيئتك وحالك، يستطيع أن ينظر إليك من آتاه الله جل وعلا تمييزًا وفراسة فيحلل -كما يقال- شخصيتك، فيقول: هذا من النوع كذا وكذا، وهذا من النوع كذا وكذا، وهكذا. إذا جاءنا إنسان -كما يقال- على الهيئة المعروفة: جاءنا الرجل يلبس ثياب الطب، مباشرة ماذا سنقول؟ هيا جماعة طبيب! جاء آخر لابس بدلة -كما يقال- حق ميكانيكي، مباشرة الملبس يدل على ماذا؟ على حال الرجل. كذلك جاءنا الرجل في لباس آخر من ألبسة أهل العلم، رجل آخر جاءنا بزيء من الأزياء المعروفة، فكل زيء يبين لإنسان شخصية ذلك الرجل، وما خفي من باطنه. وهذا -كما قلنا- يميزه أهل الفراسة والتمييز. قال: فخذ من اللباس ما يزينك ولا يشينك؛ ما يزينك ولا يشينك، قال: ولا يجعل فيك مقالًا لقائل أن يطالب العلم، ولا ملمز للامز. وإذا التقى ملبسك وكيفية لبسك بما يلتقي مع شرف ما تحمله من العلم الشرعي كان أدعى لتعظيمك والانتفاع بعلمك، بل بحسن نيتك يكون قربة؛ إنه وسيلة إلى هداية الخلق للحق. بمعنى أنه ينبغي لطالب العلم أن يلبس الثياب الدال على حاله أنه من طلبة العلم، فيكون هذا من السمت الظاهر، ومن الهدي الظاهر؛ لأن في ملبسك دعوة إلى ما تحمله من العلم، دعوة إلى ما تحمله من العلم ومن الخير ومن السنة ومن الصلاح إلى غير ذلك، فيكون في ملبسك دعوة إلى الله جل وعلا. لذا قال الشيخ رحمه الله: بل بحسن نيتك إذا لبست هذا اللباس على هيئة معروفة بأنها من هيئات طلب العلم وطلبة العلم، لأجل أن تكون داعيًا بلباسك إلى العلم؛ بهذه النية الصالحة لعل الله جل وعلا يأجرك عليها. قال: وفي المأثور عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «أحب» أو قال: «أحب إلي أن أنظر إلى القارئ أبيض ثياب». الإمام أو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقول: أحب إلي أن أنظر إلى قارئ القرآن أن يكون ماذا؟ أن يكون أبيض الثياب. قال الشيخ: أي ليعظم في نفوس الناس؛ فيعظم في نفوسهم ما لديه من الحق، أي: من كتاب الله جل وعلا. قال: والناس -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى- كأسراب القطاء مجبولون على تشبه بعضهم ببعض، فكن داعيًا إلى التشبه بك على الحق وعلى الهدي الحسن. قال: فإياك ثم إياك من لباس التصابين. أما اللباس الإفرنجي: أي الذي عليه غير المسلمين من الإفرنجة، قال: فغير خاف عليك حكمه؛ أي من الألبسة المحرمة، لا سيما إذا كان مما هو من خصائصهم ذلك اللباس. قال: وليس معنى هذا أن تأتي بلباس مشوه؛ أي أن يلبس ثيابًا مشوهة فيقول: أنا أتزهد! أنا أتزهد! بل ينبغي له ماذا؟ كما قال الشيخ: لكنه الاقتصاد في اللباس برسم الشرع؛ أي على ما رسمه وجعله الشرع وشرعه الشرع، قال: تحفه بالسمت الصالح والهدي الحسن، وتطلب دلائل ذلك في كتب السنة والرقاق، لا سيما في «الجامع» للخطيب. قال: ولا تستنكر هذه الإشارة؛ فما زال أهل العلم ينبهون على هذا في كتب الرقاق، في كتب الرقاق والآداب، واللباس واللباس. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على